هدى محمد
11/21/2008, 04:40 AM
من الأدب المقارن إلى النقد الثقافي المقارن
الكاتب / د. مسعود عمشوش أستاذ الأدب العام والمقارن المشارك – جامعة عدن
من المسلم به اليوم أن من أهم عوامل ازدهار أي حضارة مدى احتكاكها بالحضارات الأخرى واستفادتها منها. فمنذ القدم دأبت الثقافات المختلفة على إثراء بعضها بعض. وأخذت العلاقة بين الثقافات أشكالا متنوعة مثل المحاكاة والترجمة والتأثر والتأثير والتثاقف والتداخل وكذلك الغزو والتهجين والهيمنة . ومن الصعب اليوم أن نتصور وجود ثقافة ما تطورت بمعزل عن الثقافات الأخرى. ومن الملاحظ كذلك أن الانحطاط كان مصير أي حضارة حاولت أن تنكفئ أو تنغلق على نفسها. وإذا كانت العلاقات بين الثقافات قد نشأت منذ القدم فلا شك أن العولمة، بفضل تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا وارتفاع عدد الناس الذين ينتقلون من قطر إلى آخر، قد قربت أكثر بين الثقافات وضاعفت من الأبعاد المستعارة "أو العالمية" التي تحتويها كل ثقافة.
وبما أن أي ثقافة تحتوي على عناصر أصيلة وعناصر مستعارة من الثقافات الأخرى فليس من الممكن دراسة مختلف المكونات الثقافية لحضارة ما إلا من خلال مقارنتها بالمكونات الثقافية الموجودة في الثقافات الأخرى التي احتكت بها في مرحلة ما من تاريخ تطورها. لهذا بعد أن انتهى عصر الاكتشافات الجغرافية وتمكن العلماء من الاطلاع على ما لدى الشعوب الأخرى من معطيات ثقافية وعلمية تختلف عما لديهم بدءوا يشعرون بالحاجة إلى دراسة معارفهم من خلال مقارنتها بما لدى الآخرين، وشرعوا منذ منتصف القرن التاسع عشر في استخدام المقارنة بشكل واسع في كثير من مجالات المعرفة، فظهر علم الأديان المقارن وعلم اللغة المقارن وعلم التشريح المقارن والقانون المقارن والتربية المقارنة والأدب المقارن... وغيرها من العلوم المقارنة.
وبسبب ارتفاع مستوى تداخل الثقافات في هذا العصر -عصر العولمة- بات من المستحيل دراسة أي ثقافة خارج إطار المقارنة. فاليوم يمارس السياسيون وعلماء الاقتصاد والتاريخ والاجتماع والانتروبولوجيا والنقاد المقارنة الثقافية وذلك بهدف الكشف عن مميزات كل ثقافة ودرجة تداخلها مع الثقافات الأخرى. وبما أن المقارنة أصبحت قدر أي دراسة علمية جادة فقد سعت كثيرا من الدول إلى تضمين مناهجها التعليمية أبعادا عالمية مقارنة من مرحلة التعليم الثانوي. ففي سنغافورة وكندا مثلا أدخلت كليات إعداد المدرسين أبعادا تربوية مقارنة في خططها الدراسية وذلك بهدف تدريب المدرسين على تنمية فهم العالم لدى الطلاب وتدريبهم على ممارسة المقارنة الثقافية وتقدير حجم التشابهات والاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم.
وبالنسبة للأدب المقارن، فهو منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر أخذ يفرض نفسه علميا وثقافيا ورسميا، وقد استحدث "كرسي" للأدب المقارن في بعض الجامعات الأوروبية منذ سبعينيات ذلك القرن. لكن، على الرغم من أنه قد اكتسب شرعيته الأكاديمية منذ أكثر من مئة وثلاثين عاما، وعلى الرغم من الإنجازات المهمة التي حققها الباحثون في مجال الأدب المقارن الذي يعد اليوم من أهم مرتكزات نظرية الأدب والنقد الأدبي، والذي بات يتصدى لميادين بحثية معاصرة كصورة الآخر والاستشراق والمثاقفة وخطاب ما بعد الكولونيالية ودراسات الترجمة، فقد شهد عقد التسعينات من القرن العشرين طرح عدد من التساؤلات حول جدوى الأدب المقارن. ونجد صدى لهذه التساؤلات في دراسة عن (الأدب المقارن في عصر العولمة، نزوى، العدد 35، ص 75-81) يقول فيها الدكتور حسام الخطيب "يستقبل الأدب المقارن القرن الحادي والعشرين (قرن العولمة) بتساؤلات ومجادلات صاخبة حول تحديد منهجه ومنطقه ومنطقته ومستقبله وأدوات بحثه وعلاقاته بالأنظمة الأخرى، ولا يكاد يضاهيه في ذلك أي نظام معرفي آخر، في دنيا العلوم الإنسانية بوجه خاص، ودنيا العلوم بوجه عام. وقد يرجع ذلك إلى حداثة هذا النظام وتفجر الخلافات والنزاعات في داخله وحوله من قبل أن يبلغ رشده ويشتد أزره. ولكن قد يكون ذلك ناجما أيضا عن طبيعة امتداداته المنهجية والمعرفية إلى مختلف أشكال المعرفة المعاصرة، بحيث تهتز جذوره وأغصانه بقوة مع الاهتزازات الكبرى التي تتعرض لها الأنظمة المجاورة له عضويا ولاسيما النقد الأدبي ونظرية الأدب".
ومن اللافت للانتباه حقا أن تلك التساؤلات التي طرحت حول الأدب المقارن قد تزامنت مع ازدهار الدراسات الثقافية (التي يطلق عليها عربيا النقد الثقافي) لاسيما في الجامعات الأمريكية. وقد نبه د. حسام الخطيب إلى أن النقد الثقافي يمكن أن يُعد أحد الأنظمة المنافسة للأدب المقارن. فهو، في كتابه (الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة ص 278-279) يؤكد أنه "لا ينبغي عدم الاستهانة بالمخاطر التي تتهدد استمرار الأدب المقارن من خارج البيت المقارني. إذ تشير الدلائل إلى أنه سيبقى عرضة لموجات متعاقبة من المنافسة تطلقها أنظمة تتقاطع معه في المنطق والمنطقة، بعضها قديم متأصل متمكن مثل نظرية الأدب، وبعضها حديث متوثب مثل الدراسات الثقافية والدراسات الترجمية، وبعضها حديث متعدد الأنظمة ومتشعب الاهتمامات وعريض الادعاءات بحيث ينطلق من منطلقات معرفية وسوسيولوجية أوسع بكثير من منطلقات الأدب المقارن والنظام الأدبي بوجه عام، مثل النقد البنيوي، وما بعد البنيوية، والسيميائيات، ونظريات ما بعد الحداثة على اختلاف فيما بينها".
وقد أبدا بعض المتخصصين الغربيين في الأدب المقارن غضبه حينما ظهرت بعض دراسات النقد الثقافي تناولت ظواهر مثل الأدب الشعبي والأساطير وسبق للأدب المقارن أن درسها بالأسلوب نفسه وقبل أكثر من مئة سنة. فستيفن توتوسي، الذي يعد من أبرز أساتذة الأدب المقارن في الولايات المتحدة وقبل أن يصبح أبرز منظري النقد الثقافي المقارن، أكد سنة 1994، في دراسة حول (الأدب المقارن والدراسات الثقافية التطبيقية) أن الأدب المقارن يتضمن في الحقيقة عددا كبيرا من الميادين التي يدخلها دعاة النقد الثقافي ضمن دراساتهم. ويرى أن مسار الدراسات النظرية والتطبيقية التي أنجزت حتى اليوم في إطار الأدب المقارن تبين أن هذا التخصص - الذي يتقاطع ويتداخل مع عدد من العلوم الإنسانية الأخرى - يتضمن في ميادين بحثه المتعددة والمتنوعة، وفي مكوناته المنهجية التي يتم رفدها باستمرار مما يستجد من طرق للبحث والتحليل، ما يؤهله لدراسة مختلف التجليات الثقافية لأي مجتمع وكذلك الحوار بين الثقافات (أو المثاقفة)، والعلاقة بين الأدب ومختلف العلوم الإنسانية. ومن المعلوم أن الدكتور عبد الله الغذامي قد اعترف أن النقد الثقافي لا يرى حرجا في توظيف التقنيات نفسها التي استخدمها النقد الأدبي للوصول إلى استنتاجات جديدة وبلورة وجهات نظر مختلفة عن تلك التي توصل إليها النقد الأدبي. لكن هذا لا يعني بالطبع أن النقد الثقافي الذي - بعكس الأدب المقارن- يُمارس أحيانا في إطار لغوي واحد لا يسعى إلى بلورة مفاهيم (كمفهوم النسق) ومرتكزات نظرية وطرق جديدة للتحليل.
وفي مطلع التسعينات من القرن العشرين شرع بعض المقارنين الغربيين - الذين كانوا يؤكدون فضل الأدب المقارن على الدراسات الثقافية- في محاولة التقريب بين الأدب المقارن والنقد الثقافي ودمجهما في نظام منهجي واحد. ففي دراسة بعنوان (من الأدب المقارن اليوم إلى الدراسات الثقافية، 1999) استكشف ستيفن توتوسي إمكانية تطوير منهج جديد يجمع بين خصائص الأدب المقارن وبين سمات النقد الثقافي، واقترح أن يسميه: "الدراسات الثقافية المقارنة comparative cultural studies". وقام بتحوير المبادئ العشرة التي قدمها في كتابه (الأدب المقارن: النظرية والمنهج والتطبيق 1998) بهدف تمكين الأدب المقارن من مواكبة المتغيرات التي أفرزتها العولمة، وجعل منها الأسس التي ينبغي أن تنهض عليها الدراسات الثقافية المقارنة التي يعرفها بأنها "مقاربة سياقية تتناول الثقافة بمختلف مكوناتها وآليات إنتاجها. ويرتكز إطارها النظري والمنهجي على مجموعة من المبادئ المستعارة من الأدب المقارن والدراسات الثقافية، ومن مجموعة الأسس المرتبطة بالبنائية (constructivism) ونظريات الاتصال والأنظمة والثقافة والأدب. وتهتم الدراسات الثقافية المقارنة، التي عادة ما تركز على كيفية تكوين الظاهرة -أو النص -أكثر من اهتمامها بالمحتوى أو الموضوع، بالجوانب التطبيقية إلى جانب المنطلقات النظرية والمنهجية". ومما لا شك فيه أن اعتماد الدراسات الثقافية المقارنة على المقاربات التجريبية "الممنهجة systematic and empirical" واهتمامها بالسياق – بمختلف مكوناته البرجماتية والأيديولوجية والسياسة والثقافية- تفرضها في الواقع الرغبة في التركيز على آليات أنتاج النص أكثر من العناية بشكله أو محتواه. كما أن ذلك الاهتمام يتطابق بالطبع مع تراجع المناهج النقدية التي كانت ترتكز على البنيوية.
الكاتب / د. مسعود عمشوش أستاذ الأدب العام والمقارن المشارك – جامعة عدن
من المسلم به اليوم أن من أهم عوامل ازدهار أي حضارة مدى احتكاكها بالحضارات الأخرى واستفادتها منها. فمنذ القدم دأبت الثقافات المختلفة على إثراء بعضها بعض. وأخذت العلاقة بين الثقافات أشكالا متنوعة مثل المحاكاة والترجمة والتأثر والتأثير والتثاقف والتداخل وكذلك الغزو والتهجين والهيمنة . ومن الصعب اليوم أن نتصور وجود ثقافة ما تطورت بمعزل عن الثقافات الأخرى. ومن الملاحظ كذلك أن الانحطاط كان مصير أي حضارة حاولت أن تنكفئ أو تنغلق على نفسها. وإذا كانت العلاقات بين الثقافات قد نشأت منذ القدم فلا شك أن العولمة، بفضل تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا وارتفاع عدد الناس الذين ينتقلون من قطر إلى آخر، قد قربت أكثر بين الثقافات وضاعفت من الأبعاد المستعارة "أو العالمية" التي تحتويها كل ثقافة.
وبما أن أي ثقافة تحتوي على عناصر أصيلة وعناصر مستعارة من الثقافات الأخرى فليس من الممكن دراسة مختلف المكونات الثقافية لحضارة ما إلا من خلال مقارنتها بالمكونات الثقافية الموجودة في الثقافات الأخرى التي احتكت بها في مرحلة ما من تاريخ تطورها. لهذا بعد أن انتهى عصر الاكتشافات الجغرافية وتمكن العلماء من الاطلاع على ما لدى الشعوب الأخرى من معطيات ثقافية وعلمية تختلف عما لديهم بدءوا يشعرون بالحاجة إلى دراسة معارفهم من خلال مقارنتها بما لدى الآخرين، وشرعوا منذ منتصف القرن التاسع عشر في استخدام المقارنة بشكل واسع في كثير من مجالات المعرفة، فظهر علم الأديان المقارن وعلم اللغة المقارن وعلم التشريح المقارن والقانون المقارن والتربية المقارنة والأدب المقارن... وغيرها من العلوم المقارنة.
وبسبب ارتفاع مستوى تداخل الثقافات في هذا العصر -عصر العولمة- بات من المستحيل دراسة أي ثقافة خارج إطار المقارنة. فاليوم يمارس السياسيون وعلماء الاقتصاد والتاريخ والاجتماع والانتروبولوجيا والنقاد المقارنة الثقافية وذلك بهدف الكشف عن مميزات كل ثقافة ودرجة تداخلها مع الثقافات الأخرى. وبما أن المقارنة أصبحت قدر أي دراسة علمية جادة فقد سعت كثيرا من الدول إلى تضمين مناهجها التعليمية أبعادا عالمية مقارنة من مرحلة التعليم الثانوي. ففي سنغافورة وكندا مثلا أدخلت كليات إعداد المدرسين أبعادا تربوية مقارنة في خططها الدراسية وذلك بهدف تدريب المدرسين على تنمية فهم العالم لدى الطلاب وتدريبهم على ممارسة المقارنة الثقافية وتقدير حجم التشابهات والاختلافات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العالم.
وبالنسبة للأدب المقارن، فهو منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر أخذ يفرض نفسه علميا وثقافيا ورسميا، وقد استحدث "كرسي" للأدب المقارن في بعض الجامعات الأوروبية منذ سبعينيات ذلك القرن. لكن، على الرغم من أنه قد اكتسب شرعيته الأكاديمية منذ أكثر من مئة وثلاثين عاما، وعلى الرغم من الإنجازات المهمة التي حققها الباحثون في مجال الأدب المقارن الذي يعد اليوم من أهم مرتكزات نظرية الأدب والنقد الأدبي، والذي بات يتصدى لميادين بحثية معاصرة كصورة الآخر والاستشراق والمثاقفة وخطاب ما بعد الكولونيالية ودراسات الترجمة، فقد شهد عقد التسعينات من القرن العشرين طرح عدد من التساؤلات حول جدوى الأدب المقارن. ونجد صدى لهذه التساؤلات في دراسة عن (الأدب المقارن في عصر العولمة، نزوى، العدد 35، ص 75-81) يقول فيها الدكتور حسام الخطيب "يستقبل الأدب المقارن القرن الحادي والعشرين (قرن العولمة) بتساؤلات ومجادلات صاخبة حول تحديد منهجه ومنطقه ومنطقته ومستقبله وأدوات بحثه وعلاقاته بالأنظمة الأخرى، ولا يكاد يضاهيه في ذلك أي نظام معرفي آخر، في دنيا العلوم الإنسانية بوجه خاص، ودنيا العلوم بوجه عام. وقد يرجع ذلك إلى حداثة هذا النظام وتفجر الخلافات والنزاعات في داخله وحوله من قبل أن يبلغ رشده ويشتد أزره. ولكن قد يكون ذلك ناجما أيضا عن طبيعة امتداداته المنهجية والمعرفية إلى مختلف أشكال المعرفة المعاصرة، بحيث تهتز جذوره وأغصانه بقوة مع الاهتزازات الكبرى التي تتعرض لها الأنظمة المجاورة له عضويا ولاسيما النقد الأدبي ونظرية الأدب".
ومن اللافت للانتباه حقا أن تلك التساؤلات التي طرحت حول الأدب المقارن قد تزامنت مع ازدهار الدراسات الثقافية (التي يطلق عليها عربيا النقد الثقافي) لاسيما في الجامعات الأمريكية. وقد نبه د. حسام الخطيب إلى أن النقد الثقافي يمكن أن يُعد أحد الأنظمة المنافسة للأدب المقارن. فهو، في كتابه (الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة ص 278-279) يؤكد أنه "لا ينبغي عدم الاستهانة بالمخاطر التي تتهدد استمرار الأدب المقارن من خارج البيت المقارني. إذ تشير الدلائل إلى أنه سيبقى عرضة لموجات متعاقبة من المنافسة تطلقها أنظمة تتقاطع معه في المنطق والمنطقة، بعضها قديم متأصل متمكن مثل نظرية الأدب، وبعضها حديث متوثب مثل الدراسات الثقافية والدراسات الترجمية، وبعضها حديث متعدد الأنظمة ومتشعب الاهتمامات وعريض الادعاءات بحيث ينطلق من منطلقات معرفية وسوسيولوجية أوسع بكثير من منطلقات الأدب المقارن والنظام الأدبي بوجه عام، مثل النقد البنيوي، وما بعد البنيوية، والسيميائيات، ونظريات ما بعد الحداثة على اختلاف فيما بينها".
وقد أبدا بعض المتخصصين الغربيين في الأدب المقارن غضبه حينما ظهرت بعض دراسات النقد الثقافي تناولت ظواهر مثل الأدب الشعبي والأساطير وسبق للأدب المقارن أن درسها بالأسلوب نفسه وقبل أكثر من مئة سنة. فستيفن توتوسي، الذي يعد من أبرز أساتذة الأدب المقارن في الولايات المتحدة وقبل أن يصبح أبرز منظري النقد الثقافي المقارن، أكد سنة 1994، في دراسة حول (الأدب المقارن والدراسات الثقافية التطبيقية) أن الأدب المقارن يتضمن في الحقيقة عددا كبيرا من الميادين التي يدخلها دعاة النقد الثقافي ضمن دراساتهم. ويرى أن مسار الدراسات النظرية والتطبيقية التي أنجزت حتى اليوم في إطار الأدب المقارن تبين أن هذا التخصص - الذي يتقاطع ويتداخل مع عدد من العلوم الإنسانية الأخرى - يتضمن في ميادين بحثه المتعددة والمتنوعة، وفي مكوناته المنهجية التي يتم رفدها باستمرار مما يستجد من طرق للبحث والتحليل، ما يؤهله لدراسة مختلف التجليات الثقافية لأي مجتمع وكذلك الحوار بين الثقافات (أو المثاقفة)، والعلاقة بين الأدب ومختلف العلوم الإنسانية. ومن المعلوم أن الدكتور عبد الله الغذامي قد اعترف أن النقد الثقافي لا يرى حرجا في توظيف التقنيات نفسها التي استخدمها النقد الأدبي للوصول إلى استنتاجات جديدة وبلورة وجهات نظر مختلفة عن تلك التي توصل إليها النقد الأدبي. لكن هذا لا يعني بالطبع أن النقد الثقافي الذي - بعكس الأدب المقارن- يُمارس أحيانا في إطار لغوي واحد لا يسعى إلى بلورة مفاهيم (كمفهوم النسق) ومرتكزات نظرية وطرق جديدة للتحليل.
وفي مطلع التسعينات من القرن العشرين شرع بعض المقارنين الغربيين - الذين كانوا يؤكدون فضل الأدب المقارن على الدراسات الثقافية- في محاولة التقريب بين الأدب المقارن والنقد الثقافي ودمجهما في نظام منهجي واحد. ففي دراسة بعنوان (من الأدب المقارن اليوم إلى الدراسات الثقافية، 1999) استكشف ستيفن توتوسي إمكانية تطوير منهج جديد يجمع بين خصائص الأدب المقارن وبين سمات النقد الثقافي، واقترح أن يسميه: "الدراسات الثقافية المقارنة comparative cultural studies". وقام بتحوير المبادئ العشرة التي قدمها في كتابه (الأدب المقارن: النظرية والمنهج والتطبيق 1998) بهدف تمكين الأدب المقارن من مواكبة المتغيرات التي أفرزتها العولمة، وجعل منها الأسس التي ينبغي أن تنهض عليها الدراسات الثقافية المقارنة التي يعرفها بأنها "مقاربة سياقية تتناول الثقافة بمختلف مكوناتها وآليات إنتاجها. ويرتكز إطارها النظري والمنهجي على مجموعة من المبادئ المستعارة من الأدب المقارن والدراسات الثقافية، ومن مجموعة الأسس المرتبطة بالبنائية (constructivism) ونظريات الاتصال والأنظمة والثقافة والأدب. وتهتم الدراسات الثقافية المقارنة، التي عادة ما تركز على كيفية تكوين الظاهرة -أو النص -أكثر من اهتمامها بالمحتوى أو الموضوع، بالجوانب التطبيقية إلى جانب المنطلقات النظرية والمنهجية". ومما لا شك فيه أن اعتماد الدراسات الثقافية المقارنة على المقاربات التجريبية "الممنهجة systematic and empirical" واهتمامها بالسياق – بمختلف مكوناته البرجماتية والأيديولوجية والسياسة والثقافية- تفرضها في الواقع الرغبة في التركيز على آليات أنتاج النص أكثر من العناية بشكله أو محتواه. كما أن ذلك الاهتمام يتطابق بالطبع مع تراجع المناهج النقدية التي كانت ترتكز على البنيوية.