ياسر آل غريب
03/10/2010, 03:17 AM
المهديّ كما يراه شوقي بزيع
في قصيدته ( الطواف في رحاب صاحب العصر ) يعلن الشاعر شوقي بزيع انتقال القصيدة من الحالة العاطفية المحضة العابرة إلى محطة ثقافية مركبة تستدعي البقاء عندها للتأويل والتحليل , بلغة مزدوجة تبدو في ظاهرها غنائية أما في باطنها فهي محشوة بالقلق المعرفي , ويقدم لنا رؤيتين للمهدي المنتظر عبر طوافه الذي يتضح في النص أنه ليس طوافا طقوسيا ولكنه تجوال حركة وكشف , ساعده على ذلك اختياره للوزن المحدث بتفاعليه الأساسية ( فاعلن فاعلن فاعلن ) الذي هو عبارة عن صوت جري الحصان مما يشعر المتلقي أنه أمام شاعر فروسيٍّ .
الرؤية الخارجية :ما يراه الشاعر عن بعد في المشهد المهدوي الذي تشكل عن طريق عقيدة الغيب وثقافة الخلاص المشتركة عند أديان وشعوب عديدة , فيبدأ أولا في تعريف الحاضر/ الغائب , وتبيان هويته بوصفه ظلا متحركا :
مغرق في التواصل
تنسل خلف ارتعاش الأصابع
تهذي
تراوح كالظل بين الحقيقة والوحي
حيث الخوارج ينبون أعشاشهم في الفراغ
وأنت تبارك زجر الطيورْ
هذه الرؤية عامة مبنية على الموروث , لدرجة أن شوقي بزيع من فرط ماكان مسكونا بهاجس التراث وضع قبل نصه مقولة لـ ( ابن خلدون ) عن الإمام المهدي المنتظر(ع) عند الشيعة الذي يخرج في آخر الزمان لتكون وثيقة تاريخية تمهد للنص وتكون بارقة له , كذلك نجد أن هذه الرؤية الخارجية مشبعة بالإسقاطات التاريخية عبر العلامات الإيحائية والإشارات الرمزية :
تأتي مفارز من شرطة ابن زياد وتعبرُ
كفيك حتى الطلاسم
وحين تقول الرعية : كان الخليفة ظلا وأنت
التوغل , كانت عقارب كفيك تعلن بدء
التقية
وقالوا : ستطلع من مغرب الشمس يوما
على شكل أمَّةْ
لم يكن الشاعر هنا إلا باعتباره فردا ضمن جماعة ينتظرون مجيئ الأمل المنقذ منغمسا في ثقافة الـ ( نحن ) ومنسجمًا مع الهم الجمعي وهاهو يردد كلمات شبيهة بالمناجاة:
هذا ربيعُ الجراح
التئمْ بين ورد المسافة والشوك
أزهرْ على حدق المقبلين
فنحن بذورٌ
تطاردُ كالنحل وهجَ الخصوبة
لكننا لم نزلْ بانتظاركَ
منذ ابتداء الخليقة
الرؤية الداخلية :
وتنبثق هذه الرؤية الخاصة كتجربة شعورية فريدة بعد تشبعه بالرؤية السابقة ومعايشة همومها حيث يتجمع (المهدي) كالعين في غابة الدمع ويأتي إلى المضاجع في الخفاء ويورق وتعتبر هذه اللحظات هي بداية الحياة الجديدة والمختلفة التي يستهلها شوقي بزيع بالصراخ :
أنا صوتك الدائري الآن والورق الدائري
دخلتُ مسام العصور وأعشبتُ في غفلة الوقت
كانت ألوف السيوف تغني دمي في العشايا
وتغري العذاري بصوتي
تقول : لنا موعد
واشتهتني جميع النساء فبدلت وجهي
وضللتُ كل المرايا
وتقوم ذات الشاعر بدور البطولة وكأننا في مسرح النجم الواحد وتستمر هذه ( الأنا ) الدائرية بالتعريف عن نفسها القلقة بعد أن تبنّتْ جرحها مكانا فكان المكان وتبنت نزفها زمانا فكان الزمان :
أنا النار كانوا يدورون كالزنج حولي
وكانت شواطئ كفيك مشرعة للغياهب
وتأتي هنا اللقطة الحاسمة أو ما يعبر عنها بلحظة الإشراق ليكتشف الشاعر في داخله عالما آخر ويبصر المشهد المهدوي هذه المرة عن قرب :
حين اكتشفتُكَ
كانت عيونُ السلالات تخلع أحداقها في دمي
فأبصرتُ مالا ترى العينُ
أبصرتُ جُرحَك سيفـًا يحاورُ عنقَ السلاطين
أبصرتُ كلَّ المضاجع تصطكُّ من شدة الالتحامْ
وكان الحسينُ يفتش عن رأسه في الرمال
وكان النخيلُ غريبًا ,
لماذا يكون النخيل غريبا ؟
ويفترشُ النهرُ سيفَ المماليك
تخرجُ من هاجس الوقت أرضُ الجزيرة .
وبعد هذه النبؤات الشعرية يختم الشاعر قصيدته بثنائية ( أنا ) و( أنت ) التفاعلية التي تفضي إلى حيث اليقين :
أنا وجعُ الالتماس وأنت المسامْ
أنا شجرُ الرَّصْدِ في جَفْرِ من يولودونَ
وأنتَ الإشاره .
هذه الرؤية الخاصة هي التي تبرز الشاعر أكثر تألقا وتجعله نسيج وحده فبها استطاع أن يكون حميميا مع الواقع وومتلئا بحداثة أخرى تنطلق من اللحظة الراهنة , وتؤمن بإعادة تدوير التاريخ .
وختاما يبقى الشاعر شوقي بزيع اسما يستحق الذهاب إليه وقراءته لأنه استطاع بقدرته الشاعرية أن يخلص القصيدة من حالة الفقر التي تعشعش في بعض النصوص ومن حالة البساطة الساذجة واستطاع أن يخلق فضاءات شعرية جديدة تتسم بالجدية تدعو الفكر الناشط أن يتأملها ويطوف فيها . وكما عبَّر عنه الدكتور/ عبدالعزيز المقالح ذات مقالة : يقف شوقي بزيع منتظرا مرور القصائد التي تشبه الغيوم وعندما يقبض عليها فإنما يفبض على جسد شفاف رقيق غائم يشبه الهواء .
في قصيدته ( الطواف في رحاب صاحب العصر ) يعلن الشاعر شوقي بزيع انتقال القصيدة من الحالة العاطفية المحضة العابرة إلى محطة ثقافية مركبة تستدعي البقاء عندها للتأويل والتحليل , بلغة مزدوجة تبدو في ظاهرها غنائية أما في باطنها فهي محشوة بالقلق المعرفي , ويقدم لنا رؤيتين للمهدي المنتظر عبر طوافه الذي يتضح في النص أنه ليس طوافا طقوسيا ولكنه تجوال حركة وكشف , ساعده على ذلك اختياره للوزن المحدث بتفاعليه الأساسية ( فاعلن فاعلن فاعلن ) الذي هو عبارة عن صوت جري الحصان مما يشعر المتلقي أنه أمام شاعر فروسيٍّ .
الرؤية الخارجية :ما يراه الشاعر عن بعد في المشهد المهدوي الذي تشكل عن طريق عقيدة الغيب وثقافة الخلاص المشتركة عند أديان وشعوب عديدة , فيبدأ أولا في تعريف الحاضر/ الغائب , وتبيان هويته بوصفه ظلا متحركا :
مغرق في التواصل
تنسل خلف ارتعاش الأصابع
تهذي
تراوح كالظل بين الحقيقة والوحي
حيث الخوارج ينبون أعشاشهم في الفراغ
وأنت تبارك زجر الطيورْ
هذه الرؤية عامة مبنية على الموروث , لدرجة أن شوقي بزيع من فرط ماكان مسكونا بهاجس التراث وضع قبل نصه مقولة لـ ( ابن خلدون ) عن الإمام المهدي المنتظر(ع) عند الشيعة الذي يخرج في آخر الزمان لتكون وثيقة تاريخية تمهد للنص وتكون بارقة له , كذلك نجد أن هذه الرؤية الخارجية مشبعة بالإسقاطات التاريخية عبر العلامات الإيحائية والإشارات الرمزية :
تأتي مفارز من شرطة ابن زياد وتعبرُ
كفيك حتى الطلاسم
وحين تقول الرعية : كان الخليفة ظلا وأنت
التوغل , كانت عقارب كفيك تعلن بدء
التقية
وقالوا : ستطلع من مغرب الشمس يوما
على شكل أمَّةْ
لم يكن الشاعر هنا إلا باعتباره فردا ضمن جماعة ينتظرون مجيئ الأمل المنقذ منغمسا في ثقافة الـ ( نحن ) ومنسجمًا مع الهم الجمعي وهاهو يردد كلمات شبيهة بالمناجاة:
هذا ربيعُ الجراح
التئمْ بين ورد المسافة والشوك
أزهرْ على حدق المقبلين
فنحن بذورٌ
تطاردُ كالنحل وهجَ الخصوبة
لكننا لم نزلْ بانتظاركَ
منذ ابتداء الخليقة
الرؤية الداخلية :
وتنبثق هذه الرؤية الخاصة كتجربة شعورية فريدة بعد تشبعه بالرؤية السابقة ومعايشة همومها حيث يتجمع (المهدي) كالعين في غابة الدمع ويأتي إلى المضاجع في الخفاء ويورق وتعتبر هذه اللحظات هي بداية الحياة الجديدة والمختلفة التي يستهلها شوقي بزيع بالصراخ :
أنا صوتك الدائري الآن والورق الدائري
دخلتُ مسام العصور وأعشبتُ في غفلة الوقت
كانت ألوف السيوف تغني دمي في العشايا
وتغري العذاري بصوتي
تقول : لنا موعد
واشتهتني جميع النساء فبدلت وجهي
وضللتُ كل المرايا
وتقوم ذات الشاعر بدور البطولة وكأننا في مسرح النجم الواحد وتستمر هذه ( الأنا ) الدائرية بالتعريف عن نفسها القلقة بعد أن تبنّتْ جرحها مكانا فكان المكان وتبنت نزفها زمانا فكان الزمان :
أنا النار كانوا يدورون كالزنج حولي
وكانت شواطئ كفيك مشرعة للغياهب
وتأتي هنا اللقطة الحاسمة أو ما يعبر عنها بلحظة الإشراق ليكتشف الشاعر في داخله عالما آخر ويبصر المشهد المهدوي هذه المرة عن قرب :
حين اكتشفتُكَ
كانت عيونُ السلالات تخلع أحداقها في دمي
فأبصرتُ مالا ترى العينُ
أبصرتُ جُرحَك سيفـًا يحاورُ عنقَ السلاطين
أبصرتُ كلَّ المضاجع تصطكُّ من شدة الالتحامْ
وكان الحسينُ يفتش عن رأسه في الرمال
وكان النخيلُ غريبًا ,
لماذا يكون النخيل غريبا ؟
ويفترشُ النهرُ سيفَ المماليك
تخرجُ من هاجس الوقت أرضُ الجزيرة .
وبعد هذه النبؤات الشعرية يختم الشاعر قصيدته بثنائية ( أنا ) و( أنت ) التفاعلية التي تفضي إلى حيث اليقين :
أنا وجعُ الالتماس وأنت المسامْ
أنا شجرُ الرَّصْدِ في جَفْرِ من يولودونَ
وأنتَ الإشاره .
هذه الرؤية الخاصة هي التي تبرز الشاعر أكثر تألقا وتجعله نسيج وحده فبها استطاع أن يكون حميميا مع الواقع وومتلئا بحداثة أخرى تنطلق من اللحظة الراهنة , وتؤمن بإعادة تدوير التاريخ .
وختاما يبقى الشاعر شوقي بزيع اسما يستحق الذهاب إليه وقراءته لأنه استطاع بقدرته الشاعرية أن يخلص القصيدة من حالة الفقر التي تعشعش في بعض النصوص ومن حالة البساطة الساذجة واستطاع أن يخلق فضاءات شعرية جديدة تتسم بالجدية تدعو الفكر الناشط أن يتأملها ويطوف فيها . وكما عبَّر عنه الدكتور/ عبدالعزيز المقالح ذات مقالة : يقف شوقي بزيع منتظرا مرور القصائد التي تشبه الغيوم وعندما يقبض عليها فإنما يفبض على جسد شفاف رقيق غائم يشبه الهواء .