خديجة قرشي
12/02/2008, 07:29 PM
جلست في صمت تسترق السمع لوالدها، حين اخترق صراخهما جدار الغرفة الهش. لم يعرف النوم طريقا إلى جفنيها، فكل ليلة يعلو النقاش، فيصبح صياحا وضربا ثم خصاما وقطيعة تتطلب تدخل الجيران أو أحد الأقارب.
تعودت أن ترى والدها كل ليلة فاقدا وعيه، يدفع الباب الحديدي الذي أصابه الصدأ، فأصبح يحدث رنينا أقرب إلى النشاز، بتثاقل شديد .. يشتم كم من صادفه في طريقه، يركل الصبية المنكمشة على ركبتي أمها التي تنتظر .. وتحتضر ..
تستيقظ الصغيرة مذعورة، تهرب إلى الغرفة المجاورة .. تفرك عينيها الصغيرتين، وتجلس في صمت، تأخذ قلم الرصاص .. تتناول دفترا من فوق الطاولة، تنزع منه ورقة، ترسم خطوطا في الطول والعرض، تمزقها وترميها جانبا ..
تأخذ ورقة أخرى .. ترسم حقلا .. شجرة زيتون، ونهرا ينساب منه ماء عذب.
تنظر إلى الخربشات التي خطتها أناملها الرقيقة المرتعشة .. تبتسم .. تضحك، تمزق الورقة بعنف وتلقي بها بعيدا .. تأخذ ورقة أخرى .. تفكر مليا..
ترسم طفلة صغيرة نظيفة. ترسم أما جميلة وأبا أنيقا تعلو شفتيه ابتسامة صادقة.
تنظر مليا في الصورة، التي رسمتها.. تأخذ قلم الرصاص، تمدد يد الأب وتلصقها بيد الطفلة، فتسري في جسدها الضعيف رعشة حنان وحب، افتقدتهما فترتاح لرسمها الجميل، تنظر إلى شقوق بسقف الغرفة، تخشى أن يسقط السقف فيضيع الرسم الجميل .. تحتضنه برفق وتستسلم للنوم.
تنتفض الصبية، يأتي إلى مسامعها صراخ أمها، وصوت الحزام الجلدي يعلو بين الفينة والأخرى، فيحدث شرخا في ذاكرتها .. لا تدري متى انتهى العراك، لكنها أحست بوالدها يركلها بقدميه ويأمرها بالذهاب إلى المدرسة.
تأخذ بسرعة محفظتها .. تخبئ رسمها الجميل بين دفاترها، وتغادر البيت، شاردة .. بشعر أشعث، ومعدة فارغة.
تمشي بتثاؤب في اتجاه المدرسة النائية، تدخل الفصل الدراسي، تستمع إلى درس وشروحات المعلم القادم من المدينة، عن البحر والجمال.. يحدثهم عن الشعر، عن حنان الأم وعطف وحلاوة الطفولة.
تبكي الصغيرة، تصرخ في وجه معلمها متذمرة:
- لا أحب ما تقوله، أية مدينة تحدثني عنها، أبي يأتي منها كل ليلة على وشك السقوط والهلوسة، أكرهكم جميعا، ليتني لم أكن.. أتمنى الموت.. فوجودي ليس له معنى.
تسقط الصبية مغمى عليها وسط شرود ودهشة أقرانها، عقلها الصغير، قلبها الصغير أضعف من أن يحتمل. يسرع المعلم بحملها، يتبعه عشرات التلاميذ، كأنه موكب جنائزي، نشيده سكون وصمت مطبق، ومزيج من دموع وآهات.
تصرخ الأم، فتدوي صرختها في أعماق القرية. تغسل دموعها الأرض، ينشطر قلبها، فتعلن عن قضيتها...
كلمة من الأعماق
أجمل ما في الطفل براءته، وأجمل ما في الأم حبها وحنانها وعطفها، ما لم تظل خرساء بخيلة، شحيحة، تكبت مشاعرها، تكبلها بسلاسل من حديد، فتباعد بينها، وبين إحساس طفلها بفيض من مشاعر أم تحبه...
خديجة قرشي
تعودت أن ترى والدها كل ليلة فاقدا وعيه، يدفع الباب الحديدي الذي أصابه الصدأ، فأصبح يحدث رنينا أقرب إلى النشاز، بتثاقل شديد .. يشتم كم من صادفه في طريقه، يركل الصبية المنكمشة على ركبتي أمها التي تنتظر .. وتحتضر ..
تستيقظ الصغيرة مذعورة، تهرب إلى الغرفة المجاورة .. تفرك عينيها الصغيرتين، وتجلس في صمت، تأخذ قلم الرصاص .. تتناول دفترا من فوق الطاولة، تنزع منه ورقة، ترسم خطوطا في الطول والعرض، تمزقها وترميها جانبا ..
تأخذ ورقة أخرى .. ترسم حقلا .. شجرة زيتون، ونهرا ينساب منه ماء عذب.
تنظر إلى الخربشات التي خطتها أناملها الرقيقة المرتعشة .. تبتسم .. تضحك، تمزق الورقة بعنف وتلقي بها بعيدا .. تأخذ ورقة أخرى .. تفكر مليا..
ترسم طفلة صغيرة نظيفة. ترسم أما جميلة وأبا أنيقا تعلو شفتيه ابتسامة صادقة.
تنظر مليا في الصورة، التي رسمتها.. تأخذ قلم الرصاص، تمدد يد الأب وتلصقها بيد الطفلة، فتسري في جسدها الضعيف رعشة حنان وحب، افتقدتهما فترتاح لرسمها الجميل، تنظر إلى شقوق بسقف الغرفة، تخشى أن يسقط السقف فيضيع الرسم الجميل .. تحتضنه برفق وتستسلم للنوم.
تنتفض الصبية، يأتي إلى مسامعها صراخ أمها، وصوت الحزام الجلدي يعلو بين الفينة والأخرى، فيحدث شرخا في ذاكرتها .. لا تدري متى انتهى العراك، لكنها أحست بوالدها يركلها بقدميه ويأمرها بالذهاب إلى المدرسة.
تأخذ بسرعة محفظتها .. تخبئ رسمها الجميل بين دفاترها، وتغادر البيت، شاردة .. بشعر أشعث، ومعدة فارغة.
تمشي بتثاؤب في اتجاه المدرسة النائية، تدخل الفصل الدراسي، تستمع إلى درس وشروحات المعلم القادم من المدينة، عن البحر والجمال.. يحدثهم عن الشعر، عن حنان الأم وعطف وحلاوة الطفولة.
تبكي الصغيرة، تصرخ في وجه معلمها متذمرة:
- لا أحب ما تقوله، أية مدينة تحدثني عنها، أبي يأتي منها كل ليلة على وشك السقوط والهلوسة، أكرهكم جميعا، ليتني لم أكن.. أتمنى الموت.. فوجودي ليس له معنى.
تسقط الصبية مغمى عليها وسط شرود ودهشة أقرانها، عقلها الصغير، قلبها الصغير أضعف من أن يحتمل. يسرع المعلم بحملها، يتبعه عشرات التلاميذ، كأنه موكب جنائزي، نشيده سكون وصمت مطبق، ومزيج من دموع وآهات.
تصرخ الأم، فتدوي صرختها في أعماق القرية. تغسل دموعها الأرض، ينشطر قلبها، فتعلن عن قضيتها...
كلمة من الأعماق
أجمل ما في الطفل براءته، وأجمل ما في الأم حبها وحنانها وعطفها، ما لم تظل خرساء بخيلة، شحيحة، تكبت مشاعرها، تكبلها بسلاسل من حديد، فتباعد بينها، وبين إحساس طفلها بفيض من مشاعر أم تحبه...
خديجة قرشي