هدى محمد
11/21/2008, 02:59 AM
قصيد : أيها السائح / لمحمد الماغوط
الكاتب الفلسطيني / د. فاروق مواسي
قلّما يختلف قراّء الشعراء الجاّدون على أن محمد الماغوط (1934- ) أديب مبدع في نصه . ونادرًا ما نجد من ينكر طاقته الشعرية ، كما نعدم من ينكر أن نصه الشعري حداثي – على اختلاف مفاهيم الحداثة ، ولعل كون هذا النص غير موزون ما يؤكد كذلك على حداثيته (1).
ومادام النص حداثيًا ، ومبدعه ذا طاقة شعرية بارزة (2) ، فإنني سأعمد إلى قراءة هذا النص على أنه شعر – آخذًا بنظر الاعتبار قصدية المبدع (3) أولاً ، وكذلك اتفاق الدارسين ونقّاد الأدب العربي الحديث على تميز لغته الشعرية (4) .
لنلج إلى قصيدة " أيها السائح " للماغوط (5) ، وقد استهوتني بسبب ما فيها من عرامة الإحساس بالغربة ، وبسبب العزف فيها على وتر الرفض ، ولأنني لمست الصدق الفني متلقيًا ناقدًا ، فدعتني إلى التفكير والتأمل من خلال اكتشافي أنّ النص له موقف نقدي من الحياة والمجتمع ، وأنّ الإنسان فيه وهو البؤرة التي تشعّ حلمًا لحياة أفضل (6) .
لن انضبط هنا بمنهج ثابت ، ولن افتعل مقاييس هندسية ، ولن تراوغني المقولات المعلّبة ، وإنما سأصحب النص متلقيًا متقربًا ، وسأحاول اقتناص الدلالات من كل لفظة في سياقها – ما استطعت إلى ذلك سبيلاً . أمضي إلى النص حرًا إلى فضائه الحر (7) . أحاوره ويحاورني ، وسبيلي في المصاحبة إيجاد الرؤى أو اكتشافها ، وهي تمتص شحنات الحاضر الممض لترسم مستقبلاً مضيئًا ، أو على الأقل – وهي تّبين لنا / لي أي حاضر هذا ونحن نستقبل المستقبل (8) .
وإليك النص اولاً :
أيها السائح ! ... (محمد الماغوط)
طفولتي بعيدة ... وكهولتي بعيدة ...
وطني بعيد ... ومنفاي بعيد
أيها السائح
أعطني منظارك المقّرب
علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون
تومئ إليّ
صورني وأنا أبكي
وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق
واكتب على قفا الصورة :
هذا شاعر من الشرق .
ضع منديلك الأبيض على الرصيف
واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون :
لأبوح لك بسر خطير :
اصرف أدلاّءك ومرشديك
وألق إلى الوحل .. إلى النار
بكل ما كتبته من حواشٍ وانطباعات
إن أي فلاّح عجوز
يروي لك " ببيتين من العتابا "
كل تاريخ الشرق
وهو يدرج لفافته أمام خيمته .
إلى القصيدة:
أيها السائح :
العنوان فيه دلالة خطابية مركزة (9) على شخص غير عادي / غير مألوف ، على الخارج عن اليومي أو المدهش ؛ وسيعود الراوي على هذا الخطاب في السطر الثالث بعد أن يقدم لنا في السطرين الأولين عصارة معاناته.
تقع القصيدة في مقطوعتين أو في مجموعتين من السطور بينها فسحة فراغية . تبدأ المقطوعة الأولى بمطلع استذكاري انفعالي ، فيه تنبيه لنفسه أولاً ، وفيه بيان للناس ثانيًا :
طفولتي بعيدة ...وكهولتي بعيده ..
وطني بعيد .... ومنفاي بعيد .
إنه الضياع إذن المتمثل في الأخبار بالبعد – البعد المستمر للأزل ! فالطفولة – وهي بريئة وجميلة – مرّت وانطوت بحرمانها حتى غدت مجهولة أو بعيدة عن ذاكرته ، وكم بالحري إذا كادت – هكذا – أن تُنسى ، ولا يبقى من أثرها ما يذكر .. وحتى كهولته (10) (ويعني شيخوخته) لا تقبل عليه ، بل تظلّ بعيدة عنه . وها هو الراوي يتمناها في شبابه ليخلص مما هو فيه من عذاب ، مؤملاً أن يكون له هيبة ما ، أو أن يكون على شفا النهاية أو الاستقرار ، إذن هو في وسط الدوامة – لا يستطيع أن يرجع ، ولا يستطيع أن يتقدم (11) ؛ لا يستطيع أن يحظى بعالم له معالم ، فهذا فيه منتهى الضياع .
ويعود إلى نفس الفكرة التي يرسّخ فيها معنى الضياع ليقول لنا إن وطنه بعيد ؛ والوطن يعني أولاً البيت والحمى والأهل ، فإذا أحسّ هنا بالبعد فإنه يعيش مغتربًا مستلبًا ، والأنكى من أنه لا يملك حتى المنفى – هذا المنفى الذي قد يكون استقرارًا بالرغم من هجره وإنكاره .
وعلى ذلك فليسَ له وطن وليس له منفى . (12)
يستعمل الراوي الطباق بدءًا ليعكس مدى الصراعية في قرارة نفسه ، وذلك من خلال هذه الغربة الوجدانية التي تتفاعل فيه .
لو جربنا أن نحذف ياء المتكلم (المضاف إليه) ، لوصل إلينا المعنى هكذا : لا طفولة ولا كهولة ، لا وطن ، ولا منفى – كلها ليست حاضرة ، ولكن الياء هذه تخلص الجمل من المباشرة ، وتشحن الجمل بالتجربة الشخصية الحيّة ، بالإضافة إلى تقديمها الإيقاع الصوتي الموسيقي المتعاقب . بعد هذا الكشف الأولي لغربته في الزمان وفي المكان يتوجه الراوي الشاعر إلى السائح مناديًا إياه : " أيها السائح " .
هكذا مباشرة ، ويطلب تلو الآخر من غير أن نرى أو نلمس أي رد فعل منه ، لقد انشغل بنفسه فقط ، وما عاد يحفل إلا بتوتره وتواتر رجائه . إنه لا يحيي السائح أو يتلطف إليه، بل يباشره - حالاً بالطلب : أعطني منظارك المقرّب ! ولفظة " المقرب " جاءت موازية لتقلل من حدة البعد ، ولكنها – عمليًا أكدت رسوخ الألم في نفسه ، فها هو يطلب المنظار ، ويمنّي نفسه : علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون تومئ لي !
إذن هو يبحث عمّن يُعنى به ، يجيبه ، أو على الأقل ينتبه إلى وجوده ، فهذا الكون الواسع ليس فيه يد تشير إليه ، بل ليس هناك حتى محرمة (بدون أن تظهر اليد) . إنه يطلب المنظار لعله يرى أملاً عن بعد ، وذلك بعد أن عزّ ما في القرب واستعصى – وذلك في تنكر مَن حوله وجفائهم ، والمنظار من شأنه أن يقرّب ، ولكن هيهات ، ولذا تواصلت الجملة الشعرية طويلة وتلاحقت من غير توقّف يشي بالأمل . أما لفظة المحرمة ، العامية فقد جاءت معبرة أكثر من لفظة " المنديل " التي سيستعملها (بعد أربعة أسطر)، في سياق الحديث عن السائح ، وذلك بسبب صدقها وعفويتها ، خاصة وهو يعقد الأمل في خلاصه على الناس العاديين ، وأنى له ذلك !
ينتقل الراوي إلى الطلب الثاني : " صورني وأنا أبكي " !
إنّ الراوي يشير لنا إيحاء أنه دائم البكاء ، فالجملة الحالية ثابتة لا متنقلة ، فلا يصح المعنى أن ينتظر السائح ساعة بكائه فقط ليلتقط له صورة ، وبلغة أوصل – ليصوره .
إنه يقعي وعليه أسمال ويجلس أمام عتبة الفندق ، فهذه الألفاظ فيها صورة لغوية لرجل كأنه الكلب ، فقير جدًا ، ومنبوذ – يقعي أمام العتبة (ذلك لأنه محظور عليه الدخول بهيئته الزرية) .
يتخيّل الراوي أن الفعل لا بدّ محقق ، وأنه سيصوره ، فيطلب منه :
" واكتب على قفا الصورة
هذا شاعر من الشرق " .
لم يطلب منه أن يكتب اسمه الشخصي ، وها هو قد عرفّنا لأول مرة إلى نفسه ، فهو شاعر من الشرق . يقول " شاعر " ليرمز إلى كل المثقفين أمثاله ممن يعانون معاناته ، ويقول " من الشرق " مقابلة للسائح من الغرب – عادة – هذا السائح الذي يجيء إلى الشرق ارتيادًا للسحر والمدهش والغريب عن عالمه . قلت – لم يطلب منه أن يكتب اسمًا معينًا ، بل طلب منه أن يكتب " هذا شاعر ..." تنكير من غير تعريف ، وكأنه يدلّ على شموليّة المصير لدى القطاع الذي يمثله ، فهو ليس وحيدًا في معاناته .
ويظلّ تساؤل : ترى لو التقط سائحنا الصورة – وكتب عليها " شاعر من الشرق " ، فماذا عساه فاعل بها ؟ هل تكون للتسلية ؟ للتضامن ؟ أم ستبقى لقطة عابرة ؟! ... هل سيريها لشاعر آخر هناك ؟ أم أنه سيمزقها بعد أيام ؟
تأخر تعريفنا أنه " شاعر من الشرق " ، فجاءَ ذلك بعد أن وصف عذابات الإنسان المسحوق عامة (من غير تخصيص) ؛ فإذا أدركنا مدى شقاء المثقف (ومن المفروض ألا يكون بهذه الحدة) ، فكم بالحري أن نتساءل : كم سيبلغ شقاء ذلك المسحوق العادي أكثر من ذلك ؟
تنتهي الفقرة الأولى ، ونستلخص منها عذاب الراوي وغربته ، ومناشدته السائح أن يستعير منه منظاره للحظات ، فلعله يرى بصيص أمل في اعتباره كائنًا بشريًا له علاقاته الإنسانية . يطلب منه أن يصوره باكيًا وهو يقعي أمام عتبة الفندق – حيثُ يقيم الغرباء عادةً ممن جاءوا يترفهون ، إن الوصف هنا أخذ ينطلق إلى وصف المجموع بعد أن كان يدور حول الفرد .
تبدأ الفقرة الثانية بمناشدة السائح :
" ضع منديلك الأبيض على الرصيف
واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون "
لم يقل للسائح " ضع محرمتك " ، فالسائح يحمل منديلاً (لفظة ترتقي ومستوى الخطاب) ، وهذا المنديل أبيض – دليلاً على النظافة ، فهو لم يكدّ ولم يكدح . وأين سيضع المنديل ؟
على الأرض جانب الراوي ؛ فالسائح لا يقتعد الأرض مباشرة ،خوفًا من اتساخ ثيابه الراقية (تذكر الأسمال بالمقابل) . يطلب منه أن يجالسه على الرصيف ، وأن يتخلّى قليلاً عن مظاهر ترفه ورفاهيته، وكأنه يقول له : اجلس إلى جانبي – أنا البائس – يا أيها السائح المترف ، فقد تكون على استعداد فعلي لأن تفهم إنسانيتي ، وفي هذا التوجه يلمس القارئ أنّ هذا الغريب (وغالبًا – الغربي) على استعداد لأن يقوم بذلك حقًا .
يسأله أن يجلس إلى جانبه تحت هذا المطر الحنون . ما زال الراوي يقعي ويبكي ، وهو في أسماله . وهذا المطر – إشارة لتحقيق صورة واقعية تزيد من حدة المأساوية ، ولكن المفارقة هي في اعتبار المطر أنه حنون . ولماذا هو حنون ؟ - لأنه يتعاطف معه ، فهو ليس غزيرًا ليقسو عليه ، وهو حنون (يلفظ الكلمة) ، فقد يحنّّّّ السائح إليه كالمطر ، إنّّ السائح ليس كالشرطة التي تطارده هنا وهناك – إنه أقل خطرًا وضررًا ، والراوي يطلب منه أن يجالسه ليبوح له بسرّ خطير . ولفظة خطير توحي بأنّ الشرطة تطارده وتلاحقه وتلاحق كلماته ، أو تلاحق مجرد اتصاله بالغريب – أي غريب .
وقبل ذلك يطلب من السائح أن يصرف ويبعد أدلاءه ومرشديه – وهؤلاء – عادة - هم أشخاص موظفون ورسميون . ولماذا يصرفهم ؟ لأنهم قد – بل – يخدعونه أو يقدمون له معلومات ومواد غير دقيقة أو مغرضة . ها هو يتجرّأ بمخاطبته :
" ألقِ إلى الوحل ..إلى النار
بكل ما كتبته من حواش وانطباعات "
إنه ينّوع المصير الذي ستؤول إليه هذه الانطباعات التي كتبها السائح – وهي موجهة غالبًا . فلتكن إذن في الوحل – مبعثرة متسخة محتقرة ... أو لتكن معدومة محترقة إلى الأبد .
الكاتب الفلسطيني / د. فاروق مواسي
قلّما يختلف قراّء الشعراء الجاّدون على أن محمد الماغوط (1934- ) أديب مبدع في نصه . ونادرًا ما نجد من ينكر طاقته الشعرية ، كما نعدم من ينكر أن نصه الشعري حداثي – على اختلاف مفاهيم الحداثة ، ولعل كون هذا النص غير موزون ما يؤكد كذلك على حداثيته (1).
ومادام النص حداثيًا ، ومبدعه ذا طاقة شعرية بارزة (2) ، فإنني سأعمد إلى قراءة هذا النص على أنه شعر – آخذًا بنظر الاعتبار قصدية المبدع (3) أولاً ، وكذلك اتفاق الدارسين ونقّاد الأدب العربي الحديث على تميز لغته الشعرية (4) .
لنلج إلى قصيدة " أيها السائح " للماغوط (5) ، وقد استهوتني بسبب ما فيها من عرامة الإحساس بالغربة ، وبسبب العزف فيها على وتر الرفض ، ولأنني لمست الصدق الفني متلقيًا ناقدًا ، فدعتني إلى التفكير والتأمل من خلال اكتشافي أنّ النص له موقف نقدي من الحياة والمجتمع ، وأنّ الإنسان فيه وهو البؤرة التي تشعّ حلمًا لحياة أفضل (6) .
لن انضبط هنا بمنهج ثابت ، ولن افتعل مقاييس هندسية ، ولن تراوغني المقولات المعلّبة ، وإنما سأصحب النص متلقيًا متقربًا ، وسأحاول اقتناص الدلالات من كل لفظة في سياقها – ما استطعت إلى ذلك سبيلاً . أمضي إلى النص حرًا إلى فضائه الحر (7) . أحاوره ويحاورني ، وسبيلي في المصاحبة إيجاد الرؤى أو اكتشافها ، وهي تمتص شحنات الحاضر الممض لترسم مستقبلاً مضيئًا ، أو على الأقل – وهي تّبين لنا / لي أي حاضر هذا ونحن نستقبل المستقبل (8) .
وإليك النص اولاً :
أيها السائح ! ... (محمد الماغوط)
طفولتي بعيدة ... وكهولتي بعيدة ...
وطني بعيد ... ومنفاي بعيد
أيها السائح
أعطني منظارك المقّرب
علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون
تومئ إليّ
صورني وأنا أبكي
وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق
واكتب على قفا الصورة :
هذا شاعر من الشرق .
ضع منديلك الأبيض على الرصيف
واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون :
لأبوح لك بسر خطير :
اصرف أدلاّءك ومرشديك
وألق إلى الوحل .. إلى النار
بكل ما كتبته من حواشٍ وانطباعات
إن أي فلاّح عجوز
يروي لك " ببيتين من العتابا "
كل تاريخ الشرق
وهو يدرج لفافته أمام خيمته .
إلى القصيدة:
أيها السائح :
العنوان فيه دلالة خطابية مركزة (9) على شخص غير عادي / غير مألوف ، على الخارج عن اليومي أو المدهش ؛ وسيعود الراوي على هذا الخطاب في السطر الثالث بعد أن يقدم لنا في السطرين الأولين عصارة معاناته.
تقع القصيدة في مقطوعتين أو في مجموعتين من السطور بينها فسحة فراغية . تبدأ المقطوعة الأولى بمطلع استذكاري انفعالي ، فيه تنبيه لنفسه أولاً ، وفيه بيان للناس ثانيًا :
طفولتي بعيدة ...وكهولتي بعيده ..
وطني بعيد .... ومنفاي بعيد .
إنه الضياع إذن المتمثل في الأخبار بالبعد – البعد المستمر للأزل ! فالطفولة – وهي بريئة وجميلة – مرّت وانطوت بحرمانها حتى غدت مجهولة أو بعيدة عن ذاكرته ، وكم بالحري إذا كادت – هكذا – أن تُنسى ، ولا يبقى من أثرها ما يذكر .. وحتى كهولته (10) (ويعني شيخوخته) لا تقبل عليه ، بل تظلّ بعيدة عنه . وها هو الراوي يتمناها في شبابه ليخلص مما هو فيه من عذاب ، مؤملاً أن يكون له هيبة ما ، أو أن يكون على شفا النهاية أو الاستقرار ، إذن هو في وسط الدوامة – لا يستطيع أن يرجع ، ولا يستطيع أن يتقدم (11) ؛ لا يستطيع أن يحظى بعالم له معالم ، فهذا فيه منتهى الضياع .
ويعود إلى نفس الفكرة التي يرسّخ فيها معنى الضياع ليقول لنا إن وطنه بعيد ؛ والوطن يعني أولاً البيت والحمى والأهل ، فإذا أحسّ هنا بالبعد فإنه يعيش مغتربًا مستلبًا ، والأنكى من أنه لا يملك حتى المنفى – هذا المنفى الذي قد يكون استقرارًا بالرغم من هجره وإنكاره .
وعلى ذلك فليسَ له وطن وليس له منفى . (12)
يستعمل الراوي الطباق بدءًا ليعكس مدى الصراعية في قرارة نفسه ، وذلك من خلال هذه الغربة الوجدانية التي تتفاعل فيه .
لو جربنا أن نحذف ياء المتكلم (المضاف إليه) ، لوصل إلينا المعنى هكذا : لا طفولة ولا كهولة ، لا وطن ، ولا منفى – كلها ليست حاضرة ، ولكن الياء هذه تخلص الجمل من المباشرة ، وتشحن الجمل بالتجربة الشخصية الحيّة ، بالإضافة إلى تقديمها الإيقاع الصوتي الموسيقي المتعاقب . بعد هذا الكشف الأولي لغربته في الزمان وفي المكان يتوجه الراوي الشاعر إلى السائح مناديًا إياه : " أيها السائح " .
هكذا مباشرة ، ويطلب تلو الآخر من غير أن نرى أو نلمس أي رد فعل منه ، لقد انشغل بنفسه فقط ، وما عاد يحفل إلا بتوتره وتواتر رجائه . إنه لا يحيي السائح أو يتلطف إليه، بل يباشره - حالاً بالطلب : أعطني منظارك المقرّب ! ولفظة " المقرب " جاءت موازية لتقلل من حدة البعد ، ولكنها – عمليًا أكدت رسوخ الألم في نفسه ، فها هو يطلب المنظار ، ويمنّي نفسه : علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون تومئ لي !
إذن هو يبحث عمّن يُعنى به ، يجيبه ، أو على الأقل ينتبه إلى وجوده ، فهذا الكون الواسع ليس فيه يد تشير إليه ، بل ليس هناك حتى محرمة (بدون أن تظهر اليد) . إنه يطلب المنظار لعله يرى أملاً عن بعد ، وذلك بعد أن عزّ ما في القرب واستعصى – وذلك في تنكر مَن حوله وجفائهم ، والمنظار من شأنه أن يقرّب ، ولكن هيهات ، ولذا تواصلت الجملة الشعرية طويلة وتلاحقت من غير توقّف يشي بالأمل . أما لفظة المحرمة ، العامية فقد جاءت معبرة أكثر من لفظة " المنديل " التي سيستعملها (بعد أربعة أسطر)، في سياق الحديث عن السائح ، وذلك بسبب صدقها وعفويتها ، خاصة وهو يعقد الأمل في خلاصه على الناس العاديين ، وأنى له ذلك !
ينتقل الراوي إلى الطلب الثاني : " صورني وأنا أبكي " !
إنّ الراوي يشير لنا إيحاء أنه دائم البكاء ، فالجملة الحالية ثابتة لا متنقلة ، فلا يصح المعنى أن ينتظر السائح ساعة بكائه فقط ليلتقط له صورة ، وبلغة أوصل – ليصوره .
إنه يقعي وعليه أسمال ويجلس أمام عتبة الفندق ، فهذه الألفاظ فيها صورة لغوية لرجل كأنه الكلب ، فقير جدًا ، ومنبوذ – يقعي أمام العتبة (ذلك لأنه محظور عليه الدخول بهيئته الزرية) .
يتخيّل الراوي أن الفعل لا بدّ محقق ، وأنه سيصوره ، فيطلب منه :
" واكتب على قفا الصورة
هذا شاعر من الشرق " .
لم يطلب منه أن يكتب اسمه الشخصي ، وها هو قد عرفّنا لأول مرة إلى نفسه ، فهو شاعر من الشرق . يقول " شاعر " ليرمز إلى كل المثقفين أمثاله ممن يعانون معاناته ، ويقول " من الشرق " مقابلة للسائح من الغرب – عادة – هذا السائح الذي يجيء إلى الشرق ارتيادًا للسحر والمدهش والغريب عن عالمه . قلت – لم يطلب منه أن يكتب اسمًا معينًا ، بل طلب منه أن يكتب " هذا شاعر ..." تنكير من غير تعريف ، وكأنه يدلّ على شموليّة المصير لدى القطاع الذي يمثله ، فهو ليس وحيدًا في معاناته .
ويظلّ تساؤل : ترى لو التقط سائحنا الصورة – وكتب عليها " شاعر من الشرق " ، فماذا عساه فاعل بها ؟ هل تكون للتسلية ؟ للتضامن ؟ أم ستبقى لقطة عابرة ؟! ... هل سيريها لشاعر آخر هناك ؟ أم أنه سيمزقها بعد أيام ؟
تأخر تعريفنا أنه " شاعر من الشرق " ، فجاءَ ذلك بعد أن وصف عذابات الإنسان المسحوق عامة (من غير تخصيص) ؛ فإذا أدركنا مدى شقاء المثقف (ومن المفروض ألا يكون بهذه الحدة) ، فكم بالحري أن نتساءل : كم سيبلغ شقاء ذلك المسحوق العادي أكثر من ذلك ؟
تنتهي الفقرة الأولى ، ونستلخص منها عذاب الراوي وغربته ، ومناشدته السائح أن يستعير منه منظاره للحظات ، فلعله يرى بصيص أمل في اعتباره كائنًا بشريًا له علاقاته الإنسانية . يطلب منه أن يصوره باكيًا وهو يقعي أمام عتبة الفندق – حيثُ يقيم الغرباء عادةً ممن جاءوا يترفهون ، إن الوصف هنا أخذ ينطلق إلى وصف المجموع بعد أن كان يدور حول الفرد .
تبدأ الفقرة الثانية بمناشدة السائح :
" ضع منديلك الأبيض على الرصيف
واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون "
لم يقل للسائح " ضع محرمتك " ، فالسائح يحمل منديلاً (لفظة ترتقي ومستوى الخطاب) ، وهذا المنديل أبيض – دليلاً على النظافة ، فهو لم يكدّ ولم يكدح . وأين سيضع المنديل ؟
على الأرض جانب الراوي ؛ فالسائح لا يقتعد الأرض مباشرة ،خوفًا من اتساخ ثيابه الراقية (تذكر الأسمال بالمقابل) . يطلب منه أن يجالسه على الرصيف ، وأن يتخلّى قليلاً عن مظاهر ترفه ورفاهيته، وكأنه يقول له : اجلس إلى جانبي – أنا البائس – يا أيها السائح المترف ، فقد تكون على استعداد فعلي لأن تفهم إنسانيتي ، وفي هذا التوجه يلمس القارئ أنّ هذا الغريب (وغالبًا – الغربي) على استعداد لأن يقوم بذلك حقًا .
يسأله أن يجلس إلى جانبه تحت هذا المطر الحنون . ما زال الراوي يقعي ويبكي ، وهو في أسماله . وهذا المطر – إشارة لتحقيق صورة واقعية تزيد من حدة المأساوية ، ولكن المفارقة هي في اعتبار المطر أنه حنون . ولماذا هو حنون ؟ - لأنه يتعاطف معه ، فهو ليس غزيرًا ليقسو عليه ، وهو حنون (يلفظ الكلمة) ، فقد يحنّّّّ السائح إليه كالمطر ، إنّّ السائح ليس كالشرطة التي تطارده هنا وهناك – إنه أقل خطرًا وضررًا ، والراوي يطلب منه أن يجالسه ليبوح له بسرّ خطير . ولفظة خطير توحي بأنّ الشرطة تطارده وتلاحقه وتلاحق كلماته ، أو تلاحق مجرد اتصاله بالغريب – أي غريب .
وقبل ذلك يطلب من السائح أن يصرف ويبعد أدلاءه ومرشديه – وهؤلاء – عادة - هم أشخاص موظفون ورسميون . ولماذا يصرفهم ؟ لأنهم قد – بل – يخدعونه أو يقدمون له معلومات ومواد غير دقيقة أو مغرضة . ها هو يتجرّأ بمخاطبته :
" ألقِ إلى الوحل ..إلى النار
بكل ما كتبته من حواش وانطباعات "
إنه ينّوع المصير الذي ستؤول إليه هذه الانطباعات التي كتبها السائح – وهي موجهة غالبًا . فلتكن إذن في الوحل – مبعثرة متسخة محتقرة ... أو لتكن معدومة محترقة إلى الأبد .