خليف محفوظ
12/08/2009, 12:09 AM
الإهداء : إلى المبدعة الراقية فايزة شرف الدين التي كان لها الفضل في التنبيه إلى تدارك هذه الأجزاء التي سقطتت من الرواية
وقادتني قدمي إلى المرقد . كنت أعلم أنه لم يعد لنا مكان فيه ، و أننا سنحول – نحن المستبقين - إلى جناح ضباط الصف ، لكن شيئا غامضا في كان يدفعني إليه .
دفعت الباب برجلي كما كان يفعل قائد فصيلتنا و دخلت ، حاصرني المرقد بوحشته وفراغه من الرفاق ، تماما كما حاصرتني مقبرة مرج عيطر حين دخلتها أول مرة أتهجأ شواهدها في جمهور من القبور ، الأسرة عارية من أغطيتها يركب بعضها بعضا ، الخزائن الحديدية خالية من الأقفال , مفتوحة الأبواب تلعب بها الريح المتسربة من النوافذ فتصر صريرا كئيبا ، إذ سلم الرفاق الأغطية إلى المخزن و أخذوا أقفالهم و رحلوا .
وقفت عند سريري فبدا لي نعشا حديديا صدئا يعد لي أينما انتقلت ، كأن خلاصة الأمر في النهاية أن ليس لي في هذا الوجود إلا سرير نعش .
ألقيت نفسي عليه ، تمددت ، سحبت القبعة على عيني ، أسبلت ، أخذتني الغفوة ، غبت ، رأيتني في الحلم أتهيأ لنزول جوي ، كنت مموها بلون التراب ، ملطخا وجهي و أطرافي بالوحل ، فتحت الطيارة جوفها ، ألقيت نفسي و صديقي أحمد يحذرني ألا أفعل لأن المظلة لن تنفتح ، و أبت المظلة أن تنزل بي في الميدان ، طارت بي بعيدا ، حلقت بي فوق المدينة ، لاح لي الناس في الأسفل يتجمهرون و يشرئبون . وهوت بي المظلة في اتجاههم فتفرقوا مذعورين ، و أنا أشير لهم بألا يخافوا ، حطت بي المظلة أمام تمثال الأمير عبد القدر ، جمعت مظلتي ، سويت هيئتي ، علقت رشاشي ثم أديت التحية للأمير ، ولما التفت حولي وجدت الشوارع قد أقفرت من الناس ، كأن الارض ابتلعتهم ، والحوانيت أغلقت ، فرحت أجوب الشارع الرئيسي وحيدا ليس معي إلا ظلي و رغبتي الشديدة في الأكل ، وكانوا خلف نوافذهم يراقبون مساري فآلمني أني أفزعتهم فرحت أحث الخطى مغادرا حتى يزول روعهم أتشمم رائحة الطعام قد يكون هناك مطعم ما مفتوحا ، خرجت إلى طرف المدينة حيث مساحة مسورة ، دخلتها وفي نفسي أسف أليم أن المدينة أساءت فهمي ، في المساحة الخضراء رأيت حشدا من الزرزور متكبكبا تحت شجرة زيتون يرعى حبها المتساقط فقلت في نفسي أفتح النار لعلي أصيب بعضه أسد به جوعي . فتحت زخة نيران من سلاحي ، فرفر الحشد محدثا زغدبا رهيبا ، و سقطت زرزورة وحيدة ، جريت نحوها ، ولما انحنيت أقبض عليها تحولت بين يدي إلى صبية تنزف ، وقفت ذاهلا وقد تحولت المزرعة إلى مقبرة مترامية الأطراف بلا أسوار ، ثم رأيته عملاقا ينتزع مني رشاشي و في عينيه الغضب المارج .
-لقد قتلت ابنتي .
ولم يعطني فرصة كي أشرح له ، فتح النار علي ، و قبل أن أموت رأيته يحمل الصبية و يدخل قبره .
-انهض يا رقيب ، أنهم يبحثون عنك .
فتحت عيني فكان مساعد الكتيبة " عمي عسلي " البئيس ببذلته العسكرية الحائلة و سني الخدمة الطويلة التي نحتت وجهه بالأخاديد و القتامة ، جاء يغلق نوافذ المرقد و أبوابه ليفتحه لدفعة أخرى في فصل آخر .
نهضت مترنحا تحت تأثير ذلكم الكابوس المرعب .
-إلى أين أذهب يا عمي عسلي ؟
- إلى مركز القيادة ، الرائد أرسل يطلبكم أنت و جماعة الرقباء الجدد .
سويت هندامي . و أردف المساعد بلهجة فيها حسرة .
-سيحدد لكم مهامكم ، هذا أول يوم في حياتك العملية يا رقيب ، يجب أن تذكره جيدا ، البارحة فقط كنت مثلك .
و خرجت ، وكانت ريح شمالية تهب هبوبا رخيا .
.................................................. ..........
صرت الرقيب سعد ؟ مدرب الرماية و القتال المتلاحم بالسلاح الأبيض .
و صارت لي غرفة في جناح ضباط الصف ، كما صارت لي أجرة شهرية لا أعرف فيما أبددها ، وملابس مدنية أرتديها مساء بعد نهاية العمل و أخرج إلى المدينة أهيم في الشوارع .
كنت أتخفى في ثيابي المدنية و ألقي بنفسي في أحضان المدينة ، أريد خداعها بأني واحد من تلك الجموع الغفيرة الذاهبة الآيبة المتوزعة في الشوارع كالنمل .
أدس يدي في جيبي ، أسلم قيادي لرجلي ، أمضغ العلك و أقرأ الوجوه و الإعلانات ، لوحات ترقيم السيارات ، و البيانات الثورية تصيح ملء فيها بخط ممطوط : " نراجع و لا نتراجع " و الشعارات تعد " من أجل مستقبل أفضل " و المسجد الكبير المقبب المقوس يصدح الحمام في أرجائه ، و الأزقة الضيقة في المدينة القديمة تتلوى و تتعرج و تجرني إلى بيت الحكمة ، تتكور خصلة الشعر في حلقي ، أشعر بالقيء فأسحب نفسي إلى المساحات الكبرى ، و أكاد أصيح فيهم :
هل أحد فيكم يعرفني ؟
هل فيكم من يفضحني أنا المتموه أبدا المتخفي وراء سؤالي ؟
و أطلب فنجان قهوة يرتشفني على الرصيف الحافل ثم يسوقني إلى التيه في الكلمات .
أمارس لعبة الغميضة ، أدخل مخدع الهاتف العمومي في رأس الشارع ، أشكل رقما ما ، قد يصيب و قد يخيب .
أتنصت :
-ألو ، مساء الخير .-ألو ، من ؟
صوت معتد بنفسه ، أجش ، مستريب .
وكرر السؤال أمام صمتي :
-ألو ، من أنت ؟
وحدثته في نفسي قبل أن أرد عليه : يا لفداحة سؤالك أيها الرجل ...
-هل أحمد في الدار ؟
-لا أحد عندنا بهذا الاسم .
ويقطع الخط متأففا متنرفزا .
و أصر على التمسك باللعبة ، أشكل رقما آخر كما ألقي حصاة في بركة .
-ألو
-ألو، مساء الخير .
-مساء الخير ، من ؟
صوت به بحة جميلة ، في رنته نعيم و دفء و عافية .
-الحاجة ، كيف حالك ؟
-الحمد لله على هذه الساعة ، ولكن من أنت ياولدي ؟
- هل أحمد في الدار ؟
صوت صبي يبكي ، و صوت ذكوري يسأل عن المتكلم فترد مشيحة : " أحدهم أخطأ الرقم " ثم تعود إلى السماعة :
-ليس عندنا أحمد يبدو أنك أخطأت الرقم .
أنصت من غير تعليق . تضع السماعة ، أشعر بالوضاعة ، تضيع كلماتي ، أخرج يعصب السأم قلبي ، يجيء الغروب يسحقني متثائبا ، يمحقني بطيئا في الشوارع الموحشة يغادرها روادها خفافا ، يرشني على النوافذ المغلقة ، يذروني مع أسراب الطيور الرائحة تمخر هدأة الغسق ، يذرذرني على مصب الشمس .
يصيح على البعد قطار وهران ، أتسمت الثكنة طويلا مديد الرجلين ، تزعجني المقاهي تضع الكراسي فوق الطاولات و تسدل الستائر ، تأخذني المصابيح تغفو بين أغصان أشجار التوت و البلاطان .
آه ، يا شجر البلاطان ما أطولك
وقادتني قدمي إلى المرقد . كنت أعلم أنه لم يعد لنا مكان فيه ، و أننا سنحول – نحن المستبقين - إلى جناح ضباط الصف ، لكن شيئا غامضا في كان يدفعني إليه .
دفعت الباب برجلي كما كان يفعل قائد فصيلتنا و دخلت ، حاصرني المرقد بوحشته وفراغه من الرفاق ، تماما كما حاصرتني مقبرة مرج عيطر حين دخلتها أول مرة أتهجأ شواهدها في جمهور من القبور ، الأسرة عارية من أغطيتها يركب بعضها بعضا ، الخزائن الحديدية خالية من الأقفال , مفتوحة الأبواب تلعب بها الريح المتسربة من النوافذ فتصر صريرا كئيبا ، إذ سلم الرفاق الأغطية إلى المخزن و أخذوا أقفالهم و رحلوا .
وقفت عند سريري فبدا لي نعشا حديديا صدئا يعد لي أينما انتقلت ، كأن خلاصة الأمر في النهاية أن ليس لي في هذا الوجود إلا سرير نعش .
ألقيت نفسي عليه ، تمددت ، سحبت القبعة على عيني ، أسبلت ، أخذتني الغفوة ، غبت ، رأيتني في الحلم أتهيأ لنزول جوي ، كنت مموها بلون التراب ، ملطخا وجهي و أطرافي بالوحل ، فتحت الطيارة جوفها ، ألقيت نفسي و صديقي أحمد يحذرني ألا أفعل لأن المظلة لن تنفتح ، و أبت المظلة أن تنزل بي في الميدان ، طارت بي بعيدا ، حلقت بي فوق المدينة ، لاح لي الناس في الأسفل يتجمهرون و يشرئبون . وهوت بي المظلة في اتجاههم فتفرقوا مذعورين ، و أنا أشير لهم بألا يخافوا ، حطت بي المظلة أمام تمثال الأمير عبد القدر ، جمعت مظلتي ، سويت هيئتي ، علقت رشاشي ثم أديت التحية للأمير ، ولما التفت حولي وجدت الشوارع قد أقفرت من الناس ، كأن الارض ابتلعتهم ، والحوانيت أغلقت ، فرحت أجوب الشارع الرئيسي وحيدا ليس معي إلا ظلي و رغبتي الشديدة في الأكل ، وكانوا خلف نوافذهم يراقبون مساري فآلمني أني أفزعتهم فرحت أحث الخطى مغادرا حتى يزول روعهم أتشمم رائحة الطعام قد يكون هناك مطعم ما مفتوحا ، خرجت إلى طرف المدينة حيث مساحة مسورة ، دخلتها وفي نفسي أسف أليم أن المدينة أساءت فهمي ، في المساحة الخضراء رأيت حشدا من الزرزور متكبكبا تحت شجرة زيتون يرعى حبها المتساقط فقلت في نفسي أفتح النار لعلي أصيب بعضه أسد به جوعي . فتحت زخة نيران من سلاحي ، فرفر الحشد محدثا زغدبا رهيبا ، و سقطت زرزورة وحيدة ، جريت نحوها ، ولما انحنيت أقبض عليها تحولت بين يدي إلى صبية تنزف ، وقفت ذاهلا وقد تحولت المزرعة إلى مقبرة مترامية الأطراف بلا أسوار ، ثم رأيته عملاقا ينتزع مني رشاشي و في عينيه الغضب المارج .
-لقد قتلت ابنتي .
ولم يعطني فرصة كي أشرح له ، فتح النار علي ، و قبل أن أموت رأيته يحمل الصبية و يدخل قبره .
-انهض يا رقيب ، أنهم يبحثون عنك .
فتحت عيني فكان مساعد الكتيبة " عمي عسلي " البئيس ببذلته العسكرية الحائلة و سني الخدمة الطويلة التي نحتت وجهه بالأخاديد و القتامة ، جاء يغلق نوافذ المرقد و أبوابه ليفتحه لدفعة أخرى في فصل آخر .
نهضت مترنحا تحت تأثير ذلكم الكابوس المرعب .
-إلى أين أذهب يا عمي عسلي ؟
- إلى مركز القيادة ، الرائد أرسل يطلبكم أنت و جماعة الرقباء الجدد .
سويت هندامي . و أردف المساعد بلهجة فيها حسرة .
-سيحدد لكم مهامكم ، هذا أول يوم في حياتك العملية يا رقيب ، يجب أن تذكره جيدا ، البارحة فقط كنت مثلك .
و خرجت ، وكانت ريح شمالية تهب هبوبا رخيا .
.................................................. ..........
صرت الرقيب سعد ؟ مدرب الرماية و القتال المتلاحم بالسلاح الأبيض .
و صارت لي غرفة في جناح ضباط الصف ، كما صارت لي أجرة شهرية لا أعرف فيما أبددها ، وملابس مدنية أرتديها مساء بعد نهاية العمل و أخرج إلى المدينة أهيم في الشوارع .
كنت أتخفى في ثيابي المدنية و ألقي بنفسي في أحضان المدينة ، أريد خداعها بأني واحد من تلك الجموع الغفيرة الذاهبة الآيبة المتوزعة في الشوارع كالنمل .
أدس يدي في جيبي ، أسلم قيادي لرجلي ، أمضغ العلك و أقرأ الوجوه و الإعلانات ، لوحات ترقيم السيارات ، و البيانات الثورية تصيح ملء فيها بخط ممطوط : " نراجع و لا نتراجع " و الشعارات تعد " من أجل مستقبل أفضل " و المسجد الكبير المقبب المقوس يصدح الحمام في أرجائه ، و الأزقة الضيقة في المدينة القديمة تتلوى و تتعرج و تجرني إلى بيت الحكمة ، تتكور خصلة الشعر في حلقي ، أشعر بالقيء فأسحب نفسي إلى المساحات الكبرى ، و أكاد أصيح فيهم :
هل أحد فيكم يعرفني ؟
هل فيكم من يفضحني أنا المتموه أبدا المتخفي وراء سؤالي ؟
و أطلب فنجان قهوة يرتشفني على الرصيف الحافل ثم يسوقني إلى التيه في الكلمات .
أمارس لعبة الغميضة ، أدخل مخدع الهاتف العمومي في رأس الشارع ، أشكل رقما ما ، قد يصيب و قد يخيب .
أتنصت :
-ألو ، مساء الخير .-ألو ، من ؟
صوت معتد بنفسه ، أجش ، مستريب .
وكرر السؤال أمام صمتي :
-ألو ، من أنت ؟
وحدثته في نفسي قبل أن أرد عليه : يا لفداحة سؤالك أيها الرجل ...
-هل أحمد في الدار ؟
-لا أحد عندنا بهذا الاسم .
ويقطع الخط متأففا متنرفزا .
و أصر على التمسك باللعبة ، أشكل رقما آخر كما ألقي حصاة في بركة .
-ألو
-ألو، مساء الخير .
-مساء الخير ، من ؟
صوت به بحة جميلة ، في رنته نعيم و دفء و عافية .
-الحاجة ، كيف حالك ؟
-الحمد لله على هذه الساعة ، ولكن من أنت ياولدي ؟
- هل أحمد في الدار ؟
صوت صبي يبكي ، و صوت ذكوري يسأل عن المتكلم فترد مشيحة : " أحدهم أخطأ الرقم " ثم تعود إلى السماعة :
-ليس عندنا أحمد يبدو أنك أخطأت الرقم .
أنصت من غير تعليق . تضع السماعة ، أشعر بالوضاعة ، تضيع كلماتي ، أخرج يعصب السأم قلبي ، يجيء الغروب يسحقني متثائبا ، يمحقني بطيئا في الشوارع الموحشة يغادرها روادها خفافا ، يرشني على النوافذ المغلقة ، يذروني مع أسراب الطيور الرائحة تمخر هدأة الغسق ، يذرذرني على مصب الشمس .
يصيح على البعد قطار وهران ، أتسمت الثكنة طويلا مديد الرجلين ، تزعجني المقاهي تضع الكراسي فوق الطاولات و تسدل الستائر ، تأخذني المصابيح تغفو بين أغصان أشجار التوت و البلاطان .
آه ، يا شجر البلاطان ما أطولك