محسن رشاد ابو بكر
11/23/2008, 04:04 AM
جنينــة العيـال
هل تعرف أننى فى ذلك اليوم كنت قد عرفت أن نجمى فى الطالع بعدما قرأت برج الحظ بالجريدة ، مثل كل يوم.
ومثل كل يوم لم أهتم كثيرا بما قرأت .... فبعد اجتياز كل الاختبارات اللازمة ، لم أفكر فى الموضوع ، فقط من فترة لأخرى كان يراودنى الحلم ، ولكنى كنت دائما ما أخنقه فى مضجعه ، قبل أن يصحو بداخلى ويراودنى فأبيع له نفسى وأنسى أننا نعيش عصر الواسطة والمحسوبيات ، التى قطعا ستلعب دورا كبيرا فى اختيار ذلك الشخص.
لك الحق يا صديقى العزيز أن تطلق عليه (عصر الواسطة والمحسوبيات) هو فعلا اسم مناسب لذلك العصر ، لدرجة أننى أخشى أن أصحو ذات يوم لأجد نفسى مضطرا للبحث عن واسطة ، كى أتنفس ، فاضطر للبحث عن واسطة تساعدنى فى التنعم بحقى فى استنشاق الهواء.
سأحكى لك القصة كاملة يا صديقى.
فى ذلك اليوم ، أثناء تأدية عملى ، لم تكن مفاجأة لى أن أرسل السيد رئيس المجلس فى طلبى عن طريق "عم حسين" الساعى ، فقد كان دائما ما يرسل فى طلبى أنا أو أى شخص آخر من مديري الإدارات ، كثيرا ، لتوبيخهم على أخطاء نادرا ما يكونوا قد اقترفوها فعلا ، بل كانت المفاجأة حينما ذهبت له فقابلنى بالترحاب غير المعتاد ، ليس ذلك فحسب ولكنه أيضا انتفض من مقعده ، بشكل سينمائى ، كمن فوجئ بدخول رئيسه المباشر عليه بمكان عمله ... انتفض واقفا ، وقابلنى شبه منحنٍ بظهره وذكر اسمى مصحوبا بلقب (بيه) بصوت يغلب عليه الأدب المفتعل ، والهيبة من الشخص المناظر ، ودعانى للجلوس (اتفضل يا عادل بيه).
أخبرنى بانه قد وقع اختيار المحافظ الجديد ، على شخصى المتواضع لإدارة مكتبه.
قطعا .. أنت على حق .. ولكن .. وعلى الرغم من انعدام الثقة فى أغلب الموظفين الحكوميين ، بداية من رئيس الحكومة حتى أقل ساعى فى أية مصلحة حكومية ، إلا أن ذلك الرجل كان يشهد له بالنزاهة والاستقامة والجدية والابتكار فى العمل ، بالإضافة إلى نظافة يده ، مواصفات قلما تتوافر فى أحد الأشخاص بوجه عام هذه الأيام ، خاصة لو كان من موظفى الحكومة.
وحينما أدركت أننى فعلا لا أحلم ، تركت مبنى مجلس المدينة فى نفس اللحظة و ذهبت إلى مقر المحافظة واستلمت عملى ، بعد أن كان السيد المحافظ قد قابلنى بترحاب وألفة كمن يعرفنى جيدا منذ زمن بعيد.
.................................................. .....
أيام وشهور كانت قد مرت قبل أن أتمكن من تحديد موعد لـ "مراد" لمقابلة المحافظ ليشرح له فكرة المشروع الذى يبغى تنفيذه .. يحلم بإقامة حديقة للأطفال على تلك الأرض التى كانت ملكا لأحد الأعيان الذين توفاهم الله وآلت ملكيتها للمحافظة .. حيث لم يكن له ورثة.
... ياله من حلم ...
وكانت قطعة الأرض قد تحولت بكاملها إلى مقلب للقمامة لا يفكر أحدا فيه إلا حينما يشتد أوار الصيف ويبدأ الناموس والحشرات الطائرة والزاحفة فى مشاركتنا نهارنا وليلنا ، فيهرع البعض من الأهالى إلى إمام المسجد القابع على ناصية الشارع الذى كنا نقطن به ، لأن أحد أقاربه يعمل بالبلدية ، وبعدها بأيام تكون سيارات البلدية قد نظفت الموقع بالكامل ، وهكذا دواليك من العام للعام.
نعم .. كان أخى "مراد" يترك نفسه كثيرا للأحلام تراوده وتنال منه ، لم يصرعها كثيرا ، غالبا ما كانت تصرعه ، وقليلا ما كان يتمكن من تنفيذ أحلامه المشروعة ، أما غير المشروعة ، فقد كان لها فارس مغوار ، يساعده علي ذلك كل الظروف المحيطة ، فقد كان كثيرا ما ينغمس فى المجون والخمور والنساء ، ولكنه ، ولله الحمد ، كان يعود سريعا إلى حظيرة أحلامه المشروعة ، يحققها يوما وتقهره أياما كثيره.
ولأن "مراد" لم يكن يحب الوسايط ، فقد عارضنى كثيرا حينما أخبرته بأننى رتبت له موعداً مع السيد المحافظ ، ولكنه فى النهاية حضر فى الموعد المحدد ، وخرج من المقابلة الأولى معه وتبدو على وجهه علامات الفرح والسعادة ، ليخبرنى بأن المحافظ وافق على فكرة المشروع ، ووعد بتوفير كل الدعم المادى والمعنوى للمشروع.
.... : ليس ذلك فحسب يا "عادل" ولكنه أيضا ، أثناء حوارى معه ، وبعد أن أظهر جدية فى تناول الموضوع قام بالاتصال برئيس البلدية وطلب منه سرعة تنظيف الموقع لزيارته بعد غد ، بمصاحبتى ، لدراسة المشروع على الطبيعة.
.... : ألم أقل لك يا "مراد" أنه لازال هناك أناس شرفاء أوفياء لمجتمعاتهم ، وإن شاء الله تحقق كل أحلامك ، ويكون هذا المشروع بشرة خير وبداية الطريق نحو مشروعات أخرى جميلة.
.................................................. ..............
نعم يا صديقى .. أقيمت الحديقة فى وقت قياسى ، فقد كان التعاون على أعلى مستوى بين أخى وكل مهندسى وعمال وموظفى المحافظة حتى تم تنفيذ المشروع وافتتحه السيد المحافظ.
واليوم فقط ياصديقى ، أول أيام العيد ، عرفت لماذا كان أخى "مراد" ، رحمه الله ، يحلم كثيرا .. ويفكر فى المستقبل ، فبعد عودتى أنا ووالدتى من زيارة قبره وقبر أبى ، وأثناء وقوفى بشرفة المنزل الذى كنا قد ترعرعنا فيه ، رأيت "مراد" ، أصغر أبنائى ، داخل الحديقة ، يجمع أقرانه ليلقى عليهم قصيدته الجديدة "جنينة العيال".
تمــت
أبو بكــر
هل تعرف أننى فى ذلك اليوم كنت قد عرفت أن نجمى فى الطالع بعدما قرأت برج الحظ بالجريدة ، مثل كل يوم.
ومثل كل يوم لم أهتم كثيرا بما قرأت .... فبعد اجتياز كل الاختبارات اللازمة ، لم أفكر فى الموضوع ، فقط من فترة لأخرى كان يراودنى الحلم ، ولكنى كنت دائما ما أخنقه فى مضجعه ، قبل أن يصحو بداخلى ويراودنى فأبيع له نفسى وأنسى أننا نعيش عصر الواسطة والمحسوبيات ، التى قطعا ستلعب دورا كبيرا فى اختيار ذلك الشخص.
لك الحق يا صديقى العزيز أن تطلق عليه (عصر الواسطة والمحسوبيات) هو فعلا اسم مناسب لذلك العصر ، لدرجة أننى أخشى أن أصحو ذات يوم لأجد نفسى مضطرا للبحث عن واسطة ، كى أتنفس ، فاضطر للبحث عن واسطة تساعدنى فى التنعم بحقى فى استنشاق الهواء.
سأحكى لك القصة كاملة يا صديقى.
فى ذلك اليوم ، أثناء تأدية عملى ، لم تكن مفاجأة لى أن أرسل السيد رئيس المجلس فى طلبى عن طريق "عم حسين" الساعى ، فقد كان دائما ما يرسل فى طلبى أنا أو أى شخص آخر من مديري الإدارات ، كثيرا ، لتوبيخهم على أخطاء نادرا ما يكونوا قد اقترفوها فعلا ، بل كانت المفاجأة حينما ذهبت له فقابلنى بالترحاب غير المعتاد ، ليس ذلك فحسب ولكنه أيضا انتفض من مقعده ، بشكل سينمائى ، كمن فوجئ بدخول رئيسه المباشر عليه بمكان عمله ... انتفض واقفا ، وقابلنى شبه منحنٍ بظهره وذكر اسمى مصحوبا بلقب (بيه) بصوت يغلب عليه الأدب المفتعل ، والهيبة من الشخص المناظر ، ودعانى للجلوس (اتفضل يا عادل بيه).
أخبرنى بانه قد وقع اختيار المحافظ الجديد ، على شخصى المتواضع لإدارة مكتبه.
قطعا .. أنت على حق .. ولكن .. وعلى الرغم من انعدام الثقة فى أغلب الموظفين الحكوميين ، بداية من رئيس الحكومة حتى أقل ساعى فى أية مصلحة حكومية ، إلا أن ذلك الرجل كان يشهد له بالنزاهة والاستقامة والجدية والابتكار فى العمل ، بالإضافة إلى نظافة يده ، مواصفات قلما تتوافر فى أحد الأشخاص بوجه عام هذه الأيام ، خاصة لو كان من موظفى الحكومة.
وحينما أدركت أننى فعلا لا أحلم ، تركت مبنى مجلس المدينة فى نفس اللحظة و ذهبت إلى مقر المحافظة واستلمت عملى ، بعد أن كان السيد المحافظ قد قابلنى بترحاب وألفة كمن يعرفنى جيدا منذ زمن بعيد.
.................................................. .....
أيام وشهور كانت قد مرت قبل أن أتمكن من تحديد موعد لـ "مراد" لمقابلة المحافظ ليشرح له فكرة المشروع الذى يبغى تنفيذه .. يحلم بإقامة حديقة للأطفال على تلك الأرض التى كانت ملكا لأحد الأعيان الذين توفاهم الله وآلت ملكيتها للمحافظة .. حيث لم يكن له ورثة.
... ياله من حلم ...
وكانت قطعة الأرض قد تحولت بكاملها إلى مقلب للقمامة لا يفكر أحدا فيه إلا حينما يشتد أوار الصيف ويبدأ الناموس والحشرات الطائرة والزاحفة فى مشاركتنا نهارنا وليلنا ، فيهرع البعض من الأهالى إلى إمام المسجد القابع على ناصية الشارع الذى كنا نقطن به ، لأن أحد أقاربه يعمل بالبلدية ، وبعدها بأيام تكون سيارات البلدية قد نظفت الموقع بالكامل ، وهكذا دواليك من العام للعام.
نعم .. كان أخى "مراد" يترك نفسه كثيرا للأحلام تراوده وتنال منه ، لم يصرعها كثيرا ، غالبا ما كانت تصرعه ، وقليلا ما كان يتمكن من تنفيذ أحلامه المشروعة ، أما غير المشروعة ، فقد كان لها فارس مغوار ، يساعده علي ذلك كل الظروف المحيطة ، فقد كان كثيرا ما ينغمس فى المجون والخمور والنساء ، ولكنه ، ولله الحمد ، كان يعود سريعا إلى حظيرة أحلامه المشروعة ، يحققها يوما وتقهره أياما كثيره.
ولأن "مراد" لم يكن يحب الوسايط ، فقد عارضنى كثيرا حينما أخبرته بأننى رتبت له موعداً مع السيد المحافظ ، ولكنه فى النهاية حضر فى الموعد المحدد ، وخرج من المقابلة الأولى معه وتبدو على وجهه علامات الفرح والسعادة ، ليخبرنى بأن المحافظ وافق على فكرة المشروع ، ووعد بتوفير كل الدعم المادى والمعنوى للمشروع.
.... : ليس ذلك فحسب يا "عادل" ولكنه أيضا ، أثناء حوارى معه ، وبعد أن أظهر جدية فى تناول الموضوع قام بالاتصال برئيس البلدية وطلب منه سرعة تنظيف الموقع لزيارته بعد غد ، بمصاحبتى ، لدراسة المشروع على الطبيعة.
.... : ألم أقل لك يا "مراد" أنه لازال هناك أناس شرفاء أوفياء لمجتمعاتهم ، وإن شاء الله تحقق كل أحلامك ، ويكون هذا المشروع بشرة خير وبداية الطريق نحو مشروعات أخرى جميلة.
.................................................. ..............
نعم يا صديقى .. أقيمت الحديقة فى وقت قياسى ، فقد كان التعاون على أعلى مستوى بين أخى وكل مهندسى وعمال وموظفى المحافظة حتى تم تنفيذ المشروع وافتتحه السيد المحافظ.
واليوم فقط ياصديقى ، أول أيام العيد ، عرفت لماذا كان أخى "مراد" ، رحمه الله ، يحلم كثيرا .. ويفكر فى المستقبل ، فبعد عودتى أنا ووالدتى من زيارة قبره وقبر أبى ، وأثناء وقوفى بشرفة المنزل الذى كنا قد ترعرعنا فيه ، رأيت "مراد" ، أصغر أبنائى ، داخل الحديقة ، يجمع أقرانه ليلقى عليهم قصيدته الجديدة "جنينة العيال".
تمــت
أبو بكــر