عبد الرشيد حاجب
11/28/2008, 07:04 AM
السيد المفتش
دار حول نفسه في المرآة..داعب شاربه القصير المشذب بعناية ..ابتسم مداعبا أناقته..ثم ازدادت ابتسامته
تفتحا وهو يقف جنب سرير طفله الغارق في نومه الملائكي..
ثلاث سنوات بالتمام والكمال يا حبيبي ..وأنت تسخر منهم يوما بعد يوم ..خداك الموردان ، وجسدك
الريان ..وحيويتك العظيمة..كل شيء فيك يتحدى علومهم البائسة..ومآزرهم البيضاء كالأكفان..
ــــ ألم تقل إن لك اجتماعا هاما يا رجل ؟
انتفض على همس زوجته وراءه ..أرسل قبلة في الهواء لطفله المدلل ..وغادر غرفة النوم إلى الصالة حيث
محفظته في درج خاص بالمكتبة الخشبية الفاخرة التي كلفته تقتير سنوات ..
حمل المحفظة في يد ومرر اليد الأخرى على جلد المقاعد(صوفا)
الوثيرة التي أتى بها أمس فقط وكلفته بدورها تضحيات جسام..ومرت بخياله في سرعة منعشة صورة
الضيوف الذين سوف يملئون المكان هذا المساء وهم يقدمون الهدايا ..ويداعبون وحيده الحبيب في عيد
ميلاده الثالث وهم مستلقون
على المقاعد الجلدية الوثيرة تدغدغ بذاختها أجسادهم ..فتتسلل مشاعر الألفة والمحبة إلى قلوبهم فتتحول
المناسبة إلى عرس حقيقي.
ــــ أما زلت هنا يا رجل ؟
ينتزع يده التي غاصت مستكينة في طراوة طرف المقعد بصعوبة ..يبتسم بزهو ..ينظر إلى شريكة العمر
بحنان زائد فاض عن حده ربما للمرة الأولى..ويغادر البيت.وهو يردد :
ــــ المهم أن يكون كل شيء جاهزا عند عودتي .
الأب في طريقه إلى الاجتماع ، والأم في المطبخ ، وطارق يتململ في سريره وينادي على الماما.تسارع إليه.
تغير ملابسه.تقدم له فطوره.تقف متأملة . يا له من طفل جميل !
اليوم عيد مولده ،وقبل ثلاث سنوات ، يوم ولدته بعد سبع سنين من الطواف هي و زوجها بالأطباء،لم تصدق
أنه سيعيش، وأنه سيكون بكل هذه الصحة وهذا النشاط. ولد ضئيل الجسم ، شبه ميت ،حتى لقد تمنت
الموت لتسبقه فلا تعاني بعد كل الذي عانت.يا الله !ما أغرب الحياة !
تنبهت على رائحة الحلويات تدغدغ أنفها بقوة ، فسارعت إلى المطبخ تكمل ما بدأت ،تاركة طارق كعادتها
يقود جيوش أندلسه من اللعب ،ينقلها ويطاردها هنا وهناك من غرفة إلى أخرى.
وأمام جيش من المعلمين كان السيد المفتش ، أبو طارق ، يقود جنوده ، مزهوا فوق عادته ، حريصا على
أن يطبقوا تعليماته بحذافيرها.
ــــ قلت وكررت أن العقاب الجسدي ممنوع ( قال بصدد الشكاوي التي بلغته عن بعض المعلمين )
هناك طرق كثيرة سبق وأن ناقشناها ، والذين لجئوا إلى العقاب الجسدي سينالون عقابهم.
ثم أضاف بعد صمت تعمد أن يمدده كزعماء الأمة:
ــــ هؤلاء أطفالنا وفلذات أكبادنا فلا بد من الرفق بهم مهما فعلوا، فهم في نهاية المطاف مجرد
أطفال في حاجة لرعايتنا.
تذكر عيد ابنه طارق ، وكيف أن الاجتماع طال ، فسارع يختم كل ذلك بقوله:
ـــــ وهذه هي مهمتنا كمربين أيها الإخوة الكرام.
أما مهمة أم طارق في المطبخ ، فلم تكن هينة وهي تتفنن في تزويق الحلويات أشكالا وألوانا.لكنها مع ذلك
كانت تشعر
بفرحة غامرة ، لا تعادلها سوى فرحة طارق وهو في الصالة أمام المقاعد الجلدية ، ينثر أحشاءها بقطعة
زجاج سقطت من إحدى سياراته البلاستيكية.
في البداية كان الأمر مجرد صدفة حين خدشت سيارته المكسرة أحد المقاعد.وقف يتأملها ويتأمل المقاعد
الضخمة التي ملأت الصالة وسرقت مساحة لعبه.مرر السيارة على المقعد المخدوش بقوة.زادت الخدوش
فبدت له كالرسوم.تساقط
زجاج السيارة حمل قطعة وواصل الحفر في الجسد اللين الطري.
وقف السيد المفتش عند باب الصالة مدهوشا مشدوها لا يكاد يصدق عينيه.كانت المقاعد قد بقرت بطونها
وأحشاؤها تملأ أرضية الصالة. وطارق جذلان بفتوحاته الجديدة ينظر إليه بعينين ضاحكتين:
ــــ أنظر يا بابا ماذا وجدت!
ينظر؟ والظلمة حوله قد ابتلعت كل شيء .تلفت حوله كالمجنون.لمعت المسطرة الحديدية التي ظل يحتفظ
بها كذكرى المعلم الذي كانه يوما . هي أمامه في أحد أدراج المكتبة.أمسكها وانقض على الطفل يضرب
يديه بكل ما أوتي من قوة.يضرب اليدين الصغيرتين.يضرب غضبه الكبير.ويضرب كل الدنيا.اختلط صراخه
بصراخ الطفل بعواء الأم التي جاءت من المطبخ تتعثر في حيرتها.لم يعد يرى شيئا سوى المسطرة الحديدية
تتحرك صعودا ونزولا كما لو كانت في يد قائد اوركسترا في قمة الحماس.ألقت الزوجة بنفسها على جسد
وحيدها تتلقى عنه الضربات في عواء جريح.ثم فجأة ساد الصمت إلا من حشرجات طارق.
في المستشفى كان الصمت أثقل .والوقت يمر ثقيلا ككرة من رصاص تتدحرج في مكانها.فوق القلب.
وهو يكره الأطباء ومآزرهم البيضاء اللعينة .يكره وجوههم البلاستيكية وابتساماتهم الشحيحة التي لا تدل
على شيء.وها هو أحدهم يقف أمامه يشرح له حالة وحيده .يتكلم ببرودة أعصاب وبلغة نصفها أجنبي وكأن
الأمر لا يعنيه.أصغى إليه قليلا وهو يتململ في مكانه ثم قاطعه فجأة:
ـــــ يعني أصبحت أبا المقفع ؟! أنا أبو المقفع ؟!
وضحك ضحكة مزقت سكون المستشفى.ضحكة اختلط فيها النحيب بالعواء ..ثم ساد السكون يخترقه خرير
آهات أم تحتضن بين راحتيها يدي طفل سكنهما الشلل.
(قالوا: ولا يزال يدور في شوارع المدينة يضحك ضحكته تلك.)
.
.
.الجزائر 27-11-2008 (livecall:27-11-2008)
دار حول نفسه في المرآة..داعب شاربه القصير المشذب بعناية ..ابتسم مداعبا أناقته..ثم ازدادت ابتسامته
تفتحا وهو يقف جنب سرير طفله الغارق في نومه الملائكي..
ثلاث سنوات بالتمام والكمال يا حبيبي ..وأنت تسخر منهم يوما بعد يوم ..خداك الموردان ، وجسدك
الريان ..وحيويتك العظيمة..كل شيء فيك يتحدى علومهم البائسة..ومآزرهم البيضاء كالأكفان..
ــــ ألم تقل إن لك اجتماعا هاما يا رجل ؟
انتفض على همس زوجته وراءه ..أرسل قبلة في الهواء لطفله المدلل ..وغادر غرفة النوم إلى الصالة حيث
محفظته في درج خاص بالمكتبة الخشبية الفاخرة التي كلفته تقتير سنوات ..
حمل المحفظة في يد ومرر اليد الأخرى على جلد المقاعد(صوفا)
الوثيرة التي أتى بها أمس فقط وكلفته بدورها تضحيات جسام..ومرت بخياله في سرعة منعشة صورة
الضيوف الذين سوف يملئون المكان هذا المساء وهم يقدمون الهدايا ..ويداعبون وحيده الحبيب في عيد
ميلاده الثالث وهم مستلقون
على المقاعد الجلدية الوثيرة تدغدغ بذاختها أجسادهم ..فتتسلل مشاعر الألفة والمحبة إلى قلوبهم فتتحول
المناسبة إلى عرس حقيقي.
ــــ أما زلت هنا يا رجل ؟
ينتزع يده التي غاصت مستكينة في طراوة طرف المقعد بصعوبة ..يبتسم بزهو ..ينظر إلى شريكة العمر
بحنان زائد فاض عن حده ربما للمرة الأولى..ويغادر البيت.وهو يردد :
ــــ المهم أن يكون كل شيء جاهزا عند عودتي .
الأب في طريقه إلى الاجتماع ، والأم في المطبخ ، وطارق يتململ في سريره وينادي على الماما.تسارع إليه.
تغير ملابسه.تقدم له فطوره.تقف متأملة . يا له من طفل جميل !
اليوم عيد مولده ،وقبل ثلاث سنوات ، يوم ولدته بعد سبع سنين من الطواف هي و زوجها بالأطباء،لم تصدق
أنه سيعيش، وأنه سيكون بكل هذه الصحة وهذا النشاط. ولد ضئيل الجسم ، شبه ميت ،حتى لقد تمنت
الموت لتسبقه فلا تعاني بعد كل الذي عانت.يا الله !ما أغرب الحياة !
تنبهت على رائحة الحلويات تدغدغ أنفها بقوة ، فسارعت إلى المطبخ تكمل ما بدأت ،تاركة طارق كعادتها
يقود جيوش أندلسه من اللعب ،ينقلها ويطاردها هنا وهناك من غرفة إلى أخرى.
وأمام جيش من المعلمين كان السيد المفتش ، أبو طارق ، يقود جنوده ، مزهوا فوق عادته ، حريصا على
أن يطبقوا تعليماته بحذافيرها.
ــــ قلت وكررت أن العقاب الجسدي ممنوع ( قال بصدد الشكاوي التي بلغته عن بعض المعلمين )
هناك طرق كثيرة سبق وأن ناقشناها ، والذين لجئوا إلى العقاب الجسدي سينالون عقابهم.
ثم أضاف بعد صمت تعمد أن يمدده كزعماء الأمة:
ــــ هؤلاء أطفالنا وفلذات أكبادنا فلا بد من الرفق بهم مهما فعلوا، فهم في نهاية المطاف مجرد
أطفال في حاجة لرعايتنا.
تذكر عيد ابنه طارق ، وكيف أن الاجتماع طال ، فسارع يختم كل ذلك بقوله:
ـــــ وهذه هي مهمتنا كمربين أيها الإخوة الكرام.
أما مهمة أم طارق في المطبخ ، فلم تكن هينة وهي تتفنن في تزويق الحلويات أشكالا وألوانا.لكنها مع ذلك
كانت تشعر
بفرحة غامرة ، لا تعادلها سوى فرحة طارق وهو في الصالة أمام المقاعد الجلدية ، ينثر أحشاءها بقطعة
زجاج سقطت من إحدى سياراته البلاستيكية.
في البداية كان الأمر مجرد صدفة حين خدشت سيارته المكسرة أحد المقاعد.وقف يتأملها ويتأمل المقاعد
الضخمة التي ملأت الصالة وسرقت مساحة لعبه.مرر السيارة على المقعد المخدوش بقوة.زادت الخدوش
فبدت له كالرسوم.تساقط
زجاج السيارة حمل قطعة وواصل الحفر في الجسد اللين الطري.
وقف السيد المفتش عند باب الصالة مدهوشا مشدوها لا يكاد يصدق عينيه.كانت المقاعد قد بقرت بطونها
وأحشاؤها تملأ أرضية الصالة. وطارق جذلان بفتوحاته الجديدة ينظر إليه بعينين ضاحكتين:
ــــ أنظر يا بابا ماذا وجدت!
ينظر؟ والظلمة حوله قد ابتلعت كل شيء .تلفت حوله كالمجنون.لمعت المسطرة الحديدية التي ظل يحتفظ
بها كذكرى المعلم الذي كانه يوما . هي أمامه في أحد أدراج المكتبة.أمسكها وانقض على الطفل يضرب
يديه بكل ما أوتي من قوة.يضرب اليدين الصغيرتين.يضرب غضبه الكبير.ويضرب كل الدنيا.اختلط صراخه
بصراخ الطفل بعواء الأم التي جاءت من المطبخ تتعثر في حيرتها.لم يعد يرى شيئا سوى المسطرة الحديدية
تتحرك صعودا ونزولا كما لو كانت في يد قائد اوركسترا في قمة الحماس.ألقت الزوجة بنفسها على جسد
وحيدها تتلقى عنه الضربات في عواء جريح.ثم فجأة ساد الصمت إلا من حشرجات طارق.
في المستشفى كان الصمت أثقل .والوقت يمر ثقيلا ككرة من رصاص تتدحرج في مكانها.فوق القلب.
وهو يكره الأطباء ومآزرهم البيضاء اللعينة .يكره وجوههم البلاستيكية وابتساماتهم الشحيحة التي لا تدل
على شيء.وها هو أحدهم يقف أمامه يشرح له حالة وحيده .يتكلم ببرودة أعصاب وبلغة نصفها أجنبي وكأن
الأمر لا يعنيه.أصغى إليه قليلا وهو يتململ في مكانه ثم قاطعه فجأة:
ـــــ يعني أصبحت أبا المقفع ؟! أنا أبو المقفع ؟!
وضحك ضحكة مزقت سكون المستشفى.ضحكة اختلط فيها النحيب بالعواء ..ثم ساد السكون يخترقه خرير
آهات أم تحتضن بين راحتيها يدي طفل سكنهما الشلل.
(قالوا: ولا يزال يدور في شوارع المدينة يضحك ضحكته تلك.)
.
.
.الجزائر 27-11-2008 (livecall:27-11-2008)