المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عـــودة


خديجة قرشي
11/21/2008, 01:52 AM
عـــودة


تتوالى دقات ساعة الحائط رتيبة، بلا معنى. تتمنى "أمل" أن تتوقف كل ساعات العالم ليتوقف الزمن، فتلج دروب النسيان وتضيع بين ترهات حياة غدت مجرد ذكريات، مجرد آمال كاذبة وأوهام.
لم تكن مرتاحة .. أبدا .. فمنذ وطئت قدماها شوارع المدينة الكبيرة، حيث الصخب والضجيج، أحست بالضياع، بحثت عن نفسها في مدرج الكلية، في المكتبات والمعارض، على أعمدة الجرائد ونشرات الأخبار في الإذاعة والتلفزة، بحثت عن نفسها في مواد القانون والاقتصاد والعلاقات الدولية..

*** *** *** *** *** *** *** *** ***

كانت طفلة حلوة الملامح، احتضنتها قريتها الصغيرة "سيدي لحسن" بالأطلس طيلة السنوات الأولى من عمرها، فأكسبها طقس المنطقة تحديا وإصرارا وأحيانا قسوة هيأتها لخوض المعركة على درب الحياة الطويل والشائك.
كانت شغوفا بالخضرة، بزقزقة العصافير، وصياح الديكة في الفجر.
كانت طموحة، تأمل اختراق أسوار القرية الصغيرة بحثا عن العلم .. ومن ثم العودة لتفيد بنات قريتها وأبنائها مما نهلته.

*** *** *** *** *** *** *** *** ***

لم يكن أحد في القرية يعلم أن صاحبة الضفيرة السوداء ستعود يوما إلى جذورها، بنفس الحب، بنفس الأمل والإصرار، لكن بوجه شاحب مصفر ورأس مثقل بحصيلة سنوات الدراسات الجامعية، وبشعر هزيل مقصوص ومنسدل على الكتفين.
كان شعرها أول دليل على تأثير المدينة عليها، فبنت قريتها لا تقص شعرها ولا تخرج إلى "العين" إلا محتشمة ملفوفة في "إزار"، لا يكاد يظهر من جسدها إلا عين واحدة.

*** *** *** *** *** *** *** *** ***

تجلس على سور "عين داود" ترقب أطفال القرية، كل واحد يملأ دلوا أو آنية بالماء الحلو البارد .. رأت فيهم صورتها وهي طفلة ..
تأتي إلى مسامعها بين الفينة الأخرى أصوات احتجاج طفولية على عدم احترام "النوبة" ، فتضحك من أعماقها، تنهض .. تتجه إلى " البْحيرة"، تجلس رفقة فتاتين، إبرة، وخيط حرير ومجموعة أوراق صغيرة مربعة الشكل، تصنعان أزرارا غاية في الدقة، قالت لها رفيقة الصبا، إن " المعلّم" يأخذ ما صنعتاه كل يوم جمعة ويدفع الثمن. جل نساء القرية تشتغلن بعد الظهر، تجتمعن في ساحة البيت الكبيرة، تبدعن، تتنافسن وتتجاذبن أطراف الحديث وكلهن أمل في الرحيل إلى المدينة.

*** *** *** *** *** *** *** *** ***

تتوالى دقات ساعات الحائط، الزمن لا يتوقف، والنسيان أمل مستبعد، فقد نالت ذات الضفيرة السوداء شهاداتها بجدارة وأضيف اسمها إلى قائمة المعطلين الطويلة.
أحست بذاتها تتحول إلى مجرد أشلاء مبعثرة هنا وهناك .. طرقت الباب تلو الباب، فسدّ في وجهها بعنف شديد. لا شيء..
لا شيء يفسح أمامها المجال للإبداع والخلق.
أصبحت كتلة من الضياع والإحباط فهربت إلى أحضان قريتها الأطلسية، عساها تواري وجعا وجرحا لم يندمل بعد..

كلمة من الأعماق

يحتاج المرء منا في لحظة من لحظات الإحباط اليومية إلى كلمة حلوة، إلى التفاتة طيبة، تعينه على استرجاع أنفاسه، حتى يتمكن من الإنعتاق والانطلاق من جديد ..

خديجة قرشي

عبد الرشيد حاجب
11/21/2008, 02:06 AM
نعم يا أخت خديجة ،غالبا ما تبدو الطفولة نعيما

مهما كانت صعبة بالقياس إلى هم الكبار

وخيبة أملهم بعد صبر واجتهاد ونضال.

قصة واقعية جميلة حقا نعيشها في عالمنا العربي والثالثي بشكل عام.

والزمن الذي لا يتوقف فيستمر في نهش عمرنا يزيد الطين بلة كما يقال.

مرحبا بك يا ابنة بلدي الثاني وبنصك الذي جاء مكتملا ورائعا رغم كل ما حمل من حزن وهم.

في انتظار مزيد من النصوص والتألق.
.
.

خديجة قرشي
11/21/2008, 03:23 AM
نعم يا أخت خديجة ،غالبا ما تبدو الطفولة نعيما

مهما كانت صعبة بالقياس إلى هم الكبار

وخيبة أملهم بعد صبر واجتهاد ونضال.

قصة واقعية جميلة حقا نعيشها في عالمنا العربي والثالثي بشكل عام.

والزمن الذي لا يتوقف فيستمر في نهش عمرنا يزيد الطين بلة كما يقال.

مرحبا بك يا ابنة بلدي الثاني وبنصك الذي جاء مكتملا ورائعا رغم كل ما حمل من حزن وهم.

في انتظار مزيد من النصوص والتألق.
.
.

الأخ العزيز عبد الرشيد حاجب

إنه الزمن الرديء والواقع المر الذي نعيشه ...

نحلم كثيرا في الصغر،

وحين نكبر يهزأ بنا القدر،

يخيب أملنا،

ونتمنى العودة ...

على أمل أن ننطلق من جديد.

وتبقى بذرة الأمل حية في نفوسنا،

مهما كان الحزن عميقا

والجرح غائرا.

شكرا لك أخي على ترحيبك

وقراءتك لأول نص لي في هذا المنتدى الغني والمتألق.

تحيتي العطرة

غفران طحّان
11/22/2008, 02:47 AM
غاليتي خديجة
أهلاً بنبضك الراقي هنا

سرد راقي.. ولغة متينة ومتماسكة
وطريقة طرح جميلة
هكذا أنت غاليتي
بانتظار المزيد
دمت متألقة
مودتي لروحك

ناهدة حجازي
11/23/2008, 01:56 PM
خديجة ،،

مرحى بـ هذا الاسم الجميل ،، والقلم الأجمل

العودة هنا ستكون صعبة جدا ،، لأنها ومع تحقيق

الجزء الأهم من الأحلام ،، مازال موسم الحصاد بعيدا جدا


تحيتي لك ،،

عماد تريسي
11/24/2008, 12:42 PM
أختي الكريمة / خديجة ,

سعدتُ بقراءة أولى نثيرات أدبكِ القصصي الرائع ,

هذه اللغة الجميلة تقرِّب النص من الذائقة لتحتفي به .


ننتظر مزيداً من هذه المواسم

مودتي

أيهم سليمان
11/24/2008, 03:09 PM
خديجة

أهلا بك و بهذا النبض المتدفق روعة

برغم كتلة الهم التي تقبض على صدره حد الوجع

و لكن أين تلك الكلمة الطيبة

التي تجعل من الإنسان .. شخصا آخر يحث الخطى ليصل إلى مبتغاه؟

قصة بديعة و رائعة

أحييك مجددا على أمل رؤية جديدك

ود

كوثر الصافي
11/25/2008, 12:30 AM
.

قصّة تحاكي الكثير من مثيلاتها في واقعنا..
أحيانا يكون درب العودة صعبا لكنني سعدتُ هنا أنكِ منحتِها ثمّة أمل للعودة الى حياتها البسيطة رغم سنين حلمها المعقّدة والطويلة.

أهلا بك سيدة خديجة.


/

خديجة قرشي
11/26/2008, 02:29 AM
غاليتي خديجة
أهلاً بنبضك الراقي هنا

سرد راقي.. ولغة متينة ومتماسكة
وطريقة طرح جميلة
هكذا أنت غاليتي
بانتظار المزيد
دمت متألقة
مودتي لروحك

المتميزة دائما والعزيزة غفران

حضورك أثلج صدري
وثناؤك شهادة أعتز بها

تحياتي وتقديري

خديجة قرشي
11/26/2008, 02:35 AM
خديجة ،،

مرحى بـ هذا الاسم الجميل ،، والقلم الأجمل

العودة هنا ستكون صعبة جدا ،، لأنها ومع تحقيق

الجزء الأهم من الأحلام ،، مازال موسم الحصاد بعيدا جدا


تحيتي لك ،،

الأخت ناهدة

شكرا على الترحيب الرقيق

وعلى قراءتك لي.

حقا العودة صعبة في مثل تلك الظروف

لكن الأمل لن يموت .. وهو الحافز الوحيد ..

لك أجمل تحية

خديجة قرشي
11/26/2008, 02:40 AM
أختي الكريمة / خديجة ,

سعدتُ بقراءة أولى نثيرات أدبكِ القصصي الرائع ,

هذه اللغة الجميلة تقرِّب النص من الذائقة لتحتفي به .


ننتظر مزيداً من هذه المواسم

مودتي



أهلا بك أيها الأخ الفاضل عماد تريسي

سعيدة أكثر لأن نصي القصصي

حظي بقراءتك المتمعنة وبثنائك

شكرا لاهتمامك وتشجيعك

سأكون بانتظار مرورك مع كل جديد

مع التحية والتقدير

خديجة قرشي
11/26/2008, 03:07 AM
خديجة

أهلا بك و بهذا النبض المتدفق روعة

برغم كتلة الهم التي تقبض على صدره حد الوجع

و لكن أين تلك الكلمة الطيبة

التي تجعل من الإنسان .. شخصا آخر يحث الخطى ليصل إلى مبتغاه؟

قصة بديعة و رائعة

أحييك مجددا على أمل رؤية جديدك

ود

السيد الفاضل أيهم سليمان

أهلا بك على متصفحي

وشكرا على حضورك وتوقيعك.

ماذا عساني أقول؟

إنه واقعنا المعيش، موجع ومؤلم

لكن أملنا في غد أفضل كبير جدا.

مع التحية والتقدير

خديجة قرشي
05/30/2009, 01:37 AM
.
قصّة تحاكي الكثير من مثيلاتها في واقعنا..
أحيانا يكون درب العودة صعبا لكنني سعدتُ هنا أنكِ منحتِها ثمّة أمل للعودة الى حياتها البسيطة رغم سنين حلمها المعقّدة والطويلة.
أهلا بك سيدة خديجة.
/
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأخت الفضلى كوثر
سعيدة بتواجدك هنا، وبقراءتك لي.
طبعا عزيزتي إنه الأمل الذي يحفزنا على الصبر والجد أيضا،
أمل في ...العودة، أمل في...التغيير...
مودتي وتقديري