المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : آراء في القصة القصيرة جدا.


عبد الرشيد حاجب
12/01/2008, 08:05 AM
مفهوم سريع للقصة القصيرة جدا


القصة القصيرة جدا بدعة فنية في إطار فن القصة. و أقول بدعة لأنها شيء مستحدث . و إن كان البعض يحاول أن يجد لها مسوغا للوجود في العصر الحاضر و متطلباته : من سرعة و ضيق للوقت و كثرة الهموم اليومية التي تصرف الإنسان عن مطالعة النصوص الطويلة .... و يحاول البعض الآخر أن يبحث عن جذورها في التراث العربي سواء منه المعاصر أو القديم . بغية إثبات شرعيتها في الوجود . تماما كما حدث في الشعر الحديث في الأربعينات و الخمسينات حين رفِض من طرف شعراء الكلاسيكية . فمال الطرف المدافع لإثبات وجود جذور الشعر الحديث في الموشحات ،و البند ، و النثر الشعري لجبران ، و الشعر المنثور لأمين الريحاني ، و توشيحات المهجريين و الشعرالمرسل لعبد الرحمن شكري...

و لكن ـ عموماً ـ القصة القصيرة جداً وجدت لها مكانا في الكتابة السّردية . و أصبحت تستقطب روادا في الكتابة القصصية . و مهتمين دارسين في مجال التحليل و النقد رغم قلتهم .

و تبعا لذلك ينبغي أن نتعرف أولا على هذا النوع من الفن السردي ، من خلال خصائصه . و نتساءل عن مبدعيه و مميزاتهم .

فالقصة القصيرة جداً عمل إبداعي فني . يعتمد دقّة اللّغة ، و حسن التّعبير الموجز ، و اختيار الّلفظة الدّالة ، التي تتسم بالدور الوظيفي fonctionnel. و التركيز الشديد في المعنى . و التكثيف اللّغوي الذي يحيل و لا يخبر . و لا يقبل الشّطط و لا الإسهاب ، و لا الإستطراد و لا الترادف ، و لا الجمل الاعتراضية ، و لا الجمل التفسيرية . و المضمون الذي يقبل التأويل ، و لا يستقر على دلالة واحدة . بمعنى يسمح بتعدد القراءات ...و وجهات النظر المختلفة ...

إذا كانت القصة القصيرة جدا بهذه المواصفات ، فحتما لن يكتبها غير متمرس خبير باللغة . قاص بارع في البلاغة : متقن للغة المجازية langage figuré متنبه لكمياء الألفاظ ، و فلسفة المعنى ، و عمق الدلالة . قاص لا تتحكم فيه حلاوة الألفاظ فيقتنصها لحلاوتها ، بل لما يمكن أن تخدم به السياق المقتضب . قاص لا يغتر بالقصر المجمل لقصره . أو الإٌسهاب المطول لإسهابه ، و لكن يهتم بالمعنى على أن يقدَّم بنسق لغوي فني في غاية من الاقتصاد . ليمكن القاريء الشّغوف بفن القصّ القصير أن يقرأ داخل اللغة intra - l'lnguistique لأنّ القراءة السّطحية لا تجدي نفعاً إزاء هذا النوع من القص .إذ لا بد من قراءة ما بين السطور القليلة . و خلف الكلمات المعدودة . فهناك لغة التّضمين homonymique

و إذا كات القصة القصيرة جدا و صاحبها كما رأينا . يبقى من الضروري أن نقول صراحة إن هذا الفن ليس من السّهولة في شيء ، . لكن كم هو سهل على من يستسهله ، فيكتب جملا تدخل في إطار ما يعرف بالكتابة البيضاء écriture blanche التي لا تدل إلا على اللاشيئية nullité و يعتقد أنّه دخل صرح القصة القصيرة من بابها الواسع . إلا أنّه ينبغي أن نقول بأنّ رواد هذا الفن في عالمنا العربي قلة قليلة . أما الكثرة الكثيرة ، فهي من تكتب خارج دائرة هذا الفن . و تعتقد نفسها ـ في غياب النقد و المتابعة ـ أنها داخل الدائرة . و هذا ما نجده في منتدى القصّة القصيرة جدا في ( الكثير من المنتدبات)
و أعتقد أن الذي لم يزاول كتابة القصة القصيرة و القصة ، و الذي لم تتوفر فيه بعض من الصّفات الآنفة الذكر . هو كاتب يبحث له عن اسم في فن لا يعرفه. و في لغة لا يحسن سبكها و صياغتها، لأنها لغة الملمتر و أقل .

أما لماذا الأجيال السابقة لم تستسغ هذا الفن ؟ فالأمر بسيط . الإنسان و ما تعود . فالذي عايش قصص و روايات نجيب محفوظ ، و يوسف السباعي و عبد الحليم عبد الله و إحسان عبد القدوس و توفيق الحكيم ... يصعب عليه استساغة هذا الفن الجديد . تماماً كما وقع لجيل الأربعينات و الخمسينات و الستينات مع الشعر الحـر . و المسألة تبقى دائماً مسألة ثقافة و متابعة و دراسة و نقد . و على ذكر النقد، لو بحثنا لوجدنا عدد الدراسات في هذا الفن ، تكاد لا تذكر .

مع خالص تحياتي
د مسلك ميمون

عبد الرشيد حاجب
12/01/2008, 08:11 AM
.

القصة القصيرة جدًا في قفص الاتهام


لم يشهد نوع أدبي ما شهدته القصة القصيرة جدا من جدل محتدم خلال الندوات و المؤتمرات التي عقدت حول هويّتها من جهة و حول أحقيّتها في الحياة من جهة أخرى .
فالأنواع الأدبية الأخرى فرضت نفسها في حيّز الوجود كأسلوب لا غنى عنه من أساليب التعبير ؛ و لم يمانع أحد في تلقّفها و لم يسألها عن بلد المنشأ طالما أنها تقدّم نفسها مرآة للإبداع و الجمال اللذين يتجاوزان حدود الوطن و الجنسية .
لماذا تُحارب القصة القصيرة جدا هذه الحرب الشعواء ؟ تُقام في وجهها السدود و تُغلق دونها الحدود و تكال لها الردود التي تحمل في طياتها التهكّم و السخرية أحيانا .
هذا يسميها ومضة و ذاك يسميها برقية و آخر يقول : لمحة وأخرى تقول:طرفة و خامس يقرّر: إنها فكرة و سادس يشعرنها مطلقا عليها اسم : خاطرة ؛ما جعلني أنضمّ إلى ركب المتفذلكين مختارا لها اسما جديدا: قَصَجَة .اختصارا لاسمها الطويل جدا و الذي لا يتناسب و جوهرها .
إذا كانت حجّة المحاربين تتمركز حول حجمها الصغير جدا فالقصة القصيرة أيضا ثارت على الرواية و أعلنت الانفصال محققة نجاحات لا تُحدّ و جمالات لا تحصى .
وإذا انتُقِدت لاجتزائها بعض عناصر السرد كالزمان أو المكان أو كليهما معا فهذا التحرر يزينها ولا يشينها و يُنصّبها منارة يخترق نورها أمداء الزمان و المكان ويُعلّق على صدرها وسام الشمولية .
و إذا تناوشتها سهام النقد لأنها تُكثّف الصور و المشاهد و الرؤى إلى درجة تقرّبها من الغموض فهذا فخر لها و قد قرّر الإمام النفّري رحمه الله :" كلما ضاقت العبارة اتّسع المعنى." لأن خيال القارئ يسرح في تصوّر المشهد كما يحلو له فيغدو مشاركا في كتابة النص غير مكتفٍ بلعب دور المتلقّي السلبي ؛ولا بأس بمثل يدعم هذا الرأي:
( لو وصفنا الحديقة بأنها قِبلة المتنزهين و أمل الراغبين في السعادة و الجمال ؛ تتطاول أشجارها معانقة كبد السماء وتتلاون أزهارها معلنة أنها السحر بعينه .
ووصفناها بأنها : جنّة .
فأيّ الوصفين أقدر على تحفيز الخيال ؟! )
و إذا جوبهت بأنها تدور حول حدث واحد و حبكة واحدة لا غير فهذا يقدّمها للقارئ على طبق من البساطة و الوضوح بعيدا عن تداخل الأحداث و تشابك العُقد .
و إذا اتّهمت بأنها أباحت نفسها لكلّ من هبّ و دبّ من حملة الأقلام فهذا جُرم هي منه براء و الجاني هو من يستسهلها و ينتهك حرمتها .
و لعل الرمح الذي يكاد يصيب منها مقتلا هو ضبابيتها التي تقلص الرؤية حولها فتجعلها عصيّة على التمظهر بقوام فريد يميّزها عمّا يشبهها من أنواع القصّ الأخرى كالطرفة و النادرة رغم أنّ الفرق بينها شاسع.
فالطرفة ( النكتة و الملحة ) هي نص سردي قصير يهدف إلى الإضحاك تحديدا ،يختلقها الراوي ساخرا من الفكرة التي تختزنها معتمدا على مبدأ الإدهاش و عدم التوقّع ما يجعلها شبيهة بالإحجية. و البعض لا يفرّق بينها و بين النادرة .
بينما القصة القصيرة جدا لا تهدف إلى الإضحاك إطلاقا و إن لبست ثوب الطرافة أحيانا راسمة البسمة على وجه القارئ ؛ و لعل ما يميّزها هو سخريّتها السوداء التي تفضح الواقع المرير والتي تستمطر الحزن بدل الفرح كقصّتي هذه:
وا
(على وقع الاستغاثات الصاخبة بُعث المعتصم من مرقده؛ كانت النداءات حادة و حارّة في لهفتها .
أصمّ أذنيه للوهلة الأولى ثم تلفّت حوله يمنة و يسرة فلم يجد نساء عربيات يستغثن بل ملوكا و رؤساء و أمراء ، فأصيب بسكتة دماغية .)
كما أنّ القصة القصيرة جدا تتميز عن النادرة في كونها تسرح في عالم الفانتازيا الخيالي الرائع بينما النادرة تسجيل حرفي لحدث اجتماعي أو تاريخي غير مألوف يتّصف بالغرابة و الإدهاش لذا فالأَولى تصنيفها في خانة القصص التاريخي كما أن النادرة قد تترهل على مدى صفحات و قد تنكمش في سطور قليلة بحسب عدد الشخصيات و الأحداث فيها، بعكس القصة القصيرة جدا .
أما تشبيهها بالفكرة فخطأ فادح لأن الفكرة قد لا تروي حدثا ولا تتلبس شخصية ولا تتأطّر في زمان أو مكان .
و الخاطرة أيضا تختلف عن القصة القصيرة جدا لأنها أشبه بالمناجاة و البوح الحكيم و هي بعيدة عن السرد المتضمن حكاية كقولنا مثلا :
( لماذا أيها الحُبّ كلّما اقتربنا منك ازددت بُعدا و كلما توددنا إليك ازداد صدّك ؟)
أمّا الومضة فهي لمحة موجزة تتأرجح بين الشعر و الخاطرة وهي إلى الصورة الشعرية أقرب .لذا فهي أبعد ما تكون عن القصة القصيرة جدا .
إزاء ما تقدّم و بعد نفي علاقة القصة القصيرة جدا بالإنواع الأدبية الأخرى فلا بدّ من تحديد معالمها من خلال العناصر الأساسية التي يجب أن تتوافر فيها و هي :
1- الحكاية : فعليها أن تحكي حكاية تماما كالرواية و القصة القصيرة و المسرحية و المقامة و النادرة و...
2- الشخصية : فلا قصة بدون شخصيات تُنجِز الحدث و تشكّل جوهر السرد الأساس و لا يُشترط في الشخصية أن تكون إنسانا فالحيوان و النبات والجماد كلها تصلح للعب الدور.
3- الوحدة : أي الإضاءة على حدث واحد بعينه مصوغ في حبكة واحدة تُبدي وضوحها للعيان لأن تنوّع الأحداث يستدعي تشابكها و يؤدي إلى تعدد الحبكات و العقد التي تقود إلى أكثر من احتمال و إلى تكرار الأفكار في معظم الأحيان ما يرمي بالقصة إلى هاوية الترهل و الذبول .
4- التكثيف المقصود : و لعله الهوية الأبرز التي تحملها القصة القصيرة جدا و هو يعتمد على ضغط الصور و الرؤى بشكل موجز مختصر يحافظ على جوهرها بكل مكوّناته دون شرح أو تفصيل أي على مقاسها تماما دون تطويل مملّ أو إيجاز مُخلّ .و لعل هذا الشرط هو الأصعب بين عناصرها لأنه يحتاج إلى الموهبة المبدعة و الثقافة الثرّة و القدرات اللغوية والتركيز الذهني الشديد و هذه شروط تبدو تعجيزية يجفل منها الكتّاب فيديرون ظهورهم للقصة القصيرة جدا منصرفين إلى مجال إبداعهم الأساس .
5- المفارقة : و هي عنصر جوهري لأنها تتمحور حول تقنية تفريغ الذروة و صدم القارئ بما لا يتوقّع و هنا يلمع وجه الشبه بينها و بين الطرفة و النادرة لأن المفارقة تشكّل عنصر التشويق اللذيذ الذي يميزالقصة الناجحة و يسكب المتعة و الارتياح في نفس القارئ .
6- انتشار الجمل الفعلية بشكل لافت ؛لأنها في إيحاءاتها الدلالية تشير إلى الحركة و الحالة و هما شرطان لازمان من شروط السرد و هذا لا يعني الاستغناء عن الجمل الإسمية لضرورتها في الوصف الذي لا تحتفي به القصة القصيرة جدا في أغلب الأحيان ؛لأنه إن طغى على السرد هدم الحدود التي تفصلها عن الخاطرة وعن المقالة الوصفية .
7- العنوان : وهو رغم أهميته في النصوص على اختلاف أنواعها فإنه في القصة القصيرة جدا يجب أن يختار بدقة لأنه يلعب دورا حاسما مضيئا على المضمون شاحنا للرؤى و الدلالات .
وحين تزدان القصة القصيرة جدا بعناصرها تأتلق فيها الفكرة ماسةً تتعاكس عليها المرامي البعيدة و الدلالات المبطّنة ،يستوحيها القارئ الفطِن متّكئا على المفردات الدالّة و المختارة بدقّة و دراية فإذا هو في دقائق معدودات يقرأ قصّة ماتعة غنية بالرموز و الأبعاد و المعاني التضمينية في جوّ ساحر و ساخر يُشكّله الخيال الخصب المنطلق من أرضية الواقع المرير الذي تعبث به قوى الشرّ و الظلام لتجد القصة القصيرة جدا نفسها الأقدر على ملامسة المواضيع الحساسة كالعولمة و صراع الحضارات و الديمقراطية و الدكتاتورية و قضايا الإنسان العادلة و الإرهاب في أسلوب يتوخّى التلميح مستغنيا به عن التصريح .
و القصة القصيرة جدا إذ تقدّم نفسها نوعا أدبيا جديدا له أنصاره و مؤيدوه المدافعون عنه تضع نفسها تحت المجهر مهيبة بالنقاد أن يفسحوا لها في الطريق كي تأخذ مكانها اللائق بها طالبة منهم الحذر و الدقّة في التعاطي معها لأنها طرية العود تتوق إلى من يحتضنها و يرعاها.
تجارب الكتّاب و المبدعين ما زالت خجولة في ارتياد هذا الفنّ النثري الجديد و هي لا تكفي بضآلتها الحالية لتشكيل نظرة نقدية وافية ومحددة حولها ما يجعل التسرّع في الحكم عليها أقرب إلى النقض منه إلى النقد .
هذا الخجل في التجريب يقابله خلل في المشهد النقدي ,فبين ناقد يُطبّل و يُزمّر لفلان أو علاّن من معارفه كَتَبة القصة القصيرة جدا و بين ناقد محايد،تهتزّ المعايير و يختلّ التوازن وتفقد(القصجة )
عذريّتها و ألقها بعد أن عرّشت الطحالب على صدرها حارمةً ساحتنا الأدبية متعة التلذّذ بنوع أدبي جديد جميل توّاق للظهور، ومناسب لواقع الأمور، اسمه : القصة القصيرة جدا .

سعيد أبو نعسة.

.

أحمد حمود
12/18/2008, 10:39 AM
أخي المفضال الكاتب..
بوركت على هذا البحث الثري المثري حول القصة القصيرة جداً، بحث ننتفع به في وقت يعز أن نرى في المنتديات بحوثاً متخصصة.
وأعتقد أن موضوع القصة القصيرة جداً،لم ينضج بعد في أذهان الدارسين والنقاد لهذا الفن من الكتابة،لذلك سنجد في البداية من يمدح وسنجد من يتهم وبينهم أناس محايدون.
ولكن على مايبدو أن عجلة الزمن لن تدور إلى الخلف،هذا الذي يترآى لي على المدى الطويل.
أخي الكرام جزاك الله خيراً على ماتقدمت به نفعنا الله بك وتقبل عاطر

تحياتي،