المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على موتها أغنّي


يسري الغول
11/23/2008, 03:34 AM
حزناً و جزعاً
على موتها أغني ..
***
وميض خاطف يلفني ، يحاصرني ، يكاد يسقطني أرضاً . طيف لسماوات عظام يظللني ، يخطفني بعيداً و جسدي يرتشف غيوم المكان . ضجيج يعمر الصالة التي انحني في جذعها ، جلبة نساء فاجرات تضرب جدران رأسي ، همهمة لفتيات يافعات في انتظار الرقص على تهاويم الميت ..
في صباي كنت ساذجاً كما أنا الآن ، لكنني اللحظة أشد من ذي قبل ، لم أدر كيف أفعل في هذا الحصار ؟ فلم تكن الجلبة وحدها التي تخنقني ، بل صوت أخواتي من حولي أيضاً ، و زوجتي التي تجلس بقربي هنا ، ساعة كئيبة هذه التي تزورني . اليوم بت مدركاً أنه عام الحزن و الجزع .
و على موتها أغني ..
في الصالة ازدادت حدة الهمس و الصفير ، ازداد الفزع و الخوف . بدأ الصوت يأخذ ارتفاعاً شاهقاً كأعمدة النور الباسقة . وقفت النساء واحدة تلو الأخرى للرقص على جسدي الميت ، و عبر شقوق الألم أنتصب تائهاً ، أبكي فزعاً على موتها ، أصرخ علّني أتيه في ومضة وجهها الغجري .
أدندن ..
يوماً كنت صبياً ، و كانت هي كذلك . كنت ساذجاً ، فجّاً و لم تكن مثلي أبداً ، تبعتها فاختبأت فأدركت الفرصة ، بحثت عنها ، تهت في دروب المخيم ، أزقته التي لا تعرف الاعتدال ، و في ثنايا الكون الرابض بي وجدتها ، عثرت عليها ، أهديتها خاتماً ورثته عن أبي ، ثم اختفيت و اختفت ..
و عدنا نبحث عن كلينا ، تهت في دهاليزي ، و لم أهتد إليها ، جِلت دروب المنافي ، مردوانات السجون ، مشرداً مطارداً كما أشقائها الذين كانوا حلقة الوصل بيننا ، و حين عدت كانت قد سافرت مع الضباب و اختفت .
شبق الموت يأرجحني ..
في صباي الساذج كان وميضها يلفني ، يخطفني من بين فلول الأطفال ، نجري ، ألطمها على خديها كما كان يفعل أبي بأمي ، أصرخ بها كما كان يفعل بي إخوتي الكبار ، و تصبر ، ثم تهرب و أنا أتوسل إليها بأن تعود ، أرجوها أن تمكث معي على تلال الرمل الأصفر لكنها كأن لم تسمعني ، و في الصباح تعود ، نلعب فيتكرر المشهد من جديد ..
و كانت قد تزوجت ..
هكذا دون أن أعرف ، دون أن تخبرني ، و دون أن أصفعها كما كنا قبلاً .
وجدتها تسير مع رجل أنيق ، شاربه كث غير مرتب ، كان يذكرني بأبي ، بأمي التي كانت تكره الشارب الذي طلّقه أبي مئات المرات ، و على شاربه كانت تنكفئ ، ضخم كما سرير الموت خاصتهما ، رأيتها و قد كانت تحمل الرضيع بين كفيها ، يغني و يبكي ..
أغني و أبكي ..
رأيتها و لم ترني بداية الأمر ، لكنها عندما أدركتني ، تشممت عطر الماضي ، مساحة البوح فسقطت أرضاً ، لحظتها لم أعرف كيف أفعل ؟ هربت ، نعم هربت أبحث عن مأوى ينجيني من هول الكارثة التي طوحتني .. كيف لي أن أنساها بعد ذلك ؟ و نسيتها ثم عدت .
و على موتها أنتهي ..
عندما ولجت منزلي وجدتها منكفئة على وجهها . ارتعدت فرائصي ، هوت بي الدهشة ، هل هي حقاً أم أنها ضرب من الخيال ؟ و لم أكن اعرف أنها قد أغلقت قلبي بمفاتيحها الجميلة ، حلمت بها ليلتها كما رأيتها لكنها كانت بغير ذلك الخاتم ، صعقت و لم أسألها عن مكانه .
استيقظت من نومي و كان الخاتم في يدي ، أعطيته لمجنونة جديدة تجلس بجواري الآن ، و في الصالة مع جلبة النساء سقط الخاتم أرضاً و سقطت معه أحلامي القرمزية ..
أغني ..
كانوا قد جاءوا بها جثة متفحمة ليلة أن فكرت بزيارتهم مع والديّ في المساء ، ولجت الحارة الضيقة . كانت حدة القصف تروع السكان جميعهم ، سرت تجاه الطريق الترابي الغائص بنفايات المخيم ، و هناك كانت الجموع ترفرف حول أقبية الثكنة ، سألنا و سألت عما جرى ، ثم فجأة سقطت في موتي ، إغفاءتي التي طوحتني أرضاً ، كأنني لم أع ما كانوا يقولون ، سقطت أرضاً و أنا أسمعهم ، كان أحدهم يصرخ و قد غسل العرق جسده كحمامة طاهرة تغتصب السماء : لقد تهاوت مع صاروخ غادر صفع شارع المخيم بأكمله .. و انتهي مع الغبار .
****
ميت أنا
لكني على موتها سأظل أغنّي
و أغنّي
و أغنّي .

عبد الرشيد حاجب
11/23/2008, 03:53 AM
و كانت قد تزوجت ..
هكذا دون أن أعرف ، دون أن تخبرني ، و دون أن أصفعها كما كنا قبلاً .


استيقظت من نومي و كان الخاتم في يدي ، أعطيته لمجنونة جديدة تجلس بجواري الآن ، و في الصالة مع جلبة النساء سقط الخاتم أرضاً و سقطت معه أحلامي القرمزية ..

* * *

لغة جميلة ، وتسارع في النفس السردي تناسب تماما مع اللحظة الكئيبة.

قصة مفجعة حقا.

سلمت يمينك أخي.

ناهدة حجازي
11/23/2008, 01:41 PM
دوما الموت ،، أوسع خطوا منا ،،


يسري الغول ،،

نص رغم غناءه المنساب الجميل

مؤلم كما الموت

تحيتي ،،

يسري الغول
11/24/2008, 02:39 PM
أخي عبد الرشيد
شكراً لك ولقلمك الجميل أيضاً

يسري الغول
11/25/2008, 03:09 AM
شكراً ناهدة
وود يكبر

ريما إبراهيم فائق
11/26/2008, 09:02 PM
قصة موجعة بسرد جميل و لغة قوية رقيقة تسللت إلى القلب سريعا .
معاناة شعبنا أخي لا تنتهي في المخيم أو في الأرض أو في الغربة .
و لكل منا حكاياته ... التي لن تكون أكثر إيلاما من هذه .
سلمت يمناك .

يسري الغول
12/03/2008, 11:19 PM
شكرا ريما،
فغزة لا تنضج إلا بالموت
ود يكبر

أمل صلاح
12/04/2008, 01:12 AM
تعود قصتك بي إلى ماضٍ قريب .
نموت نحن ؛ وصوت الناي يشق طريقه لا تسكته عتمة قبر ولا حفنة تراب .

تغني سيدي ويعزف قلمك روائع

تنتقل بين أماكن الأحداث ببراعة ، يتنوع إيقاع الفقرات ،
وتتشابك الأحداث ، وتتقافز المشاعر ........
تصف لنا مشاعر الطفولة مع الحاضر ، فتترابط الأفكار ويعلو النبض .

كل ذلك مزجته ببراعة دون أن تفقد الخط الدرامي الرئيسي . ودون أن يتوه منك القارئ .

القاص الجميل
يسري الغول
سعيدة بوجودك مجددا
لطالما امتعتني شخصيا بصفحاتك

دمت بخير

يسري الغول
12/05/2008, 08:49 AM
الغالية أمل
كيفك أولاً، والحقيقة أنني لم أكن أعلم أنك مشاركة بهذا الملتقى من جديد
شكراً على كلماتك الجميلة
ودمت بخير
يسري

أمل صلاح
12/06/2008, 05:24 AM
الغالية أمل
كيفك أولاً، والحقيقة أنني لم أكن أعلم أنك مشاركة بهذا الملتقى من جديد
شكراً على كلماتك الجميلة
ودمت بخير
يسري




الحمد لله ، بخير .

ها أنا هنا ...
الممرات الجديدة ، تستهلك بعض الوقت لنتعرفها .


اسعدك الله

يسري الغول
12/10/2008, 11:30 PM
شكراً أمل
تحياتي لك