المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يونغ ودرويش!


عمر حكمت الخولي
11/10/2008, 06:30 AM
يونغ ودرويش!
(تنويهٌ لا بدَّ منه)


بغضِّ النظرِ عن آلافِ المشكلاتِ التي تواجِهُ مجتمعَنا العربيَّ كلَّه، الاقتصاديَّةِ منها والاجتماعيَّةِ والثقافيَّةِ والسياسيَّةِ والعسكريَّة، إلاَّ أنَّ هنالكَ مشكلةً أظنُّها قد استفحلتْ في عقولِنا وضمائرِنا تماماً حتَّى أصبحتْ جزءاً من تراثنا المجيدِ، ودينِنا الحنيف!
ماتَ درويش، فانبرى لمهاجمتِه أولئكَ الذين امتهنوا الشعرَ الخالي مِنَ الشعورِ، واعتنقوا العروبةَ بامتراءٍ، وآمنوا بعقيدةٍ لا وجودَ لها إلا في خيالاتِهم. بين لحظةٍ وأخرى أصبحَ درويشُ (شاعرُ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ) خائناً وملحداً وزنديقاً وزيرَ نساءٍ وسكِّيراً وعربيداً، وأُلحقتْ بشخصِه جميعُ تلكَ الصفاتِ الأخرى التي أستحي مِنْ ذكرِها في مقالي. هاجموه كما هُوجمَ مِنْ قبلُ نزارُ، وكما حوربُ أدونيسُ، وكما يحدثُ كلَّ يومٍ لألفِ شاعرٍ عربيٍّ!
لستُ أنافحُ في مقالي هذا عن محمود ، ولا عن نزار قبَّاني، ولا عن سواهما، فأنا لَم أعرفهم شخصيَّاً، ولا حتَّى عن نفسي -وقد نالَني ما نالَهم مِن تكفيرٍ وتشهيرٍ- فمعظمُكم لا يعرفُني أيضاً، جلُّ ما في الأمر أنَّني أرغبُ في مناقشتِهم بمنطقِهم، ومحاججتهم بحججِهم.
قالَ أحدُهم تعقيباً على قصيدتي (هل مات محمود) المهداةِ إلى روحِه في يومِ رحيلِه: "هل محمود هو شاعرُ القضيَّةِ الفلسطينيَّةِ؟ هل ذاكَ الذي شكرَه السفيرُ الإسرائيليُّ في باريسَ لأنَّه استنكرَ المؤتمرَ الذي سيفضحُ الهولوكست، والذي كافأَهُ وزيرُ التربيةِ الإسرائيليُّ على نضالِه وأدرجَ بعضَ قصائدِه في المناهجِ العبريَّةِ هو شاعرُ قضيَّتِنا؟" وفي تعقيبٍ آخرَ على ذاتِ القصيدةِ، لم يكتفِ صاحبُ التعليقِ بتكفيرِ وتخوينِ محمود درويش، بل وكفَّرني أنا أيضاً لأنَّني رثيتُ محموداً (الشيوعيّ) بقصيدتي!
وأنا أقولُ لهما ولنا جميعاً: هل علَّمتنا العروبةُ والإسلامُ أن نتَّبعَ قاعدةَ (لا تقربوا الصلاة – ولا إله)؟

عندما رحلَ الرئيسُ جمال عبد الناصر، نعتْهُ الصحفُ ووسائلُ الإعلامِ الإسرائيليَّة، وقالت: "بقدرِ فرحِنا اليومَ لموتِ شبحِ الرعبِ العربيِّ، نحزنُ على رحيلِ فارسٍ مقدامٍ وسياسيٍّ محنَّكٍ"، وعندما رحلَ الرئيسُ حافظ الأسد أعلنت إسرائيلُ الحدادَ ثلاثةَ أيامٍ. فهل هذا يعني أنَّ جمال وحافظ مرتبطونَ بإسرائيل؟ أو أنَّهم خونة؟
عندما استتبَّ الأمرُ للمسلمينَ وفتحوا الأقطارَ العربيَّةَ كلَّها، لَم يمسُّوا آثارَ الحضاراتِ القديمةِ (الوثنيَّةِ) كالفرعونيَّةِ والآشوريَّةِ والآراميَّةِ بأيِّ سوءٍ، بل حافظوا عليها وعلى لغاتِها وأساطيرِها، بل وفيما بعدُ أنشأ العربُ المسلمونَ متاحفَ ليحفظوا تماثيلَ الآلهةِ التي عبدتْها تلكَ الحضارات. فهل هذا يدلُّ على أنَّ العربَ المسلمينَ قد اعتنقوا تلكَ الدياناتِ وقدَّسوا تلكَ الآلهة؟
عندما رفضَ السيِّدُ المسيحُ عليه السلامُ رجمَ المرأةِ الزانيةِ، وقالَ: "مَن كانَ بلا ذنبٍ فليرجمْها بحجر". هل كانَ يشجِّعُ على الزنا والفحشاءِ والزندقة؟
بل عندما امتدحَ النبيُّ المصطفى محمَّدٌ (ص) حاتمَ الطائيَّ (الكافرَ) أمامَ جمعٍ مِن المسلمينَ ومِن أبناءِ طيء، هل هو بذلكَ يُقرُّ بصوابِ جميعِ أفعالِ ومعتقداتِ حاتمٍ ويدعو إليها؟
فلماذا إذاً أصبحَ محمود درويش خائناً عندما اقترحَ وزيرُ التربيةِ الإسرائيليُّ (يوسي ساريد) في العام 2000م إدراجَ قصائد محمود ضمنَ البرنامجِ الأدبيِّ الدراسيِّ للمدارسِ الإسرائيليَّةِ؟ علماً بأنَّ هذا الاقتراحَ ظلَّ في فكرِ الوزيرِ وحدَه، ولَم يُنفَّذ!
ولماذا أصبحَ محمود أيضاً ملحداً وكافراً لمجرِّدِ أنَّه انتسبَ للحزبِ الشيوعيِّ؟ أليسَ مِن الممكنِ أن يكونَ ذا فكرٍ شيوعيٍّ مِنَ الناحيةِ السياسيَّةِ فحسب، أي بعيدٍ عن (الدين أفيونُ الشعوب)؟
ولماذا حُشرتُ أنا أيضاً في تلكَ الخانةِ لمجرَّدِ أنَّني في السابقِ قد هاجمتُ بعضَ رموزِ السياسةِ العربِ وبكيتُ حالَنا بلا خوفٍ، واليومَ لأنَّني رثيتُ محمود؟
باختصارٍ شديدٍ، لماذا تُجرُّ ذيولُ الكفرِ والانحلالِ والخيانةِ دوماً على الشعراءِ والأدباءِ والمبدعين؟ ما سببُ تلكَ العقدةِ التي تجعلُ منَّا -أي الشعراء- محطَّ أنظارِ التكفيرِ والتخوينِ عندَ البعض؟
لحلِّ هذه المعضلةِ، وللإجابةِ عن هذا السؤالِ، هنالكَ طريقتان:
الأولى: أن نرجعَ بتاريخِنا إلى ما قبل التدوين! فإيديولوجياتُنا اليومَ هي نتيجةُ مئاتِ الألوفِ مِنَ الأعوامِ التي عاشَها بنو الإنسانِ جميعاً، وملايينِ الحوادثِ والظروفِ التي أثَّرتْ في الشعورِ واللاشعورِ البشريِّ، كما قالَ العالِمُ والفيلسوفُ (يونغ) صاحبُ نظريَّةِ (اللاشعور الجمعي)، ونحاولَ تغييرَها والحؤولَ دونَ وقوعِ تلكَ التغيُّراتِ في مرآتِنا النفسيَّة!
الثانية: أن نكونَ أكثر مصداقيَّةً، وأكثرَ شفافيةً، وأن نتوخَّى الدقَّةَ في تحليلاتِنا (العشوائيَّةِ) التي نقصفُ بها جميعَ مدائنِ الشعرِ، وحضاراتِ الأدبِ، ونهاجمُ من خلالها نخبةَ النخبةِ في مجتمعاتِنا!
ولكم يا سادتي حريَّةُ الاختيارِ بينَ الطريقتين!

محمود الحاج محمد
11/11/2008, 01:27 AM
عمر !

كما قلتُ لك

سنقف بقرب أمثالك هنا

دااائما

ولكَ الودّ صديقي !

..

عمر حكمت الخولي
11/12/2008, 11:52 AM
لكَ شكري صديقي محمود..

وأكرّر... ليس قربي!

كلّ المودة

عبد السلام العطاري
11/22/2008, 02:29 AM
طالعت هذا القول الجميل الذي سكبته يا عمر على جدار درويش الأخير///// هو هنا يسكن قربي في رام الله وعشته وصادقته واختلفنا معه ولكن تماما لم نختلف عليه على الأطلاق بانه كان وما زال ثروتنا الإجتماعية كما قلتها في غير مكان وغير لقاء وغير ندوة، ان كان الخليج العربي يملك النفط، وجنوب افرقيا تملك الماس، فنحن الشعب الفلسطيني اينما كان وتواجد على ارضه وطنه او في شتاته، يملك درويش ، دوريش الشاعر الكوني الذي جاء بما لم ياتي بعد المتنبي، سواء اقر ذلك شاعرنا ومفكرنا اودنيس او لم يقر به من اتخذ الدين لمجرد الإختلاف.
قرأت مقالتك في غير مكان وقبل ان اجدك هنا، ولم اشأ ان أعلق تضامنا على ما تم تعليقه على ما ذكرت من انحياز جميل اناصرك به واشدد على قلمك الذي يروي ظمأ من يدرك ان الشعر الثروة في درويش هو الشعر الثورة ايضاً.
الشيوعية التي رموا بها درويش ؛ هي الشيوعية التي اطعمتنا رغيف الخبز في جنوب لبنان فترة الثورة الفلسطينية، وهي التي فتحت ابواب ترسانتها العسكرية لكل حركات التحرر العالمي، وهي التي اطعمت جوعى فُرغت امعاءهم امريكا وحلفها الاطلسي، وهي التي شَفَت جراح من اثخنتهم ولايات الغطرسة الامريكية، وما تلاه من تعقيب ان يرحب عدو بما يقول درويش، أذكر مقولة وامنية لجزار صبرا وشاتيلا " شارون" عندما قال " تمنيت ان يكون درويش اسرائلياً" يا صديقي قرأت من قدح وذم براحلنا الكبير وعاتبت واتصلت ببعضهم، وعندما زرت الشقيقة سوريا راجعت احدهم الذي كان فعلا مستاء من مواقف جماعته حيال تكفير درويش.
محبتي وتقديري لك .

عمر حكمت الخولي
11/28/2008, 07:09 AM
الفاضل عبد السَّلام العطَّاري:
في زمانِنا هذا، وبالتَّأكيدِ في بلادِنا نحنُ، عندما يعجزُ مدَّعو الثقافةِ عن مواجهةِ أحدِ القاماتِ الفكريَّةِ، أو حتَّى الفنِّيَّةِ والسِّياسيِّةِ، إلخ... يتَّهمونَهُ بالكفر! فلا جديدَ يا صديقي.

محمود درويش، وسواهُ ممَّنْ وضعوا على كاهلِهمْ عبءَ القضايا القوميَّة/الإنسانيَّةِ، الَّتي تكادُ لا تُحصرُ في أوطانِنا، معرَّضونَ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ للتجريحِ والقذفِ والذَّم..
محمود كان ليبراليَّاً من وجهةِ نظري (بالمعنى الإيجابيّ/الحقيقيّ)، ولمْ يكن ينتمي ولا يعبِّرُ عن آراءِ أيَّةِ جماعةٍ إلاَّ منِ اتَّسمتْ بالحريَّةِ، والعدالةِ، وهما سمتانِ غائبتانِ تماماً عن مجتمعاتِنا، ببركةٍ من حكوماتِنا!

مودَّتي الأكيدة