هدى محمد
11/17/2008, 03:04 AM
تعب الشعراء هو القلق الذي يتخذ شكل الوجه
تعب الشاعر من الحياة عتبٌ عليها. والتعب لا يأتي إلا من العتب، حين يقع الشعراء في السأم، واليأس الذي يتضخم ليصير لوماً ثمّ تقريعاً للنفس على كلّ ما فاتها ويُعتقدُ أنها به قد تكون أسعدَ و أكثر تصالحاً مع نفسها في القصيدة.
هو السأم من الحياة في لا استطاعة الشاعر توجيه أحداثها إلى ما يرتئيه هو من توافق مع العالم المثالي الذي يعيشه كشاعر ويتحد فيه بذاته الإنسانية النبيلة في ارتياحها إلى الجمال، وانزياحها بلاوعي محقق إلى ما هو ضد المادية وتكاليف العيش الثقيلة على قلبه الشاعر كحجر يثقل قلبه فيودي به في متاهات الجنون والضياع، وهو قاب شعرة منه على كل حال، وعبقر الجنون الشاعر يسكن خياله ويرسم مخيلته، وفي ذلك يقول أول الشعراء وحكيمهم زهير بن أبي سلمى في معلقته:
"سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعشْ
ثمانين حولاً لا أبا لكَ يسأمِ
وأعلمُ علمَ اليومِ والأمسِ قبلهُ
ولكنني عن علمِ ما في غدٍ عمِ"
فالشاعر العربي منذ الجاهلية عانى نعمة الشعر ونقمتها عليه في حياة اجتماعية تفرض عليه شروطها التي لا تتوافق مع شفافيته المفرطة وحساسيته الشاعرية الجمالية، فزهير بن أبي سلمى يرى في طول العمر استكثار معاناة وألم وعذابات تفرضها السنون، ولا ينجو منها إلا من غاب عن الحياة نفسها، قبل أن تدهمه بفواتها القاتل، وزهير الحكيم يرى بعين الشاعر العمياء عن أحداث الحياة، الخبيرة بالكشف الشعري الذي لا يرتاح لليومي والعادي.
تعب الشعراء هو القلق الذي يتخذ شكل الوجه الذي لهم، ويضعونه على وجوههم كلّ صباحٍ ولا يملّونهُ. أو الطاولة التي يلقون عليها مصائبهم و المصاعب التي تجعلهم ينهارون إليها كجسدٍ يرتطم بالأرض ليتهشم كزجاج الأمنيات التي يحملونها كوابيس يقظة و أحلاماً مؤجلةً لا تأتي.
والشاعر العربي عانى كما الإنسان العادي من شدة وقع الحياة عليه، في تسارع تحولاتها وانتقاصها من مساحة حريته وفرديته كشاعر. يصرخ فلا يجيبه إلا رجع صوته في الفراغ، وهو نبي السؤال، له وجهُ نقاطٍ ثلاث أدارت ظهرها للكلام، وهو الحزين دائماً يمضي إلى زاوية الشارع علّه يجد ما يكنس به شظايا يديه. حزينٌ لأن نمل الحروف تسلل إلى رغيف حبره في وحدته القاتلة، يقول عبدالوهاب البياتي:
"الكنز في المجرى دفين
في آخر البستان
تحت شجيرة الليمون
خبّأه هناك السندبادْ
لكنّه خاوٍ
وها أنّ الرمادْ
والثلج والظلمات والأوراق تطمرهُ
وتطمر بالضباب الكائنات
أكذا نموت بهذه الأرض الخراب
ويجف قنديل الطفولة في التراب؟".
يبحث الشاعر عن كنزه، قمره الذي دفع لوركا حياته ثمناً للبحث عنه ولا يجده، نظر في عيني القاتل وسأله:" أين قمري؟ هل رأيت لي قمري؟"، وهنا عبدالوهاب البياتي يسأل عن كنز عمره، قمره الذي خبّأه السندباد تحت شجرة الليمون في آخر بستان العمر. وهنا يبكي الشاعر رماد العمر الذي احترق بالثلج ثلج المشاعر، والأوراق أوراق الشاعر، والظلمات ظلمات الروح. ويقينه أن العمر فراغ وخواء، ولا يمكن للرؤيا القصيدة أن تتحقق في الأرض الخراب إلا بالموت، الدفن، وهو الخلاص الأخير للشاعر في قصر عمره عن تحقق غاياته ويأسه من الوجود، وقلقه الوجودي الذي حلّ بلاوعيه منذ ما قبل تكوّنه الجنيني الأول.
والعمر منفاه بين الناس، ومستقره قصيدة ترثيه بينهم زنبقةً تموت، وشاعراً فقيراً حاجتهُ الحب وتحقق غايات قصيده في رؤيويته الكاشفة، يقول عبد الوهاب البياتي في قصيدة "قمري الحزين":
"ونحنُ من منفى إلى منفى ومن بابٍ لبابْ
نذوي كما تذوي الزنابق في الترابْ
فقراءَ يا قمري نموتْ
وقطارنا ابداً يفوتْ".
قلق الشعراء في الحياة ومنها، هو الرداء الذي يضعونه لعُريهم كلّ نهارٍ جديدٍ ليبتسموا للآخرين بينما يقبعون خلف أقنعتهم يبكون لامبالاة الحياة بهم، أو تطاول قامتها على قزمية تفاصيلهم التي تفوق في اعتقاد الشاعر أهمية مظهر رشاقة الحياة و أناقتها المصطنعة، وربما فداحة اضطراب أشيائها في تناقضات وجود بشرها و علّته الفارغة، يقول عبد الوهاب البياتي في قصيدة "أولد وأحترق":
"شمسُ حياتي غابتْ
لا يدري أحدٌ
الحب وجودٌ اعمى ووحيدٌ
ما مِنْ أحدٍ يعرفُ في هذا المنفى أحداً
الكلُّ وحيدٌ
قلبُ العالم من حجرٍ
في هذا المنفى الملكوت".
والشعراء تغويهم الحياة فيتعبون بها، ويقتلهم السعي الدؤوب خلف مرادٍ لا يتحقق إلا في الغياب، والمنفى هو صدفة حمايتهم كسلحفاةٍ يتعبها حملُ بيتها على ظهرها ويحميها لفرط شفافيتها وانكشاف لحمها، يقول بدر شاكر السياب، في قصيدة له بعنوان "سراب":
"بقايا من القافلة
تنيرُ لها نجمةٌ آفلة
طريق الفناءْ
وتؤنسها بالغناء
شفاهٌ ظماءْ
تهاويل مرسومةٌ في السراب
تمزّق منها النقابْ
على نظرةٍ ذاهلة
وشوق يذيب الحدودْ"
هي قافلة العمر تنير لها نجمة الشعر الآفلة، التي لا تسطع إلا في ظلمة الفناء، في عتمة الحزن الذي يلازم الشاعر كظله، في نومه ويقظته، كلّ صباحٍ تغادر غرفته عينيها وتنام في الجدران، تنام وسادته في قميصه ليكون القلب أكثر دفئاً، والنوافذ عيناه تشرعان وجهاً للريح، و النوافذ ترمي بنفسها عن الشرفة حين يضيق بها الإطار ويشتد شوقها للعصفور. يقول بدر شاكر السياب:
" إذا حدجتني الشهب
هتفتُ بها "غداً سنموت، فانهمري على البشرِ"
لأهون أن أموت لديكِ وحدي دون حشرجةٍ
ولا أنةٍ من القدر المروّع يجرف الأحياءَ بالآلاف
ولكنني أصيخ إلى النهار فأسمع العرّاف
يهدد "سوف يهلك من عليها ... "
أكاد أمزقُ الدم في عروقي بارتعاد روحي الحيرى
أكاد أعانق القبرا
أرى أفقاً وليلاً يطبقانِ عليَّ من شرفةٍ".
والتعب في الحياة اليومية لا يشبه ما يشتهيه الشعراء لأنفسهم، لكنهم يرحّبون به كضيفٍ ثقيلٍ دائماً يلوّن ليلهم بالأرق و نهارهم بالقلق المر، وما بينهما يتسع ليتخذ شكلَ سكّينٍ ينغرس في خاصرة النص عندهم لحظةً كلَّ لحظةٍ. يقول عدنان الصائغ:
" أخرج من ضوضائي إلى ضوضاء الأرصفة
أنا ضجرٌ بما يكفي
لأن أرمي حياتي
وأمضي طليقاً
ضجراً من الذكريات والأصدقاء والكآبة"
يصرخ الشاعر بالآخرين، أن وجوهكم مخيفة، تخنقه أصابع الأحلام فيتعلق بحبل السرة ليختنق بالبكاء، يرجوهم أن "أزيحوا غبار أقدامكم عن زجاج وجهي"، فأنفاسه قافلة سراب وقلبه أصمّته ضوضاء الارصفة، واختنق بالضجر من الذكريات والأصدقاء. يقول عدنان:
" تحت سلالم أيامي المتآكلة
أجلس أمام دواتي اليابسة
أخطط لمجرى قصيدتي أو حياتي
ثم أدير وجهي باتجاه الشوارع
ناسياً كلّ شيء
أريد أن أهرع لأول عمود
أعانقه وأبكي".
تعب الشاعر من الحياة عتبٌ عليها. والتعب لا يأتي إلا من العتب، حين يقع الشعراء في السأم، واليأس الذي يتضخم ليصير لوماً ثمّ تقريعاً للنفس على كلّ ما فاتها ويُعتقدُ أنها به قد تكون أسعدَ و أكثر تصالحاً مع نفسها في القصيدة.
هو السأم من الحياة في لا استطاعة الشاعر توجيه أحداثها إلى ما يرتئيه هو من توافق مع العالم المثالي الذي يعيشه كشاعر ويتحد فيه بذاته الإنسانية النبيلة في ارتياحها إلى الجمال، وانزياحها بلاوعي محقق إلى ما هو ضد المادية وتكاليف العيش الثقيلة على قلبه الشاعر كحجر يثقل قلبه فيودي به في متاهات الجنون والضياع، وهو قاب شعرة منه على كل حال، وعبقر الجنون الشاعر يسكن خياله ويرسم مخيلته، وفي ذلك يقول أول الشعراء وحكيمهم زهير بن أبي سلمى في معلقته:
"سئمتُ تكاليف الحياة ومن يعشْ
ثمانين حولاً لا أبا لكَ يسأمِ
وأعلمُ علمَ اليومِ والأمسِ قبلهُ
ولكنني عن علمِ ما في غدٍ عمِ"
فالشاعر العربي منذ الجاهلية عانى نعمة الشعر ونقمتها عليه في حياة اجتماعية تفرض عليه شروطها التي لا تتوافق مع شفافيته المفرطة وحساسيته الشاعرية الجمالية، فزهير بن أبي سلمى يرى في طول العمر استكثار معاناة وألم وعذابات تفرضها السنون، ولا ينجو منها إلا من غاب عن الحياة نفسها، قبل أن تدهمه بفواتها القاتل، وزهير الحكيم يرى بعين الشاعر العمياء عن أحداث الحياة، الخبيرة بالكشف الشعري الذي لا يرتاح لليومي والعادي.
تعب الشعراء هو القلق الذي يتخذ شكل الوجه الذي لهم، ويضعونه على وجوههم كلّ صباحٍ ولا يملّونهُ. أو الطاولة التي يلقون عليها مصائبهم و المصاعب التي تجعلهم ينهارون إليها كجسدٍ يرتطم بالأرض ليتهشم كزجاج الأمنيات التي يحملونها كوابيس يقظة و أحلاماً مؤجلةً لا تأتي.
والشاعر العربي عانى كما الإنسان العادي من شدة وقع الحياة عليه، في تسارع تحولاتها وانتقاصها من مساحة حريته وفرديته كشاعر. يصرخ فلا يجيبه إلا رجع صوته في الفراغ، وهو نبي السؤال، له وجهُ نقاطٍ ثلاث أدارت ظهرها للكلام، وهو الحزين دائماً يمضي إلى زاوية الشارع علّه يجد ما يكنس به شظايا يديه. حزينٌ لأن نمل الحروف تسلل إلى رغيف حبره في وحدته القاتلة، يقول عبدالوهاب البياتي:
"الكنز في المجرى دفين
في آخر البستان
تحت شجيرة الليمون
خبّأه هناك السندبادْ
لكنّه خاوٍ
وها أنّ الرمادْ
والثلج والظلمات والأوراق تطمرهُ
وتطمر بالضباب الكائنات
أكذا نموت بهذه الأرض الخراب
ويجف قنديل الطفولة في التراب؟".
يبحث الشاعر عن كنزه، قمره الذي دفع لوركا حياته ثمناً للبحث عنه ولا يجده، نظر في عيني القاتل وسأله:" أين قمري؟ هل رأيت لي قمري؟"، وهنا عبدالوهاب البياتي يسأل عن كنز عمره، قمره الذي خبّأه السندباد تحت شجرة الليمون في آخر بستان العمر. وهنا يبكي الشاعر رماد العمر الذي احترق بالثلج ثلج المشاعر، والأوراق أوراق الشاعر، والظلمات ظلمات الروح. ويقينه أن العمر فراغ وخواء، ولا يمكن للرؤيا القصيدة أن تتحقق في الأرض الخراب إلا بالموت، الدفن، وهو الخلاص الأخير للشاعر في قصر عمره عن تحقق غاياته ويأسه من الوجود، وقلقه الوجودي الذي حلّ بلاوعيه منذ ما قبل تكوّنه الجنيني الأول.
والعمر منفاه بين الناس، ومستقره قصيدة ترثيه بينهم زنبقةً تموت، وشاعراً فقيراً حاجتهُ الحب وتحقق غايات قصيده في رؤيويته الكاشفة، يقول عبد الوهاب البياتي في قصيدة "قمري الحزين":
"ونحنُ من منفى إلى منفى ومن بابٍ لبابْ
نذوي كما تذوي الزنابق في الترابْ
فقراءَ يا قمري نموتْ
وقطارنا ابداً يفوتْ".
قلق الشعراء في الحياة ومنها، هو الرداء الذي يضعونه لعُريهم كلّ نهارٍ جديدٍ ليبتسموا للآخرين بينما يقبعون خلف أقنعتهم يبكون لامبالاة الحياة بهم، أو تطاول قامتها على قزمية تفاصيلهم التي تفوق في اعتقاد الشاعر أهمية مظهر رشاقة الحياة و أناقتها المصطنعة، وربما فداحة اضطراب أشيائها في تناقضات وجود بشرها و علّته الفارغة، يقول عبد الوهاب البياتي في قصيدة "أولد وأحترق":
"شمسُ حياتي غابتْ
لا يدري أحدٌ
الحب وجودٌ اعمى ووحيدٌ
ما مِنْ أحدٍ يعرفُ في هذا المنفى أحداً
الكلُّ وحيدٌ
قلبُ العالم من حجرٍ
في هذا المنفى الملكوت".
والشعراء تغويهم الحياة فيتعبون بها، ويقتلهم السعي الدؤوب خلف مرادٍ لا يتحقق إلا في الغياب، والمنفى هو صدفة حمايتهم كسلحفاةٍ يتعبها حملُ بيتها على ظهرها ويحميها لفرط شفافيتها وانكشاف لحمها، يقول بدر شاكر السياب، في قصيدة له بعنوان "سراب":
"بقايا من القافلة
تنيرُ لها نجمةٌ آفلة
طريق الفناءْ
وتؤنسها بالغناء
شفاهٌ ظماءْ
تهاويل مرسومةٌ في السراب
تمزّق منها النقابْ
على نظرةٍ ذاهلة
وشوق يذيب الحدودْ"
هي قافلة العمر تنير لها نجمة الشعر الآفلة، التي لا تسطع إلا في ظلمة الفناء، في عتمة الحزن الذي يلازم الشاعر كظله، في نومه ويقظته، كلّ صباحٍ تغادر غرفته عينيها وتنام في الجدران، تنام وسادته في قميصه ليكون القلب أكثر دفئاً، والنوافذ عيناه تشرعان وجهاً للريح، و النوافذ ترمي بنفسها عن الشرفة حين يضيق بها الإطار ويشتد شوقها للعصفور. يقول بدر شاكر السياب:
" إذا حدجتني الشهب
هتفتُ بها "غداً سنموت، فانهمري على البشرِ"
لأهون أن أموت لديكِ وحدي دون حشرجةٍ
ولا أنةٍ من القدر المروّع يجرف الأحياءَ بالآلاف
ولكنني أصيخ إلى النهار فأسمع العرّاف
يهدد "سوف يهلك من عليها ... "
أكاد أمزقُ الدم في عروقي بارتعاد روحي الحيرى
أكاد أعانق القبرا
أرى أفقاً وليلاً يطبقانِ عليَّ من شرفةٍ".
والتعب في الحياة اليومية لا يشبه ما يشتهيه الشعراء لأنفسهم، لكنهم يرحّبون به كضيفٍ ثقيلٍ دائماً يلوّن ليلهم بالأرق و نهارهم بالقلق المر، وما بينهما يتسع ليتخذ شكلَ سكّينٍ ينغرس في خاصرة النص عندهم لحظةً كلَّ لحظةٍ. يقول عدنان الصائغ:
" أخرج من ضوضائي إلى ضوضاء الأرصفة
أنا ضجرٌ بما يكفي
لأن أرمي حياتي
وأمضي طليقاً
ضجراً من الذكريات والأصدقاء والكآبة"
يصرخ الشاعر بالآخرين، أن وجوهكم مخيفة، تخنقه أصابع الأحلام فيتعلق بحبل السرة ليختنق بالبكاء، يرجوهم أن "أزيحوا غبار أقدامكم عن زجاج وجهي"، فأنفاسه قافلة سراب وقلبه أصمّته ضوضاء الارصفة، واختنق بالضجر من الذكريات والأصدقاء. يقول عدنان:
" تحت سلالم أيامي المتآكلة
أجلس أمام دواتي اليابسة
أخطط لمجرى قصيدتي أو حياتي
ثم أدير وجهي باتجاه الشوارع
ناسياً كلّ شيء
أريد أن أهرع لأول عمود
أعانقه وأبكي".