المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على قيد الحياة (قصة قصيرة )


دكتور/ محمد فؤاد منصور
11/21/2008, 09:18 AM
على قيد الحياة
------------------------


وقف التلميذ الصغير بقامته القصيرة وجسده النحيل أمام طبيبة المدرسة.. كان رأسه بالكاد يظهر من خلف الطاولة فبدا بشعره الأشعث ووجهه الممصوص كفازة مهملة على حرف المكتب، كان يشكو من نوبات الدوار وزغللة العينين التى تداهمه بين الحين والحين.. تطوعت الإخصائية الإجتماعية فرافقته إلى حجرة الكشف لتبلغ الطبيبة أنه يشكو بإستمرار وأنه لايرى السبورة بوضوح. تفرّست الطبيبة فى وجه الطفل وأشارت إليه أن يقترب .. تفحصته بعينها المدربة فهالها شحوبه ونحول جسمه وقد تهدّلت ملابسه الرثة بألوانها الكالحة فبدا كبلياتشو فى سيرك ردئ. لاحظت أصابع قدميه المتربة التى تطل من بقايا حذائه المهترئ.. بدت عظام الوجه ناتئة والعينان غائرتان فى وجه يغطيه نوع من "القشف" مع تقرحات بسيطة على جوانب الفم ، مدّت يدها لتفحص العينين فبدت الملتحمة من الداخل بيضاء تميل إلى الزرقة مع تساقط أجزاء من الحاجبين، أمرته أن يخرج لسانه فتحرّج قليلاً ثم أخرج لساناً لامعاً يتحرك كدودة ملساء فى جوف الفم. أدركت الطبيبة أنّ الطفل يعانى من أنيميا حادة وسوء تغذية شديد.. خبطت بجمع يدهاعلى الطاولة وصرخت فى وجه الطفل :
- بلاش دلع ولعب عيال.. إياك أن تنزل من البيت دون أن تتناول إفطارك، أعرفكم ايها الملاعين ،تهربون من البيت فى الصباح المبكر حتى يتيسر لكم لعب الكرة فى الشارع وتهملون تناول الفطور وهاهى النتيجة.. فقر دم حاد. حملق فيها الطفل ذاهلاً وهو لايعي شيئاً .. لم يسمع من قبل بفقر الدم وإن كانت المشاجرات اليومية بين أبويه قد زودته بمعلومات عن انواع اخرى من الفقر مثل " الفقر الدكر" و " وش الفقر"وماشابه أمّا فقر الدم فلم يسمع به من قبل.!
صحا من تأملاته على صوت الطبيبة وهى تلقي محاضرة عن ضرورة شرب اللبن قبل النوم وتناول البيض نصف المسلوق فى وجبة الإفطار.. كانت تتوجه بحديثها للإخصائية التى وقفت تنتظر نتيجة الفحص ثم ألتفتت إليه وقالت فى حزم :
- لاتنس عسل النحل، لابد من تناول ملعقة كبيرة منه قبل النوم.
وعادت لتنبه الإخصائية الإجتماعية - لابد من إستدعاء ولي الأمر ..الطفل فى حالة صعبة ولابد من نظام غذائي يشرف عليه الأب بنفسه سأكتب له بعض الفيتامينات والمعادن وسأحوّله لعمل نظارة طبية. فى اليوم التالي حضر الأب بناءً على استدعاء عاجل من إدارة المدرسة..دفع الطفل أمامه حتى كاد يسقط على وجهه.. كان يتوقع أنه لابد قد فعل مايستوجب العقاب فأراد أن يبرهن على حزمه وإستعداده لتأديب الطفل.. قبل أن تنطق الإخصائية راح يكيل الشتائم للطفل البائس الذي تدحرج على الأرض على إثر دفعة جديدة وقال:
- لايأتي من ورائكم غير وجع الدماغ.. سأكسر رقبتك لو تبين لي أنك أخطأت فى شئ . لاذ الطفل بالإخصائية فأحتضنته بين ذراعيها وأحتوته لتحميه من عدوان الأب وقالت:
- أهدأ قليلاً ياأستاذ الولد لم يفعل مايستوجب العقاب.. كل مافي الأمر أنه مريض ويعاني من سوء التغذية ونقص حاد فى الفيتامينات مع فقر الدم.
تململ الأب فى وقفته وحك رأسه ثم غمغم..
- ألا يكفي مانحن فيه من فقر ..حتى يضاف إلينا فقر جديد ؟
كان جلياً أن الرجل محدود الثقافة والدخل.. هيئته المتواضعة وملابسه المبعثرة وأسلوبه فى الكلام كل ذلك يؤكد حظه المحدود فى كل شئ. قالت الإخصائية وهي تضغط على الكلمات ليتمكن من فهم ماتقول :
- لابد من وجبة الإفطار فى الصباح.. هذا أمر أساسي ..لاتسمحوا له بالنزول من البيت قبل ان يتناول إفطاره.
تراجع الأب خطوة إلى الخلف وعاود الهرش فى رأسه وكأنما يبحث عن مخرج لأزمة ما ثم صاح فى الصغير وكأنه يؤدي مشهداً تمثيلياً بقصد التخلص من الموقف.
- قل لها أنك تفطر.. أليس كذلك؟ ألم تفطر اليوم؟
أجاب الطفل الذاهل عما حوله ببراءة شديدة .
- لا لم أفطر اليوم .. لم يكن اليوم دوري فى الإفطار ..كان الدور على أخي مصطفى.!!
حملقت الإخصائية فى وجه الأب غير مصدقة لما تسمع ، بدا كل شئ واضحاً تماماً رغم قسوة الحقائق. نكّس الرجل رأسه فى خزي وقال :
- ماذا أفعل وأنا موظف بسيط لايتعدى دخلي ثلاثمائة جنيه ؟ وعندي خمسة أطفال وأمهم.
ثم همس كأنما يحادث نفسه:
- لابد أن يكون الأكل بالدور.حتى يظلوا على قيد الحياة.!
--------------------------------

ناهدة حجازي
11/22/2008, 12:46 AM
يا لها من حياة بائسة مؤلمة ،،

الأكل بـ الدور ؟؟ وربما أيضا الحضور

للمدرسة بـ الدور ،، بسبب قلة الملبس.

د. محمد ،،


تنقل الواقع بـ دقة ،، لـ تكشف عما خُفي ،،

فقط لي ملاحظة ،، حيث أن الطبيبة رأت حال ثيابه الرثة

وحذاءه المهترئ ،، كيف بعد ذلك اعتقدت ان ما به

" دلع ولعب عيال" ؟؟

ربما كـ قارئة أخذتني العاطفة وتصورت ان رد فعلها سيكون غير ذلك.


تحيتي لك ،،

هزار طباخ
11/22/2008, 02:04 AM
أخي الغالي محمد فؤاد تحيتي

أولاً حمد الله عا السلامة

وثانياً أحسدك ( بمعنى أغبطك ) على هذه اللقطة اللمّاحة

وهذه القفلة المدهشة الصارخة فينا

ممزقة إيانا حتى النخاع ( حتى يبقى الأولاد على قيد الحياة )

وتقبل مروري وإعجابي بقصتك الجارحة

هزار

غفران طحّان
11/22/2008, 02:28 AM
متعة هي القراءة لك
تنقل الواقع لنا في قالب لغة متينة
وسرد راقي
وتجعلنا نفتح أعيننا على وجع
نغمض العين منه دوماً..خجلاً..أو حزناً..أو..
دمت متألقاً أبي الغالي
مودتي لروحك

أيهم سليمان
11/24/2008, 03:59 PM
دكتورنا المتألق محمد

و كعادتك تقوم بتسليط الضوء على ما يحيط بنا من وجع

لكي يبقى على قيد الحياة

أم لكي يموت ببطء

كلاهما سيان

شكرا دكتورنا في انتظار المزيد

ود

كوثر الصافي
11/24/2008, 09:41 PM
.
.

معاينتك للطفل في القصة بدا لي وكأنك طبيب حقّا صحيح؟

وبالإضافةالى أنك شخّصت حالة مرضيّة بتمكّن باهر..أنت يا سيدي قد شخّصت لنا مرضا اجتماعيا مميتا وأشدّ فتكا من أيّ مرض عضوي..ألا وهو الجهل..جهل هذا الأب بمسؤوليته تجاه ابن واحد فكيف بخمسة أبناء؟؟
يعني هو قبل أن ينجبهم لم يكن يدري بفقره؟
للأسف هذا تصوير واقعيّ لمجتمعاتنا الغارقة في اضمحلال الفقر والجهل ومع هذا لا تتوقف عن التخصيب.
لذا..من الطبيعي جدا أن يأكلوا بالدور حتى يبقوا على قيد الحياة.

تحيّة لهذا النص القدير.

/

عماد تريسي
11/25/2008, 11:39 AM
ذاك هو الواقع المر بشطريه : الظلم و الجهل ؛
ظلم أولي السيادة في عدم إيلاء البسطاء حقوقهم الكاملة
بينما لا يتورعون - هم و حواشيهم - من أكل الأخضر و اليابس ,
و جهل مركَّب لبعض الفقراء في تنظيم أمورهم الحياتية
بما يتوافق مع هذا الإجحاف الواقع عليهم . . .

أستاذنا القدير د . محمد ,

مبضعكَ الأدبي بارعٌ في فتح ما يجب فتحه من مواطن
الألم المستشري في جسد المجتمع .

تحاياي و تقديري أيها الرائع

مودتي

دكتور/ محمد فؤاد منصور
01/05/2009, 10:30 PM
عزيزتي ناهدة
اشكر مرورك وتعليقك الذي هو في ذاته إضافة لها قيمتها .. انتظر دائماً لمساتك الحانية على نصوصي فشكراً لحضورك الباذخ .. تقبلي أرق تحياتي .

ماجى فهمى
01/05/2009, 11:26 PM
استاذي الفاضل والقاص الكبير د. منصور


لعدسة الزووم فى قلمك اليوم رصد مختلف

ربما لانها كانت ترصد دائما فى سخرية كل اللقطات

الإنسانية وتضعها أمامنا لنضحك بمرارة على هؤلاء الذين

تتداخل بينهم اللقطات لتنسج لنا الحكاية والمشهد ..

ولكن اليوم اللقطة حزينة موجعة وبطلها طفل صغير

لاحول له ولا قوة ..

رصد واقعي فعدستك كانت شفافة لأقصى درجة

فأحاطت بكل جوانب اللقطة بتفرد وعبقرية التفاصيل الصغيرة

التى لاتفوتك أبدا لتصنع لنا واقعية حقيقية وتلاحم واضح بين القاص

والموقف الذى يرصده فتحولنا معك إلى جزء من هذه الصورة التى تقدمها

دائما أنتظر إبداعك الراقي لارى الواقع أكثر وضوحا من خلالك

أستاذي الفاضل د. منصور

لك ألف تحية على هذا العطاء الراقي دائما

دمت وسلمت






ماجي

دكتور/ محمد فؤاد منصور
03/06/2009, 10:46 AM
عزيزتي هزار
مرورك الجميل يترفني .. ومعانقة عينيك لكلماتي يسعدني ..أما تعليقك فوسام أتيه به وأفخر ..
مودتي ..وأرق تحياتي.

دكتور/ محمد فؤاد منصور
05/20/2009, 07:35 PM
أميرة الحروف ..غفران
لاشك أن مرورك بصفحتي ينيرها ويمنحها ألقاً .. فماظنك بالمرور والتعليق؟ .. شرفني وجودك هاهنا .. دمت بخير
مودتي الدائمة وأرق تحياتي.

زينة عادل
05/20/2009, 08:06 PM
دكتورنا الغالي على القلوب محمد فؤاد منصور

لله درك ما اجمل الغرق بنصوصك وما تحمله من مشاعر

هكذا هي حياتهم وستبقى الى أن يحين فرج الله

لك باقات من الورد الجوري

دمت بكل الحب

دكتور/ محمد فؤاد منصور
09/04/2011, 10:25 AM
عزيزي أيهم ..
ربما أكون قد تاخرت في الرد فمعذرة على هذا التقصير غير المقصود .. قراءتك وحفاوتك بالنص أوسمة أفخر بها من راعي الأدب والأدباء ..
كل الحب والتقدير لشخصك النبيل.

محاسن سبع العرب
09/12/2011, 05:49 AM
قبل سنوات ليست بالبعيدة ..

كنت أعتقد جازمة أن ليس هناك جوعى في العالم ..

إلا في ما يسمى ( العالم الثالث ) ..

هناك في الجهة الأخرى ـ تماما ـ من الكرة الأرضية ..

كانت تلك الكائنات التي تموت جوعا .. بالنسبة لي كالدمى أو كأبطال

قصص البؤساء ..

في بداية حالة الوعي عندي ..

كتبتُ متحمسة مقالة عنونتها بـ ( ليتني لم أسأل ) .. تحدثتُ فيها عم

صدمتي الكبيرة من اكتشاف أن هناك ـ قريبا مني ـ من ينام وهو جائع ..


أعتذر عن الإطالة سيدي الفاضل ..

لكن قصتك شرعت في ذاكرتي نوافذ قديمة ..

***

بوركتَ وبورك قلمك السامق ..

مريم علي
09/14/2011, 12:38 AM
الأكل بالدور..؟!
فكرة غريبة جداً ولن تكون يوماً حلاً لمشكلة الفقر
أولاً لا بدّ من تنظيم الحياة وإنجاب الأولاد على قدر ما يمكن أن يتحمله الوضع
ثانياً.. أرض الله واسعة ... وفرص العمل تظل متاحة لمن يرضى بالقليل ويقنع بالموجود
فلو أنه ضغط على نفسه كثيراً وأحس بواجبه تجاه أولاده
لأمكنه تدبير الأمر بشكل أفضل .. لكن ما أسهل إلقاء اللوم على القدر.. والأيام والفقر..!
تحيتي ... وتقديري

دكتور/ محمد فؤاد منصور
10/09/2011, 05:11 AM
عزيزتي كوثر الصافي
كل الشكر لك على مرورك وتعليقك القيم .. حتى الكاتب لايمكنه أن يفلت من تأثير مهنته على كتاباته .. كل الشكر لك وننتظرك دائماً .. تقبلي مودتي.

دكتور/ محمد فؤاد منصور
10/09/2011, 05:16 AM
أخي الحبيب عماد تريسي
كل الشكر لك على كلمتك القيمة ومرورك الكريم الذي هو وسام أفخر به على الدوام .. وأسأل الله أن تكون بخير حال فقد استبد بنا القلق عليك حتى انني أرسلت أتفقدك في الفيس بوك منذ أكثر من شهر .. أسأل الله لك العفو والعافية .. تقبل عميق مودتي وفيض أشواقي.

نبيلة حمد
10/13/2011, 10:07 AM
أستاذي محمد فؤاد منصور قصة مؤثرة لفت انتباهي فيها أسلوب الوصف والعفوية في الحوار الدائر بين الشخوص

وتركيزها على قضية مجتمعية يعاني منها الكثير من أطفالنا وهذا ما يعطي لقصصك الصدق ويضفي عليها طابعا مؤثرا في القارئ

تقبل تحياتي وتقديري