المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أتصمت العصافير ؟ - 22-


خليف محفوظ
12/08/2009, 12:09 AM
الإهداء : إلى المبدعة الراقية فايزة شرف الدين التي كان لها الفضل في التنبيه إلى تدارك هذه الأجزاء التي سقطتت من الرواية


وقادتني قدمي إلى المرقد . كنت أعلم أنه لم يعد لنا مكان فيه ، و أننا سنحول – نحن المستبقين - إلى جناح ضباط الصف ، لكن شيئا غامضا في كان يدفعني إليه .

دفعت الباب برجلي كما كان يفعل قائد فصيلتنا و دخلت ، حاصرني المرقد بوحشته وفراغه من الرفاق ، تماما كما حاصرتني مقبرة مرج عيطر حين دخلتها أول مرة أتهجأ شواهدها في جمهور من القبور ، الأسرة عارية من أغطيتها يركب بعضها بعضا ، الخزائن الحديدية خالية من الأقفال , مفتوحة الأبواب تلعب بها الريح المتسربة من النوافذ فتصر صريرا كئيبا ، إذ سلم الرفاق الأغطية إلى المخزن و أخذوا أقفالهم و رحلوا .
وقفت عند سريري فبدا لي نعشا حديديا صدئا يعد لي أينما انتقلت ، كأن خلاصة الأمر في النهاية أن ليس لي في هذا الوجود إلا سرير نعش .
ألقيت نفسي عليه ، تمددت ، سحبت القبعة على عيني ، أسبلت ، أخذتني الغفوة ، غبت ، رأيتني في الحلم أتهيأ لنزول جوي ، كنت مموها بلون التراب ، ملطخا وجهي و أطرافي بالوحل ، فتحت الطيارة جوفها ، ألقيت نفسي و صديقي أحمد يحذرني ألا أفعل لأن المظلة لن تنفتح ، و أبت المظلة أن تنزل بي في الميدان ، طارت بي بعيدا ، حلقت بي فوق المدينة ، لاح لي الناس في الأسفل يتجمهرون و يشرئبون . وهوت بي المظلة في اتجاههم فتفرقوا مذعورين ، و أنا أشير لهم بألا يخافوا ، حطت بي المظلة أمام تمثال الأمير عبد القدر ، جمعت مظلتي ، سويت هيئتي ، علقت رشاشي ثم أديت التحية للأمير ، ولما التفت حولي وجدت الشوارع قد أقفرت من الناس ، كأن الارض ابتلعتهم ، والحوانيت أغلقت ، فرحت أجوب الشارع الرئيسي وحيدا ليس معي إلا ظلي و رغبتي الشديدة في الأكل ، وكانوا خلف نوافذهم يراقبون مساري فآلمني أني أفزعتهم فرحت أحث الخطى مغادرا حتى يزول روعهم أتشمم رائحة الطعام قد يكون هناك مطعم ما مفتوحا ، خرجت إلى طرف المدينة حيث مساحة مسورة ، دخلتها وفي نفسي أسف أليم أن المدينة أساءت فهمي ، في المساحة الخضراء رأيت حشدا من الزرزور متكبكبا تحت شجرة زيتون يرعى حبها المتساقط فقلت في نفسي أفتح النار لعلي أصيب بعضه أسد به جوعي . فتحت زخة نيران من سلاحي ، فرفر الحشد محدثا زغدبا رهيبا ، و سقطت زرزورة وحيدة ، جريت نحوها ، ولما انحنيت أقبض عليها تحولت بين يدي إلى صبية تنزف ، وقفت ذاهلا وقد تحولت المزرعة إلى مقبرة مترامية الأطراف بلا أسوار ، ثم رأيته عملاقا ينتزع مني رشاشي و في عينيه الغضب المارج .
-لقد قتلت ابنتي .
ولم يعطني فرصة كي أشرح له ، فتح النار علي ، و قبل أن أموت رأيته يحمل الصبية و يدخل قبره .
-انهض يا رقيب ، أنهم يبحثون عنك .
فتحت عيني فكان مساعد الكتيبة " عمي عسلي " البئيس ببذلته العسكرية الحائلة و سني الخدمة الطويلة التي نحتت وجهه بالأخاديد و القتامة ، جاء يغلق نوافذ المرقد و أبوابه ليفتحه لدفعة أخرى في فصل آخر .
نهضت مترنحا تحت تأثير ذلكم الكابوس المرعب .
-إلى أين أذهب يا عمي عسلي ؟
- إلى مركز القيادة ، الرائد أرسل يطلبكم أنت و جماعة الرقباء الجدد .
سويت هندامي . و أردف المساعد بلهجة فيها حسرة .
-سيحدد لكم مهامكم ، هذا أول يوم في حياتك العملية يا رقيب ، يجب أن تذكره جيدا ، البارحة فقط كنت مثلك .
و خرجت ، وكانت ريح شمالية تهب هبوبا رخيا .
.................................................. ..........

صرت الرقيب سعد ؟ مدرب الرماية و القتال المتلاحم بالسلاح الأبيض .
و صارت لي غرفة في جناح ضباط الصف ، كما صارت لي أجرة شهرية لا أعرف فيما أبددها ، وملابس مدنية أرتديها مساء بعد نهاية العمل و أخرج إلى المدينة أهيم في الشوارع .
كنت أتخفى في ثيابي المدنية و ألقي بنفسي في أحضان المدينة ، أريد خداعها بأني واحد من تلك الجموع الغفيرة الذاهبة الآيبة المتوزعة في الشوارع كالنمل .
أدس يدي في جيبي ، أسلم قيادي لرجلي ، أمضغ العلك و أقرأ الوجوه و الإعلانات ، لوحات ترقيم السيارات ، و البيانات الثورية تصيح ملء فيها بخط ممطوط : " نراجع و لا نتراجع " و الشعارات تعد " من أجل مستقبل أفضل " و المسجد الكبير المقبب المقوس يصدح الحمام في أرجائه ، و الأزقة الضيقة في المدينة القديمة تتلوى و تتعرج و تجرني إلى بيت الحكمة ، تتكور خصلة الشعر في حلقي ، أشعر بالقيء فأسحب نفسي إلى المساحات الكبرى ، و أكاد أصيح فيهم :
هل أحد فيكم يعرفني ؟
هل فيكم من يفضحني أنا المتموه أبدا المتخفي وراء سؤالي ؟
و أطلب فنجان قهوة يرتشفني على الرصيف الحافل ثم يسوقني إلى التيه في الكلمات .
أمارس لعبة الغميضة ، أدخل مخدع الهاتف العمومي في رأس الشارع ، أشكل رقما ما ، قد يصيب و قد يخيب .
أتنصت :
-ألو ، مساء الخير .-ألو ، من ؟
صوت معتد بنفسه ، أجش ، مستريب .
وكرر السؤال أمام صمتي :
-ألو ، من أنت ؟
وحدثته في نفسي قبل أن أرد عليه : يا لفداحة سؤالك أيها الرجل ...
-هل أحمد في الدار ؟
-لا أحد عندنا بهذا الاسم .
ويقطع الخط متأففا متنرفزا .
و أصر على التمسك باللعبة ، أشكل رقما آخر كما ألقي حصاة في بركة .
-ألو
-ألو، مساء الخير .
-مساء الخير ، من ؟
صوت به بحة جميلة ، في رنته نعيم و دفء و عافية .
-الحاجة ، كيف حالك ؟
-الحمد لله على هذه الساعة ، ولكن من أنت ياولدي ؟
- هل أحمد في الدار ؟
صوت صبي يبكي ، و صوت ذكوري يسأل عن المتكلم فترد مشيحة : " أحدهم أخطأ الرقم " ثم تعود إلى السماعة :
-ليس عندنا أحمد يبدو أنك أخطأت الرقم .
أنصت من غير تعليق . تضع السماعة ، أشعر بالوضاعة ، تضيع كلماتي ، أخرج يعصب السأم قلبي ، يجيء الغروب يسحقني متثائبا ، يمحقني بطيئا في الشوارع الموحشة يغادرها روادها خفافا ، يرشني على النوافذ المغلقة ، يذروني مع أسراب الطيور الرائحة تمخر هدأة الغسق ، يذرذرني على مصب الشمس .
يصيح على البعد قطار وهران ، أتسمت الثكنة طويلا مديد الرجلين ، تزعجني المقاهي تضع الكراسي فوق الطاولات و تسدل الستائر ، تأخذني المصابيح تغفو بين أغصان أشجار التوت و البلاطان .
آه ، يا شجر البلاطان ما أطولك

فايزة شرف الدين
12/08/2009, 01:44 AM
لك جزيل الشكر الأخ الكريم / خليف محفوظ على هذا الإهداء الرقيق
أتذكر أنه مع الفصل العاشر أو الحادي عشر عندما قرأت الرواية لأول مرة .. أن سعد قرر الهروب .. وهذا لم أجده أو لعله سقط سهوا .
على كل ما سقط سهوا كان مهما .. مع ذلك اعتبرت القفز في الأحداث من قبيل الفراغ المتعمد في الرواية .. بحيث يتكهن القاريء ما سكت عنه الكاتب ، وهذا حدث معي بخصوص انتقال نوارة إلي الحي المتواضع وكذا ظهور هدى في حياة البطل .

فايزة شرف الدين
12/08/2009, 01:45 AM
لك جزيل الشكر الأخ الكريم / خليف محفوظ على هذا الإهداء الرقيق
أتذكر أنه مع الفصل العاشر أو الحادي عشر عندما قرأت الرواية لأول مرة .. أن سعد قرر الهروب .. وهذا لم أجده أو لعله سقط سهوا .
على كل ما سقط سهوا كان مهما .. مع ذلك اعتبرت القفز في الأحداث من قبيل الفراغ المتعمد في الرواية .. بحيث يتكهن القاريء ما سكت عنه الكاتب ، وهذا حدث معي بخصوص انتقال نوارة إلي الحي المتواضع وكذا ظهور هدى في حياة البطل .

ناهدة حجازي
01/10/2010, 10:11 PM
..
..


من جديد اتابع الأجزاء

وأحيي الكاتب


..
..