المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ماهية الأدب الساخر


أمل صلاح
12/04/2008, 01:02 AM
.
ماهية الأدب الساخر

السخرية من أعرق أسلحة البشر و ألطفها فهي سلاح الفقير على الغني, سلاح الضعيف على القوي, سلاح المظلوم على الظالم, سلاح المطحون على الطاحن, سلاح الثاني على الأول, لذا فالسخرية سلاح الأكثرية.

وفي إضاءة حول علاقة الحرية بالسخرية يؤكد أحد الكتاب ( أحمد الزعبي ) على أنه كلما زادت مساحة الحرية قلت مساحة السخرية حيث أن الحرية تتغذى بنقصانها فكلما نقصت الحرية زادت الحاجة إلى الأدب الساخر.

وفيما يتعلق بتاريخ الكتابة الساخرة يشير الكاتب إلى أنه ليس هناك تاريخ أو شهادة ميلاد "للنص الساخر"..فعندما ارتفع السوط الأول في وجه الإنسان (السوط الاجتماعي أو السياسي, أو الاقتصادي أو الديني ) ولدت السخرية, وولدت المقاومة بالضحكة ومن ثم كان الانتصار للضاحكين...

علماً أن أقدم النصوص الساخرة نصّاً فرعونياً يعود للألف الثالثة قبل الميلاد يتحدث عن فلاّح بسيط يصطدم بحواجز السلطة المادية والمعنوية..

إلا أن أشهر النصوص الساخرة تاريخياً, النص البابلي الشهير الذي يعود إلى الألف الثانية قبل الميلاد ويتضمن حواراً بين سيّد وعبده, حيث يذكر النص بوح السيد لعبده بكل ما يفكّر به, بما في ذلك تناقض أقواله بين جملة وأخرى, والعبد يبرّر لسيّده كل تناقضات حديثه موافقاً على كل ما يقول, حتى قال السيّد لعبده: أفكّر أن أقتلك, فقال العبد: تستطيع يا سيدي أن تقتلني ببساطة, ولكنك ستموت من بعدي جوعاً وعطشاً, فأنت لا تجيد شيئاً سوى إصدار الأوامر, وآخر أوامرك القاتلة لك: قتل من يخدمك.

و حول ماهية الأدب الساخر نرى أنه الخلطة السرية بين اللغة والمفردة والحكاية الشعبية واصطياد المفارقة في المشهد سواء أكان هذا الأدب نكتة شفوية, أو كاريكاتير, أو قصّة ساخرة أو نصاً ساخرا.ً

كما إن النص الساخر يجب أن يكون بياناً سريّاً بين الكاتب والقارئ, بين الهمّ والضحكة,بين الوجع وصاحبه, بين القلم والممحاة كرسائل العشّاق سرية وخجولة وبينية, يكون البوح الهادئ فيها بين حمرة الجرح وحمرة الشفاه, بين الحرف والحرف, بين الغرّة والشال..فالسخرية قهوة الكادحين... والضحك دخانهم المجاني.

ونود أن نركز على أهمية القراءة الساخرة كونها الشفة السفلى للكتابة الساخرة.. فإذا كانت الكتابة الساخرة هي هلال التنصيص الأول فإن القراءة هي هلال التنصيص الثاني..بدون القراءة الصحيحة يبقى الوصف مفتوحاً والاستعارة غير واضحة, فلا بد من القراءة الساخرة حتى نغلق القوسين على ضحكتنا المستعارة...


كما إن الأدب الساخر بحد ذاته يعبر عن حالة رفض للواقع ولكن بشكل قادر على التعبير دون الاصطدام أو خلق حالة مواجهة مباشرة مع حالة سلطة لذا كان الدب الساخر يعبر عن كل ما سبق بمختلف العصور ويمكن اعتبار أدب الصعاليك شكلا من أشكال الأدب الساخر على سلطة القبيلة في الأدب الجاهلي وفي عصور لاحقة ظهر العيار و الشطار وكان أحد أهم أسلحتهم السخرية.



-----------------------

*يذكر أن الكاتب أحمد الزعبي حاصل على بكالوريوس محاسبة وقد نال جائزة القصة القصيرة من رابطة الكتاب الأردنيين عام 1998م والجائزة الثالثة في ذات المجال ومن ذات الجهة عام 2003م .


.

أمل صلاح
12/04/2008, 01:05 AM
.


*لماذا الكتابة الساخرة..؟*

الكتابة الساخرة، جاءت تجسيداً لمثلٍ عربيٍّ تناقلته كتب التراث منذ أن خُلِق أول عربيّ على وجه هذه الأرض وحتى الآن: "شرُّ البليّةِ ما يُضْحك".

و يرتفع صوت الكاتب الأردني يوسف غيشان صدّاحاً: "هي سلاح الشعب الضعيف في مواجهة الغاشم، وهي سلاح الطبيعة الفعّال ضد القتامة والفساد والخواء، وهي سيف يعيد الأشياء إلى حجومها الطبيعية ويفقع بالونات الدعاية الفجة ويطهّر الأمكنة من فسادها".

كفى صراخاً يا يوسف غيشان، وتوقف عند هذه الكلمات، فها هو ذا محمد الماغوط يخاطبك قائلاً: "اسكت يا رجل، لو أنني استعملت عكازاً لكل عضو محطمّ في أعماقي لاحتجت إلى منجرة قرب بيتي"!!

الكتابة الساخرة.. هي العكاز الذي يتكئ عليه الكاتب الحرّ؛ ليقوِّمَ اعوجاجاً في أعماق نفسه، فامتلأت بيوت الكتاب الساخرين، بالخشب والمسامير، واستحالت بيوتهم إلى مناجر، هكذا هي الكتابة الساخرة عند "محمد الماغوط".

ولتهدئة الأوضاع الثائرة حيناً، والحزينة حيناً آخر، بخط فخري قعوار يتوسَّط رأيه عن الكتابة الساخرة فهي "في كل الأحوال تعكس صورة الواقع بجماله وقبحه، ولكن بأسلوب مختلف عن الكتابة العاديّة".

يقول الكاتب السوري زكريا تامر واصفاً كتاب "سأخون وطني.. هذيان في الرعب والحرية" الساخر لكاتبه محمد الماغوط: إنّ هذا الكتاب "يعزز الثقة بالكلمة في زمان الكذب والرياء ويعيد إليها بعض بهائها المفقود".

فكلما أمعنت في سخريتك تكون أكثر صدقاً، ونبلاً في هذا الزمان المتلاطم الحافل بالكذب والخداع والرياء، فالسخرية - عند علماء النفس - هي: "سلاح ذاتي يستخدمه الفرد للدفاع عن جبهته الداخلية ضد الخواء والجنون المطبق، إذ إن السخرية رغم هذا الامتلاء الظاهر بالمرح والضحك والبشاشة، إلا أنها تخفي خلفها أنهاراً من الدموع.. إنها مانعة صواعق ضد الانهيار النفسي".

فاسخر "عندنا في الشرق الشرطي لا يرفع يده إلا للضرب، ولذلك عندي جوع تاريخي للاحترام والشعور بالإنسان".. ثُمَّ اسخر "امنحني عقل أينشتاين لأستوعب كل ما يجري على الساحة العربية".. ومن ثَمَّ اسخر "إذا مات صوص في إسرائيل، تقطع برامجها الإذاعيَّة والتلفزيونية، وتظل تمطر السامعين من الصباح إلى المساء بموسيقى بتهوفن وموتزارت، اعترافاً لذكرى ذلك الصوص الراحل".

فأنت بسخريتك الأرقى، الأصدق، أكتب ولكن كما يصرح صوت محمد الماغوط: "الآن إذا كتبت أموت من الخوف، وإذا لم أكتب أموت من الجوع"!



.