إبراهيم طيار
04/06/2010, 02:59 AM
http://www8.0zz0.com/2009/08/16/10/812300083.gif
أنا أفكر إذا أنا موجود
برهن ديكارت على وجوده بالجملة ذاتها التي أصبحت فيما بعد برهاناً على عدمي .
" أنا أفكر إذا أنا موجود "
- الإشكالية الأولى التي تطرحها مقولة ديكارت هي إشكالية " أنا " التي تحاول تثبيت قدميها بين " أنايات " كثيرة مكدَّسةٍ في هذا العالم الذي قد يضيق أحياناً بأنا واحدة حتى تختلف أضلاعها داخل جهاته الأربع...
وهو بدوره – أي العالم – ضاق بنا حتى اختلفت أضلاعه داخل جهاته الأربع , ونعرف جميعاً أنه يوشك أن يتقيأنا في الفضاء كوجبة لحم فاسد تناولها مرغماً..
ولهذا نتنبأ كثيراً بمثل هذا التقيؤ المحتمل في أدبياتنا وأحياناً نجعله محتّماً لا محتملاً فحسب.
والإشكالية الثانية هي أن الوجود أصبحت له معايير أخرى قد لا تتعلق بالتفكير بحد ذاته بل بالقدرة على التفكير.
والقدرة على التفكير تحدُّها حدودٌ كثيرة ليس أولها وجود ما يستحق التفكير به وليس آخرها وجود ما يمكن أو ما يجوز التفكير به.
والبحث عن أمرٍ يستحق التفكير به في هذا العالم الذي تخلى عن تعقيداته السابقة واختصرنا إلى أرقام على آلته الحاسبة هو ضربٌ من العبث.
وكذلك البحث عن أمرٍ يمكن أو يجوز التفكير به في هذا العالم المتخم بالأمور التي لا يمكن أو لا يجوز التفكير بها ..هو أيضاً ضرب من العبث.
- وأمام هذه الصورة التي رسمتُها سابقاً أجد نفسي عاجزاً عن التفكير تماماً مثل رجل مُقعد يؤرجحه كرسيه الهزاز بين " لا شيئين " واحدة أمامه وأخرى خلفه..
غير راغبٍ به تماماً مثل رجل يائس ينتظر في طابور اليائسين قدوم اللاشيء بعد أن ذهب منه كلُّ شيء ..
ممنوعٌ منه تماماً مثل رجلٍ تحجَّر عند إشارة مرور حمراء قالت له بحزم : ليس مطلوباً منك هنا فعل شيء أو التفكير بشيء , وبقي متحجراً عندها كنصبٍ تذكاري منذ ذلك الحين.
يقولون في الأسطورة الإغريقية أن " ميدوزا " كانت تقوم بدور الإشارة الحمراء مع كل من تسوّل له نفسه – مجرد التفكير – في النظر إلى رأسها المليء بالأفاعي ومحاولة تفسيره !!
- أنا غير موجود يا سادة..
حتى ذبابة الفيلسوف التي كانت تدغدغُ أرنبة أنفي كل مساء هجرتني كما تهجر الزوجة غير الوفية زوجها الذي أصيب بالشلل النصفي , حملت حقائبها وأغراضها الشخصية و انتقلت لدغدغة أرنبة أنف شخصٍ آخر مازال صاحبه يفكر ولم يصب بالشلل النصفي بعد.
و في عالم كعالم ديكارت المليء بالفلاسفة وذباباتهم لم يعد لي أي دور..
وربما لم يكن لي أي دور في الأصل..لستُ متأكداً.
- الأفكار التي كانت في رأسي - عندما كنت أمتلك رأساً - سئمتْ أدوارها النمطية كالقفز والرقص والتدحرج و الدوران في الحلبات المغلقة , و هربت هروباً جماعياً كحيوانات سيرك روسي .
الفكرة الوحيدة التي لم تستطع الهروب كانت فكرة ميتة وقد عثرتُ مؤخراً على جثتها عندما طُلب مني أن أفكر بشيء جديد..
حدث ذلك في صباحِ اليوم ذاته الذي حاولت فيه أن أهرش شعرَ رأسي بأصابعي فاكتشفت أنني بلا رأس.
- الأفكار التي لا ندافع عنها ونهتم بها ونحترمها تهرب من رؤوسنا.
الأفكار ليست قطيع أغنام قابل للترويض والجمجمة ليست خانةً من أربعة أسوار خشبية..
بعض الأفكار تعوي في رأسكَ ليلاً كالذئاب وإن لم تفهمها كذئاب و تعاملها كذئاب... إن لم تعطها جميع حقوقها الذئبية فستكون خلايا دماغك العصبية أولى فرائسها..
بعض الأفكار تريد أن تحلق كالعقبان..أن تنشب مخالبها في شيء ما.. وإن بقيتَ مصراً على معاملتها كعصافير الزينة في قفص جمجمتك البلاستيكي فسوف تحطم جمجمتك لتخرج إلى الأجواء..
- أعماقك يا هذا سحيقةٌ كجروف الوديان الصخرية غامضةٌ كأعماق المحيطات واسعةٌ كالسهوب القوقازية..
فلماذا اختصرت رأسكَ إلى علبة واختصرت عقلكَ إلى هلام واختصرت أفكاركَ إلى نكهة وموادٍ ملونة ومواد حافظة ثم طبعتَ على جبينك سنة الصنع و تاريخ الصلاحية و مررت كسلعةٍ أمام قارئ البار كود ؟
لقد بعت نفسك يا هذا قبل أن يبيعوك..
وبثمن بخس !!
- لا أذكر آخر مرة تعاطيت فيها التفكير..
( بالمناسبة أصبحَتْ ممارسةُ التفكير تعاطياً ولهذا يقول أحدهم عن أحدهم أنه " يتعاطى الشأن العام " مثلاً..)
ولكنني أذكر أنَّ آخر نظرية برهنتُ على صحتها هي إمكانية نسيان كل ما مضى وآخر قصيدة كتبتها هي قصيدة في الصمت عن كل ما يحدث وكل ما سيحدث وآخر موقفٍ اتخذته هو موقف المحايد بين عنقي وسكين عدوي..
هذا نوعٌ من التفكير على كل حال و لكنه لم يعدُ كونهُ برهاناً إضافياً على أنني غير موجود..وهو يؤيد البرهان الذي جاء به ديكارت سابقاً ولا يتعارض معه..
ولكنه تفكير !!
أقسم أنه تفكير..
أنا أفكر إذا أنا موجود
برهن ديكارت على وجوده بالجملة ذاتها التي أصبحت فيما بعد برهاناً على عدمي .
" أنا أفكر إذا أنا موجود "
- الإشكالية الأولى التي تطرحها مقولة ديكارت هي إشكالية " أنا " التي تحاول تثبيت قدميها بين " أنايات " كثيرة مكدَّسةٍ في هذا العالم الذي قد يضيق أحياناً بأنا واحدة حتى تختلف أضلاعها داخل جهاته الأربع...
وهو بدوره – أي العالم – ضاق بنا حتى اختلفت أضلاعه داخل جهاته الأربع , ونعرف جميعاً أنه يوشك أن يتقيأنا في الفضاء كوجبة لحم فاسد تناولها مرغماً..
ولهذا نتنبأ كثيراً بمثل هذا التقيؤ المحتمل في أدبياتنا وأحياناً نجعله محتّماً لا محتملاً فحسب.
والإشكالية الثانية هي أن الوجود أصبحت له معايير أخرى قد لا تتعلق بالتفكير بحد ذاته بل بالقدرة على التفكير.
والقدرة على التفكير تحدُّها حدودٌ كثيرة ليس أولها وجود ما يستحق التفكير به وليس آخرها وجود ما يمكن أو ما يجوز التفكير به.
والبحث عن أمرٍ يستحق التفكير به في هذا العالم الذي تخلى عن تعقيداته السابقة واختصرنا إلى أرقام على آلته الحاسبة هو ضربٌ من العبث.
وكذلك البحث عن أمرٍ يمكن أو يجوز التفكير به في هذا العالم المتخم بالأمور التي لا يمكن أو لا يجوز التفكير بها ..هو أيضاً ضرب من العبث.
- وأمام هذه الصورة التي رسمتُها سابقاً أجد نفسي عاجزاً عن التفكير تماماً مثل رجل مُقعد يؤرجحه كرسيه الهزاز بين " لا شيئين " واحدة أمامه وأخرى خلفه..
غير راغبٍ به تماماً مثل رجل يائس ينتظر في طابور اليائسين قدوم اللاشيء بعد أن ذهب منه كلُّ شيء ..
ممنوعٌ منه تماماً مثل رجلٍ تحجَّر عند إشارة مرور حمراء قالت له بحزم : ليس مطلوباً منك هنا فعل شيء أو التفكير بشيء , وبقي متحجراً عندها كنصبٍ تذكاري منذ ذلك الحين.
يقولون في الأسطورة الإغريقية أن " ميدوزا " كانت تقوم بدور الإشارة الحمراء مع كل من تسوّل له نفسه – مجرد التفكير – في النظر إلى رأسها المليء بالأفاعي ومحاولة تفسيره !!
- أنا غير موجود يا سادة..
حتى ذبابة الفيلسوف التي كانت تدغدغُ أرنبة أنفي كل مساء هجرتني كما تهجر الزوجة غير الوفية زوجها الذي أصيب بالشلل النصفي , حملت حقائبها وأغراضها الشخصية و انتقلت لدغدغة أرنبة أنف شخصٍ آخر مازال صاحبه يفكر ولم يصب بالشلل النصفي بعد.
و في عالم كعالم ديكارت المليء بالفلاسفة وذباباتهم لم يعد لي أي دور..
وربما لم يكن لي أي دور في الأصل..لستُ متأكداً.
- الأفكار التي كانت في رأسي - عندما كنت أمتلك رأساً - سئمتْ أدوارها النمطية كالقفز والرقص والتدحرج و الدوران في الحلبات المغلقة , و هربت هروباً جماعياً كحيوانات سيرك روسي .
الفكرة الوحيدة التي لم تستطع الهروب كانت فكرة ميتة وقد عثرتُ مؤخراً على جثتها عندما طُلب مني أن أفكر بشيء جديد..
حدث ذلك في صباحِ اليوم ذاته الذي حاولت فيه أن أهرش شعرَ رأسي بأصابعي فاكتشفت أنني بلا رأس.
- الأفكار التي لا ندافع عنها ونهتم بها ونحترمها تهرب من رؤوسنا.
الأفكار ليست قطيع أغنام قابل للترويض والجمجمة ليست خانةً من أربعة أسوار خشبية..
بعض الأفكار تعوي في رأسكَ ليلاً كالذئاب وإن لم تفهمها كذئاب و تعاملها كذئاب... إن لم تعطها جميع حقوقها الذئبية فستكون خلايا دماغك العصبية أولى فرائسها..
بعض الأفكار تريد أن تحلق كالعقبان..أن تنشب مخالبها في شيء ما.. وإن بقيتَ مصراً على معاملتها كعصافير الزينة في قفص جمجمتك البلاستيكي فسوف تحطم جمجمتك لتخرج إلى الأجواء..
- أعماقك يا هذا سحيقةٌ كجروف الوديان الصخرية غامضةٌ كأعماق المحيطات واسعةٌ كالسهوب القوقازية..
فلماذا اختصرت رأسكَ إلى علبة واختصرت عقلكَ إلى هلام واختصرت أفكاركَ إلى نكهة وموادٍ ملونة ومواد حافظة ثم طبعتَ على جبينك سنة الصنع و تاريخ الصلاحية و مررت كسلعةٍ أمام قارئ البار كود ؟
لقد بعت نفسك يا هذا قبل أن يبيعوك..
وبثمن بخس !!
- لا أذكر آخر مرة تعاطيت فيها التفكير..
( بالمناسبة أصبحَتْ ممارسةُ التفكير تعاطياً ولهذا يقول أحدهم عن أحدهم أنه " يتعاطى الشأن العام " مثلاً..)
ولكنني أذكر أنَّ آخر نظرية برهنتُ على صحتها هي إمكانية نسيان كل ما مضى وآخر قصيدة كتبتها هي قصيدة في الصمت عن كل ما يحدث وكل ما سيحدث وآخر موقفٍ اتخذته هو موقف المحايد بين عنقي وسكين عدوي..
هذا نوعٌ من التفكير على كل حال و لكنه لم يعدُ كونهُ برهاناً إضافياً على أنني غير موجود..وهو يؤيد البرهان الذي جاء به ديكارت سابقاً ولا يتعارض معه..
ولكنه تفكير !!
أقسم أنه تفكير..