محسن رشاد ابو بكر
11/30/2008, 04:31 AM
القنـــــاع
هناك ، في نهاية حارة سندوك السد ، في بيتٍ متهالك تكاد جدرانه تئن من فرط شيخوختها ، يعيش "سيد زبالة" مع والدته الأرملة ذات الشعر الأصفر والعيون الزرقاء .. تجاوز عمرها الخمسين ، لكنها لازالت جميلة وشقية ، تبحث عن المتعة خلسةً ، ولا تهتم كثيرا بما يمكن أن تدفعه أو يُدفع لها كي تغتنم سويعاتٍ تُشعِرها أنها لا زالت "بسبوسة" ، كما كانوا يحبون أن ينادونها.
اعتادت "بسبوسة" تلبية هاتف أنوثتها في الصباح ، بعد أن تكون قد أعدت الفطور لسيد ليتناوله ثم يحمل مقطفه الجلد الأسود والمقشة (المكنسة) الميري العهدة التي استلمها من هيئة النظافة والتجميل ، مع تلك العفريتة (البزة) الزرقاء التي يرتديها قبل أن يتوجه إلى مقر عمله .. يُوقِّع في دفتر الحضور ، ثم يركب سيارة جمع القمامة مع السائق وزميل آخر له ، يجوبون شوارع الحي لجمع القمامة ثم إلقائها في المقلب العمومي.
لم تكن ظروف "بسبوسة" المادية جيدة .. فبعد أن مات زوجها في واحدة من المشاجرات التي كثيراً ما تنشب بين الجزارين بالمذبح ، اضطرت إلى إخراج "سيد" من المدرسة ، وتوسطت له حتى تم تعيينه كعامل جمع قمامة ... لم يرث عن فترة تواجده بالمدرسة ، فقط ، سوى قدرته على كتابة اسمه ثلاثياً ، إضافةً إلى بعض عمليات الجمع والطرح البسيطة.
في كشف الحضور والانصراف ، واستمارة الراتب ، يكتب اسمه ثلاثياً أول كل شهر "سيد أحمد محمد"
إجمالي دخل "سيد" لا يقف عند حد الثمانية والستون جنيهاً ، ولكنه قد يتجاوز المائة جنيه في بعض الشهور بعد قبض الحوافز التي يتم صرفها في منتصف الشهر ، ولكنه ، في تلك المرة ، يقبض دون أن يوقِّع اسمه حيث تكون الحوافز كلها في كشفٍ واحد يقوم بإعداده واعتماده للصرف رئيس القسم التابع له ، ويرى "سيد" ذلك حسناً ، حيث أن رئيس القسم يعفيه من عناء التوقيع في الكشف.
وعلى الرغم من ارتباطات " بسبوسة" الكثيرة .. صباحاً في عملها غير المعلن ، ومساء في كشك السجائر الذي أخذته منحة من المحافظة بواسطة أحد موظفي الحي الذين تعرفهم جيدا .. على الرغم من كل ذلك ، إلا أنها تغمر "سيد" بحنانها وتفكر كثيراً في شؤونه ، وتحاول دائما التقرب إليه لإخراجه من عزلته .... حاولت كثيراً أن تخلق له علاقات مع أصدقاء وأقارب والده من الجزارين ، لكنه كان يكرههم ، فبمجرد مروره بجوار المذبح ، حيث كان يقضي والده الجزء الأكبر من وقته ، يشعر بالغثيان ، فهو يكره تلك الرائحة النفاذة من ذلك المكان ، ويعتقد أنه قد توافيه المنية خلف أسواره ، مثل أبيه .... إن لم يكن على أيدي واحدٍ من الجزارين ، كما قُتِل والده ، فسيكون حتماً نتيجة الاختناق من تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من المذبح.
لم يكن لسيد ملاذ من تلك الدنيا القاهرة حوله ، سوى حنان أمه ، ولكن ذلك لم يكن ليشفي غليل الرجولة التي تسري في عروقه .. فيعيش في وحدة وعزلة لأيام وأسابيع ... لم يستطع أن يكون صداقة واحدة مع أيٍ من زملائه بالعمل أو حتى جيرانه بالحارة التي تربى فيها ، فالكل مشغول عنه بشئٍ ما .. يجهله سيد.
مرات قليلة تلك التي غامر فيها سيد بالذهاب هنا أو هناك بعيدا عن حارة سندوك أو سيارة جمع القمامة التي يقضي فيها أكثر من نصف وقته ، ولكنه في تلك المرة قادته مغامرته بالتمشية قليلا خلف مقر عمله ، إلى محل بقالة "عم فاخر تادرس" ، وتعرف عليه ونشأت بينهما علاقة صداقة يتخللها ، من حين لآخر ، مشاعر متبادلة بأبوة وبنوة يفتقدها الاثنان .. ولكنها ظلت فاترة لسبب ما.
كان "العم فاخر" رجلا طيبا ، لم يتزوج ، ليس له أقارب يزورونه ، يعيش بمفرده في غرفة صغيرة بجوار دكانه الصغير ، ولأنه كان يرى أن زماننا ذلك ليس له أمان فقد أقنع "سيد" بضرورة أن يدخر جزءا من راتبه ليتمكن في يوم ما من إكمال نصف دينه والزواج من فتاة طيبة.
امتثل "سيد" لنصيحة "العم فاخر" ، وأضحى يمر عليه بداية كل شهر ، بعد استلام الراتب مباشرة ، يعطيه عشرة جنيهات من راتبه ليستثمرها له فى بعض أنواع البقالة .. ليس ذلك فحسب ولكنه أيضا بدأ يعمل معه فترة المساء بعد أن عرف أسعار البضاعة ... ومع الوقت بدأ "العم فاخر" يعتمد عليه ويتركه بمفرده في المحل ، حينما يذهب إلى الكنيسة كل أحد ، وعلى الرغم من قلة حركة البيع في تلك الأوقات وعلى الرغم من تأخر "العم فاخر" كثيرا ، إلا أن "سيد" لم يكن يمل الجلوس في الدكان بصحبة "التلفاز" ، بقنواته المتعددة والفضائيات التى تذيع أخبار العالم شمالا وجنوبا ..
انتابت "سيد" حالة هيستيرية حينما رأى ذلك الفيلم التسجيلى الذى أذاعته إحدى القنوات عن احتمالات استخدام الغازات السامة فى حرب الخليج ، وكيفية الوقاية منها ، وبات ليلتها بعينين صاغرتين ، لم يذق طعم النوم من هول ما سمعه عن آثار الغازات السامة واسعة المدى على البشر وعن استعدادات الدول المجاورة المحتمل تعرضها لمثل هذا الهجوم.
لم يصدق أن ما ادخره مع "العم فاخر" قد تجاوز الخمسمائة جنيه ، وبدأ يرى فى خيالاته حياته القادمة مع زوجته وأولاده وبناته ، ولكنه أيضاً أحس أن كل هذه الأحلام قد تذهب هباءً نتيجة الحروب والغازات السامة ، فبدأ يفكر فى الوقاية من تلك الغازات السامة ، وتحدث كثيرا مع "العم فاخر" عن تلك الحروب والغازات السامة ، واستشاره في رغبته لشراء قناعٍ واقٍ من الغازات السامة.
لم يستطع "العم فاخر" إقناعه بعدم جدوى التفكير فى تلك المسائل والغازات السامة ، وأكد له أن أمريكا لن تقدم أبداً على ضرب العراق ولن تكون هناك حرب ، ولكن كل كلام العم فاخر لم يؤت ثماره مع "سيد" الذي فارقت عيناه النوم لليالٍ متعددة نتيجة هستيريا الخوف التي انتابته من إمكانية الهجوم على بلاده بالغازات السامة ، وعزم على شراء قناع للوقاية من الغازات السامة بأي طريقة وبأقصى سرعة.
أخذ كل ما ادخره مع "العم فاخر" وجاب الشوارع يبحث عمن يبتاعه قناعاً واقياً من الغازات السامة .. زلج إلى كل الأماكن .. بمحلات الأجهزة الكهربائية والصيدليات ، لم يجده ، حتى في السوبر ماركت والمستشفيات لم يعثر عليه.
عزف "سيد" عن كل شئ ، حتى "العم فاخر" ، ووالدته ، وعمله الذي غاب عنه أسبوعا كاملا قضاه باحثاً عن القناع الواقي من الغازات السامة فى كل مكان ولم يجده ، إلى أن قابل جاره "الأسطى على الحبشي" الإسكافي ، الذى أقنعه بقدرته على تصنيع ذلك القناع خلال يومين وبتكلفة لا تتجاوز المائتي جنيه.
ولما هاجت شوارع القاهرة لضرب العراق ، وعرف "سيد" أن الحرب بدأت تلقي بظلالها على كل شئ حوله ، هرول مسرعاً ليستلم القناع من الأسطى "على" الذي كان قد انتهى من تصنيعه بالفعل ، أعطاه النقود بعد أن سلمه القناع وأخبره بأسماء الغازات السامة التى سيحميه من شرها ، وأخبره أيضاً بأنه مضاد للمياه .. وقال أيضاً ...
يمكنك ارتدائه في الصباح والمساء ، مع مراعاة ..
ضرورة رش عطر على واجهته صباح كل يوم .. والدخول
بالقدم اليمنى لأي مكان تزلج إليه وأنت مرتدٍ للقناع ..
ولا تنسَ أن أول مرة لارتدائه يجب أن تكون بمفردك ، ويستحسن
أن يكون ذلك في أحد البيوت المهجورة ، في ظلمة حالكة
لا تستطيع فيها أن تميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود ..
أما في حالة قررت أن ترتديه وأنت نائمٌ ، فاحذر
أن يدخل عليك أحد ، حتى ولو كانت أمك التي ولدتك.
نفذ "سيد" كل تعليمات التشغيل بدقة متناهية .. ولم يكن غريباً أن يداوم على ارتداء القناع ليل نهار ، ولم يكن غريبا أبداً أن تختفي "بسبوسة" في ظروف غامضة .. البعض قال إنها هربت مع واحد من عشاقها ، والبعض الاخر قال إنها لا زالت حية داخل البيت ، لكنها لا تبرحه بأمرٍ منه ... ولم يكن غريباً أيضا أن كل أهالي الحي قد اعتادوا على هيئة "سيد" الجديدة مرتدياً للقناع ، ولكن الغريب أنهم قد باركوه .. وأيضا .. بعد فترة ليست طويلة .. تبرّكوا به.
تتمــــة :
الصابـرة في أغسطس 2122 ميلادية :
بجوار سور المدرسة الابتدائية المتهدم قليلا ، تحت ظل شجرة عتيقة ، يقرفص الفتى محمود ، بجوار والده بائع البطاطا ، يحكي له بعضاً من كرامات "الشيخ سيد المُقنَّع" ، التي ، جاوزت القطر برمته إلى سائر بلاد المسلمين ، فأتاه الرجال والنساء والأطفال من كل صوب وحدب ... يسألونه الشفاء والصلاح والفلاح فى الدنيا والآخرة ، فقد أبرأ الأمراض ، وكشف عن خبايا الأعراض ، وأعاد البصر للأعمى ، وصنع الكثير من المعجزات ، وكان كل ذلك يصير سهلاً بتمليسة واحدة على طرف قناعه المُعطَّر.
تمت
أبو بكـر
هناك ، في نهاية حارة سندوك السد ، في بيتٍ متهالك تكاد جدرانه تئن من فرط شيخوختها ، يعيش "سيد زبالة" مع والدته الأرملة ذات الشعر الأصفر والعيون الزرقاء .. تجاوز عمرها الخمسين ، لكنها لازالت جميلة وشقية ، تبحث عن المتعة خلسةً ، ولا تهتم كثيرا بما يمكن أن تدفعه أو يُدفع لها كي تغتنم سويعاتٍ تُشعِرها أنها لا زالت "بسبوسة" ، كما كانوا يحبون أن ينادونها.
اعتادت "بسبوسة" تلبية هاتف أنوثتها في الصباح ، بعد أن تكون قد أعدت الفطور لسيد ليتناوله ثم يحمل مقطفه الجلد الأسود والمقشة (المكنسة) الميري العهدة التي استلمها من هيئة النظافة والتجميل ، مع تلك العفريتة (البزة) الزرقاء التي يرتديها قبل أن يتوجه إلى مقر عمله .. يُوقِّع في دفتر الحضور ، ثم يركب سيارة جمع القمامة مع السائق وزميل آخر له ، يجوبون شوارع الحي لجمع القمامة ثم إلقائها في المقلب العمومي.
لم تكن ظروف "بسبوسة" المادية جيدة .. فبعد أن مات زوجها في واحدة من المشاجرات التي كثيراً ما تنشب بين الجزارين بالمذبح ، اضطرت إلى إخراج "سيد" من المدرسة ، وتوسطت له حتى تم تعيينه كعامل جمع قمامة ... لم يرث عن فترة تواجده بالمدرسة ، فقط ، سوى قدرته على كتابة اسمه ثلاثياً ، إضافةً إلى بعض عمليات الجمع والطرح البسيطة.
في كشف الحضور والانصراف ، واستمارة الراتب ، يكتب اسمه ثلاثياً أول كل شهر "سيد أحمد محمد"
إجمالي دخل "سيد" لا يقف عند حد الثمانية والستون جنيهاً ، ولكنه قد يتجاوز المائة جنيه في بعض الشهور بعد قبض الحوافز التي يتم صرفها في منتصف الشهر ، ولكنه ، في تلك المرة ، يقبض دون أن يوقِّع اسمه حيث تكون الحوافز كلها في كشفٍ واحد يقوم بإعداده واعتماده للصرف رئيس القسم التابع له ، ويرى "سيد" ذلك حسناً ، حيث أن رئيس القسم يعفيه من عناء التوقيع في الكشف.
وعلى الرغم من ارتباطات " بسبوسة" الكثيرة .. صباحاً في عملها غير المعلن ، ومساء في كشك السجائر الذي أخذته منحة من المحافظة بواسطة أحد موظفي الحي الذين تعرفهم جيدا .. على الرغم من كل ذلك ، إلا أنها تغمر "سيد" بحنانها وتفكر كثيراً في شؤونه ، وتحاول دائما التقرب إليه لإخراجه من عزلته .... حاولت كثيراً أن تخلق له علاقات مع أصدقاء وأقارب والده من الجزارين ، لكنه كان يكرههم ، فبمجرد مروره بجوار المذبح ، حيث كان يقضي والده الجزء الأكبر من وقته ، يشعر بالغثيان ، فهو يكره تلك الرائحة النفاذة من ذلك المكان ، ويعتقد أنه قد توافيه المنية خلف أسواره ، مثل أبيه .... إن لم يكن على أيدي واحدٍ من الجزارين ، كما قُتِل والده ، فسيكون حتماً نتيجة الاختناق من تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من المذبح.
لم يكن لسيد ملاذ من تلك الدنيا القاهرة حوله ، سوى حنان أمه ، ولكن ذلك لم يكن ليشفي غليل الرجولة التي تسري في عروقه .. فيعيش في وحدة وعزلة لأيام وأسابيع ... لم يستطع أن يكون صداقة واحدة مع أيٍ من زملائه بالعمل أو حتى جيرانه بالحارة التي تربى فيها ، فالكل مشغول عنه بشئٍ ما .. يجهله سيد.
مرات قليلة تلك التي غامر فيها سيد بالذهاب هنا أو هناك بعيدا عن حارة سندوك أو سيارة جمع القمامة التي يقضي فيها أكثر من نصف وقته ، ولكنه في تلك المرة قادته مغامرته بالتمشية قليلا خلف مقر عمله ، إلى محل بقالة "عم فاخر تادرس" ، وتعرف عليه ونشأت بينهما علاقة صداقة يتخللها ، من حين لآخر ، مشاعر متبادلة بأبوة وبنوة يفتقدها الاثنان .. ولكنها ظلت فاترة لسبب ما.
كان "العم فاخر" رجلا طيبا ، لم يتزوج ، ليس له أقارب يزورونه ، يعيش بمفرده في غرفة صغيرة بجوار دكانه الصغير ، ولأنه كان يرى أن زماننا ذلك ليس له أمان فقد أقنع "سيد" بضرورة أن يدخر جزءا من راتبه ليتمكن في يوم ما من إكمال نصف دينه والزواج من فتاة طيبة.
امتثل "سيد" لنصيحة "العم فاخر" ، وأضحى يمر عليه بداية كل شهر ، بعد استلام الراتب مباشرة ، يعطيه عشرة جنيهات من راتبه ليستثمرها له فى بعض أنواع البقالة .. ليس ذلك فحسب ولكنه أيضا بدأ يعمل معه فترة المساء بعد أن عرف أسعار البضاعة ... ومع الوقت بدأ "العم فاخر" يعتمد عليه ويتركه بمفرده في المحل ، حينما يذهب إلى الكنيسة كل أحد ، وعلى الرغم من قلة حركة البيع في تلك الأوقات وعلى الرغم من تأخر "العم فاخر" كثيرا ، إلا أن "سيد" لم يكن يمل الجلوس في الدكان بصحبة "التلفاز" ، بقنواته المتعددة والفضائيات التى تذيع أخبار العالم شمالا وجنوبا ..
انتابت "سيد" حالة هيستيرية حينما رأى ذلك الفيلم التسجيلى الذى أذاعته إحدى القنوات عن احتمالات استخدام الغازات السامة فى حرب الخليج ، وكيفية الوقاية منها ، وبات ليلتها بعينين صاغرتين ، لم يذق طعم النوم من هول ما سمعه عن آثار الغازات السامة واسعة المدى على البشر وعن استعدادات الدول المجاورة المحتمل تعرضها لمثل هذا الهجوم.
لم يصدق أن ما ادخره مع "العم فاخر" قد تجاوز الخمسمائة جنيه ، وبدأ يرى فى خيالاته حياته القادمة مع زوجته وأولاده وبناته ، ولكنه أيضاً أحس أن كل هذه الأحلام قد تذهب هباءً نتيجة الحروب والغازات السامة ، فبدأ يفكر فى الوقاية من تلك الغازات السامة ، وتحدث كثيرا مع "العم فاخر" عن تلك الحروب والغازات السامة ، واستشاره في رغبته لشراء قناعٍ واقٍ من الغازات السامة.
لم يستطع "العم فاخر" إقناعه بعدم جدوى التفكير فى تلك المسائل والغازات السامة ، وأكد له أن أمريكا لن تقدم أبداً على ضرب العراق ولن تكون هناك حرب ، ولكن كل كلام العم فاخر لم يؤت ثماره مع "سيد" الذي فارقت عيناه النوم لليالٍ متعددة نتيجة هستيريا الخوف التي انتابته من إمكانية الهجوم على بلاده بالغازات السامة ، وعزم على شراء قناع للوقاية من الغازات السامة بأي طريقة وبأقصى سرعة.
أخذ كل ما ادخره مع "العم فاخر" وجاب الشوارع يبحث عمن يبتاعه قناعاً واقياً من الغازات السامة .. زلج إلى كل الأماكن .. بمحلات الأجهزة الكهربائية والصيدليات ، لم يجده ، حتى في السوبر ماركت والمستشفيات لم يعثر عليه.
عزف "سيد" عن كل شئ ، حتى "العم فاخر" ، ووالدته ، وعمله الذي غاب عنه أسبوعا كاملا قضاه باحثاً عن القناع الواقي من الغازات السامة فى كل مكان ولم يجده ، إلى أن قابل جاره "الأسطى على الحبشي" الإسكافي ، الذى أقنعه بقدرته على تصنيع ذلك القناع خلال يومين وبتكلفة لا تتجاوز المائتي جنيه.
ولما هاجت شوارع القاهرة لضرب العراق ، وعرف "سيد" أن الحرب بدأت تلقي بظلالها على كل شئ حوله ، هرول مسرعاً ليستلم القناع من الأسطى "على" الذي كان قد انتهى من تصنيعه بالفعل ، أعطاه النقود بعد أن سلمه القناع وأخبره بأسماء الغازات السامة التى سيحميه من شرها ، وأخبره أيضاً بأنه مضاد للمياه .. وقال أيضاً ...
يمكنك ارتدائه في الصباح والمساء ، مع مراعاة ..
ضرورة رش عطر على واجهته صباح كل يوم .. والدخول
بالقدم اليمنى لأي مكان تزلج إليه وأنت مرتدٍ للقناع ..
ولا تنسَ أن أول مرة لارتدائه يجب أن تكون بمفردك ، ويستحسن
أن يكون ذلك في أحد البيوت المهجورة ، في ظلمة حالكة
لا تستطيع فيها أن تميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود ..
أما في حالة قررت أن ترتديه وأنت نائمٌ ، فاحذر
أن يدخل عليك أحد ، حتى ولو كانت أمك التي ولدتك.
نفذ "سيد" كل تعليمات التشغيل بدقة متناهية .. ولم يكن غريباً أن يداوم على ارتداء القناع ليل نهار ، ولم يكن غريبا أبداً أن تختفي "بسبوسة" في ظروف غامضة .. البعض قال إنها هربت مع واحد من عشاقها ، والبعض الاخر قال إنها لا زالت حية داخل البيت ، لكنها لا تبرحه بأمرٍ منه ... ولم يكن غريباً أيضا أن كل أهالي الحي قد اعتادوا على هيئة "سيد" الجديدة مرتدياً للقناع ، ولكن الغريب أنهم قد باركوه .. وأيضا .. بعد فترة ليست طويلة .. تبرّكوا به.
تتمــــة :
الصابـرة في أغسطس 2122 ميلادية :
بجوار سور المدرسة الابتدائية المتهدم قليلا ، تحت ظل شجرة عتيقة ، يقرفص الفتى محمود ، بجوار والده بائع البطاطا ، يحكي له بعضاً من كرامات "الشيخ سيد المُقنَّع" ، التي ، جاوزت القطر برمته إلى سائر بلاد المسلمين ، فأتاه الرجال والنساء والأطفال من كل صوب وحدب ... يسألونه الشفاء والصلاح والفلاح فى الدنيا والآخرة ، فقد أبرأ الأمراض ، وكشف عن خبايا الأعراض ، وأعاد البصر للأعمى ، وصنع الكثير من المعجزات ، وكان كل ذلك يصير سهلاً بتمليسة واحدة على طرف قناعه المُعطَّر.
تمت
أبو بكـر