المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قراءة في قصة طريق العودة لناهدة حجازي


عبد الرشيد حاجب
11/26/2008, 04:25 AM
رابط النص:http://www.al7akaia.com/forums/showthread.php?t=259

النص:

من جديد تسلك نادية في مشوار عودتها إلى البيت الطريق الزراعي ذاته
الذي تسوِّره أشجار السرو ،، وتصطف على جانبيه صخور صغيرة تنبت
بينها براعم من الزهور البيضاء والصفراء ونبات الحميّض ،، حيث تطلب
من سائق سيارة الأجرة أن يتوقف عند بداية هذا الطريق المحبب إليها ،،
لـ تكمل دربها مشيا على الأقدام ،،


منذ صغرها اعتادت نادية أن تفكر وهي تمشي ،، وقد اتخذت أهم قراراتها
بينما كانت تخط هذا الطريق بخطوات مرتبكة ذهابا وإيابا ،، تظللها أشجار
السرو ، الشاهدة الوحيدة على كل انعطافات تفكيرها ،، وها هي اليوم
نادية المرأة المتزوجة من الرجل الذي تحب ،، تعود إلى طريق تفكيرها
محاولة اتخاذ قرار بأول مشكلة تواجه حياتها الزوجية.


قبل عام سافرت نادية إلى لبنان ،، وطنها الأم ،، لـ تقدم امتحان السنة
النهائية في علم الاجتماع ،، لم يكن قد مضى على زواجها من نزار أكثر
من ستة أشهر ،، مازالت تذكر جيدا صبيحة يوم السفر ،، حين استيقظت
لـ تجد نزاراً جالسا قربها يحدق بملامحها والدموع تملأ عينيه ،، وكيف
أخذ وجهها بين يديه وقبّل جبينها في المطار وهو يقول
"سـ أشتاق لك ،، فلا تتأخري".


حملت نادية نظرات نزار وصوته ،، وجلست مشدوهة في إحدى زوايا
ملجأ بيت أهلها في لبنان ،، تسمع بقلب واجف صوت طائرات العدو
الإسرائيلي وهي تـُغير على بلدها ،، تقصف بيوت الجوار ،، وتدمر
الجسور والطرقات ،، فلم تكن هي ولا زوجها يتوقعان هذه الحرب التي
يطلق عليها اليوم حرب الثلاثة والثلاثين يوماً، كانت كلما اقتربت الغارة
تغرز دموعها بدموع زوجها ،، وتلقي خوفها على خوفه ،، كانت تتوق
ليضمها إلى صدره ويضغط بيديه على أذنيها ،، فلا تسمع غير نبضه ،،


وانتهت الحرب ،، وعادت نادية بامتحان قاس ،، رمت نفسها على صدر
زوجها دون كلام ولا بكاء ،، لكنها عادت من حرب إلى أخرى ،، سافرت
من أجل امتحان ،، فـ عاشت امتحاناً قاسياً ،، وعادت لتؤدي الامتحان
الأقسى ،، فقد اعترف لها زوجها بعد عودتها بأيام بأنه عاش نزوة !!
" أثناء غيابك حبيبتي ،، ومن شدة حاجتي إليك تقربت من صديقة ،، ولم
أستطع أن أحدد ماهية شعوري تجاهها ،، اعتقدت أني أحببتها ،، لكني
علمت بعد ذلك أني أحبك أنت ،، ولكني كنت معجبا بها" .
أغمضت عينيها بصمت ،، وعادت بذهنها إلى زاوية الملجأ ،، تحتمي
بها من هول هذا الاعتراف ،، من عمق الألم الذي ما فتئ يفتك بها ،،
هزها سؤال نزار "أتسامحيني حبيبتي ؟!" أجابت "نعم حبيبي أسامحك"


توقفت نادية في منتصف الطريق ،، أخرجت من حقيبتها منديلاً تجفف
به دموعها ،، فـ رأت زهرة بيضاء ندية تطل من بين ثقوب السور
الصخري بجانبها انحنت عليها قبلتها وداعبت أوراقها الرقيقة
بأصابعها ،، ومضت.


نعم سامحت نزار زوجها وحبيبها ،، وارتمت بحضنه تلك الليلة تطفئ
شوقه وشوقها ،، لكنها ما إن اقترب منها حتى خُيل لها أنها رأت صورة
الأخرى على المرآة ،، فـ قامت مسرعة ومسحت المرآة بيديها ،، وأخذت
تبكي ،، ومن يومها فشلت نادية ونزار في أن يعيدا الهدوء لـ حياتهما ،،


اليوم ،، وبعد مرور عام ،، تعود نادية من سفرها بعد أن أدت امتحان
علم الاجتماع ،، تعود إلى الطريق نفسه لـتقرر ،، في نهاية هذا الطريق
بيتها وبيت نزار ،، عشهما الجميل الذي يحسدهما عليه الطير ،، وعلى
اليمين بيت أهلها ،، وعليها الآن أن تقرر ،،

القراءة


أعود هنا للتساؤل إن كان الملخص السابق الذي قدمته يستطيع أن يحل محل النص ؟

ذلك أني أعتقد أن القصة القصيرة لا يمكن تلخيصها دون أن تفقد رونقها ، والكثير من

دلالاتها وبالتالي رسالتها الكلية.

1- أولا : الملخص : :

""حين عادت من سفرها إليه..بكل أشواقها ،أخبرها عن تلك النزوة العابرة.

عبرت كيانها تيارات شتى ..انزوت حينا ،ثم عادت إلى أحضانه.

في ذلك المساء ، من عمق سرير الزوجية المقدس ، تسللت أظافر "الأخرى "

نظراتها الغريبة ،وشبه ابتسامة ..انتفضت..وفي مرآة الحمام لم تتعرف على وجهها !

في بيت أهلها انزوت مرة أخرى تحاول جمع ما تشظى :أتستطيع النسيان حقا ؟"

نلاحظ أن هذا الملخص بالرغم من اشتماله على جوهر الصراع ، إلا أنه بدا جافا ،

وغير موحي بما في النص الأصلي ، لماذا ؟

الجواب هو أن القصة لا تريد أن تركز على الخيانة الزوجية كظاهرة مفصولة عن سياقها

الإجتماعي / النفسي والسياسي / التاريخي .فما كان نزوة من الزوج لم يكن مجرد نزوة عابرة

تقع كل يوم وفي كل مكان من العالم ، بل كان نتيجة لظروف خاصة سنقف عليها بعد حين.

ومن جهة أخرى فإن الطابع الرومانسي الكئيب الذي لونت به الكاتبة صورها يجعل التلخيص

وكأنه تشويه للنص ، وتجريد له من روحه . والنتيجة هنا أن القصة التي بين أيدينا قصة متكاملة ناضجة فنيا .

وقبل أن نحاول الولوج إلى أعماق النص أحب أن نقف وقفة استشرافية عند عتباته.

2- عتبات النص :

أ – العنوان : طريق العودة.بعيدا عما أثارته قضية العنوان في

القصة القصيرة من تباين في الآراء ، فإن ما يهمنا هنا هو ما يثيره مضمونه هنا كعتبة ،ومدى ما يضيفه من

إضاءات

إلى النص .لا شك أن المتلقي – العربي - ستزخر في نفسه رؤى وذكريات وصور متعدد لدى سماعه "

طريق العودة "

ويستعد ذهنيا ونفسيا لدخول قصة تحكي مأساة ما ، نظرا لارتباط هذا العنوان في الذاكرة العربية بالمأساة

الفلسطينية

وما صاحبها من تشريد للشعب الفلسطيني باغتصاب أرضه ، وحلمه الدائم بالعودة ،كما حلم الشعوب

العربية والإسلامية

باسترجاع القدس – قبلتهم الثانية . وعليه فإن أي مضمون للقصة سيكون بعيدا عن الهم العربي ككل ،

سيجعل من العنوان مجرد علامة تجارية إشهارية للتسويق للنص ، ينظر إليه المتلقي بخيبة أمل.

ب – اللوحة : بعد العنوان مباشرة نقف أمام لوحة لمنظر طبيعي

يمثل طريقا محفوفا بالإشجار والأزهار ، نحو بيت ريفي بديع يقوم على ضفا ف بحيرة يسترعي انتباهنا

الصمت الذي يغلف المكان، فلا نسمع سوى صوت السكينة والجمال مع توجس يسري في مشاعرنا بسبب

تلك الغيوم الكثيفة التي تنتشر في السماء ، فلا ندري بسبب بقاء فتحات صغيرة من الزرقة

المنتشرة في الأطراف ،إن كان الأمر سيؤدي إلى صحو أم إلى مزيد من الإكفهرار...

ج- التوقيع : بالرغم من تحفظنا على إدراج التوقيع هنا كعتبة من

عتبات النص ،كونه يصاحب النصوص الرقمية الأخرى المنشورة في هذا الفضا ء النيتي ، إلا أننا نراه

هنا يكشف عن جانب ما من جوانب شخصية الكاتبة التي يمكنها أن تضيف إضاءة مهما كانت صغيرة إلى

النص ، خاصة وأن التوقيع هنا جاء على شكل لوحة أخرى مفعمة بالطفولة والبراءة والملائكية ، ولا تبدو

بعيدة عن ذلك الجو الذي رسمته اللوحة لبيت ينتظر من يعمره بالحب والأطفال والبراءة.

( اللوحة لطفلة ملائكية تشبه النحلة / الفراشة تتأمل صورتها المنعكسة في الماء بين الحشائش والأزهار)

3- القراءة :

علمنا من الملخص السابق أن البطلة في موقف صعب بعد عودتها من سفرها ووقوفها على خيانة زوجها.

وفي عودتنا إلى العتبة الأولى ، أي العنوان ، نجد أن النص لم يخذلنا ،بل ربط كل ما وقع بالعدوان

الإسرائيلي

على لبنان ، الذي احتجز البطل وجعلها غير قادرة على العودة لإلابعد انتهاء الحرب . ورغم أنها قاومت

نفسيا

وعادت سليمة إلى زوجها غير أن تلك الآثار – آثار الحرب –كان لها وقع آخر على زوجها فخانها .لماذا ؟

هل كان يعتقد أنه فقدها إلى الأبد ؟ هل انعكس الدمار الذيحل ببلد حبيبته –لبنان – على نفسه فساقه ذلك إلى

اليأس والكفر بكل شيء بما في ذلك القيم الزوجية وقيم الحب والوفاء في عالم يسوده الرعب والحقد

والحرب ؟ ثم أخيرا هل كانت خيانته تعبيرا عن احتجاج ما ،أم كانت مجرد حاجته إلى حضن يمسح دموعه

ويخفف من لوعته ؟

هذا ما يبدو أنه دار في خلد الزوجة فقررت أن تسامحه ، تسامح الزوج كما تسامح الحبيب ..

ويكشف عن هذه الرغبة في المسامحة ما جاء في العتبة الأولى / اللوحة التي تعبر عن مدى رومانسية

البطله وعشقها للحياة الزوجية فيما تأتي العتبة الثالثة / صورة الطفلة تشي برغبتها الجامحة في بناء

أسرة مثالية سعيدة .

أما النص نفسه فهو لا يضيئ القرار الذي ستتخذه البطلة وهي عائدة إلى بيت زوجها ، هل ستتحدى

الأخرى التي دخلت تنغص حياتهما ، ولو كذكرى سيئة ، أم ستنهار أمام ماقد يساورها من ظنون وشكوك

حول المستقبل

ومدى ثقتها في زوجها ، ثم ثقة هذا الزوج نفسه في نفسه وعدم تكرار ما فعل ، رغم أن كل شيئ يوحي

بالخير ما دام إعترف لها ورمى بالكرة في ملعبها.

إنه قرار صعب حقا ،لكن يبدو أن طبيعة البطلة الرومانسية ، المتعلمة ،المتفهمة ، ستجعلنا نعتقد أنها

ستتجاوز أزمتها .

وفي الحقيقة أن ثمة رمزية وراء القصة التي رأيناها ، فهي ليست أزمة أمرأة تعرضت لخيانة زوجية عابرة

هي على وشك أن تدمر البيت فحسب بل هي أي أزمة لبنان وشعب لبنان وألأمة اللبنانية التي ما كانت

لتعرف تلك الحرب لولا

خيانات خفية من أناس من جلتدها ولحمها ودمها ، وإذا كانت المقاومة نجحت إلى حد ما في جمع اللبنانيين

حول كلمة واحدة وموقف واحد حفاظا على إستمرارية وجود حر ، رغم ما يظل يناوش الذاكرة من شكوك

وتوجس في من كان وراء الأزمة وأسبابها وخفاياها ،إلا أن الحب يبدو في النهاية هو المنتصر، حب

الوطن في لبنان ،وحب البطلة واعتراف زوجها بالخطأ في قصتنا.

خاتمة / تقييم : قصة الأخت القاصة ناهدة حجازي جاءت متكاملة

فنيا ، رغم واقعيتها إلا أنها عانقت بعض الأطياف الرمزية التي ربما جاءت عفوية وصادقة ،بل وأرى

لو أنها طعمتها أكث رببعض الرموز لجاءت معبرة

عما عاشته الأمة اللبنانية على إثر العدوان الإسرائيلي ، وما نسج في الخفاء لإعادة هيكلة البنية السياسية

للمجتمع اللبناني ،لكن يبدو أن الإكتفاء بجانب واحد من هذه الآثار المدمرة لحياة الفرد والأسرة كان دالا بما

يكفي .

ريمه الخاني
11/29/2008, 05:03 PM
السلام عليكم
مررت من هنا لاترك تقديري لناقد يدرس نصه بعنايه

تحيه

كوثر الصافي
12/01/2008, 09:23 PM
.
.


وفي الحقيقة أن ثمة رمزية وراء القصة التي رأيناها ، فهي ليست أزمة امرأة تعرضت لخيانة زوجية عابرة هي على وشك أن تدمر البيت فحسب بل هي أي أزمة لبنان وشعب لبنان والأمة اللبنانية التي ما كانت لتعرف تلك الحرب لولا خيانات خفية من أناس من جلتدها ولحمها ودمها ، وإذا كانت المقاومة نجحت إلى حد ما في جمع اللبنانيين حول كلمة واحدة وموقف واحد حفاظا على إستمرارية وجود حر ، رغم ما يظل يناوش الذاكرة من شكوك وتوجس في من كان وراء الأزمة وأسبابها وخفاياها ،إلا أن الحب يبدو في النهاية هو المنتصر، حب الوطن في لبنان .

النصّ هادف دون شكّ،وناهدة ابنة الجنوب صاحبة قضيّة..وفي هذا النصّ أراها قد علّقت قضيتها في النهاية بين خيارين وتركت لنا حريّة الحدس حين قالت:
اليوم ،، وبعد مرور عام ،، تعود نادية من سفرها بعد أن أدت امتحان
علم الاجتماع ،، تعود إلى الطريق نفسه لـتقرر ،، في نهاية هذا الطريق
بيتها وبيت نزار ،، عشهما الجميل الذي يحسدهما عليه الطير ،، وعلى
اليمين بيت أهلها ،، وعليها الآن أن تقرر ،،

أعتقد انّ النصّ يبدأ هنا من حيث نقطة العودة وبدء القرار..وهنا أسأل ناهدة بناء على قراءة الاستاذ عبد الرشيد:
أليس بيت نزار ،هذا العشّ الجميل هو جزء من بيتها الكبير؟
وهل يجدر بالبيوت -التي من المفترض أن تكون بيتا واحدا -أن تتعارض فيسار ويمين؟

/

إبتسام إبراهيم تريسي
12/03/2008, 08:23 PM
عليك سلام الله أخي عبد الرشيد .
الدراسة "القراءة" غاصت عميقاً في فكرة القصة ، وخلقت جواً جديداً ونصاً آخر، بما اقترحته من رموز انطوت عليها القصة بشكل عفوي.
للقارئ أن يرى في النص ما يتماشى وخياله ، وللقاص حرية قبول الفكرة الجديدة أو عدم قبولها .
قد لا أرى في قصة ناهدة ما رآه عبد الرشيد ، لكنّي أغبطه على خياله الخصب ، واجتهاده في اقتناص المعنى الأبعد للقصة .
شكراً للكاتبة ، والناقد .
تحياتي .

محسن رشاد ابو بكر
12/07/2008, 07:20 PM
العودة .. إلى الوطن .. إلى الأهل .. إلى الزوج والحبيب .. قرار يحتاج للتفكير والتأمل كثيرا
لذلك كان "طريق العودة" الذي رسمته لنا ريشة الفنانة المبدعة صفاء حجازي بديعا .. هادئا .. رومانسيا
يدعونا فعلا للتأمل والتفكر ..
وهذا ما أكدته الدراسة النقدية
ولكن (طبقا لقراءة النص على هذه الصورة) .. هل تعني النهاية المفتوحة دعوة للتفكير والتأمل في فكرة العودة إلى زوج / وطن يحمل بين جنباته ذكرى خيانة بغيضة تلقي بظلالها على أحاسيس ومشاعر البطلة !!؟؟؟

الأديب والناقد المبدع / عبد الرشيد حاجب
قرأت واستمتعت بالنص .. وبدراستك النقدية القيمة
كل عام وأنت بخير .. عيد سعيد .. أعاده الله عليك وعلى
كل أهلك وأحبابك بالخير والبركات

عبد الرشيد حاجب
12/13/2008, 11:55 AM
السلام عليكم
مررت من هنا لاترك تقديري لناقد يدرس نصه بعنايه

تحيه

شكرا للأخت العزيزة ريمة على المرور الكريم

والإطراء العطر الحفز

دمت بكل خير

عبد الرشيد حاجب
01/12/2009, 06:49 AM
.
.




النصّ هادف دون شكّ،وناهدة ابنة الجنوب صاحبة قضيّة..وفي هذا النصّ أراها قد علّقت قضيتها في النهاية بين خيارين وتركت لنا حريّة الحدس حين قالت:


أعتقد انّ النصّ يبدأ هنا من حيث نقطة العودة وبدء القرار..وهنا أسأل ناهدة بناء على قراءة الاستاذ عبد الرشيد:
أليس بيت نزار ،هذا العشّ الجميل هو جزء من بيتها الكبير؟
وهل يجدر بالبيوت -التي من المفترض أن تكون بيتا واحدا -أن تتعارض فيسار ويمين؟

/

نعم ياهادية هو نص هادف طبعا ولكم تمنيت لو تدخلت الأخت ناهدة وأجابت عن سؤالك

إثراء للنقاش !