المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : معايير الجودة في الكتابة الأدبية


دكتور/ محمد فؤاد منصور
12/04/2008, 09:36 PM
معايير الجودة في الكتابة الأدبية
-----------------------------

تحدث معي بعض الأخوة عن غياب روح التسامح بين الناس حتى أصبح البعض منا لايحتمل الآخر ولايسمع له ولايرى إلا رأيه هو وحده دون العالمين .
ولو أن الأمر اقتصر على التشبث بالرأي وتسفيه آراء الآخرين لهان الأمر ، لكن المشكلة تنشأ حين يبدأ التطاول من كل جانب واستخدام لغة حوارية أقرب إلى لغة الشارع في قضايا هي من المضنون به على غير أهله أو من قضايا الخاصة وأهل القلم على وجه التحديد مما أوجد حاجة ملحة للأتفاق على لغة مناسبة للتحاور تأخذ في اعتبارها معايير محددة للجودة لاتخرج عنها..
فهل ينطبق مفهوم الجودة على الكتابة الأدبية ؟ ..
ماأثار دهشتي هو أن هذا الأسم عادة مايلتصق بمنتجات صناعية في الغالب ويشير إلى جودة المنتج وسلامة المكونات وتاريخ الصلاحية ..إلخ.. وهي أمور مفهومة في جملتها ولاخلاف عليها..
أما في ميدان الكتابة والإبداع الذهني فإن التسمية تبدو غريبة الوقع على البعض وخارج السياق على البعض الآخر.
فماهي معايير الجودة المطلوبة.. ؟ وكيف يمكننا تحقيقها؟.
ولكي نجيب على هذا السؤال ينبغي اولاً أن نسأل أنفسنا سؤالاً هاماً .
ماهو تعريف الأدب ..؟
ورغم إنني لاأميل ابتداءً للتعريفات المعلبة أو سابقة التجهيز إلا إنني حاولت رسم الخطوط كما أراها لعلاقة الأدب بالجودة، وكيف نحقق غاية الوصول إلى أدب جيد دون أن نقع في ورطة أننا رقباء على الإبداع الذي لاينبغي ان يكون عليه رقيب كما يرى كثير من الناس ومعهم كل الحق.
الأدب في تصوري لايختلف توصيفه عن المنتج الصناعي من حيث كونه منتجاً فكرياً خالصاً يأتي كإفراز أو محصلة لكثير من المدخلات الثقافية والتربوية أو حتى البيئية.
الأدب كمنتج نهائي للنشاط العقلي يساهم في صنعه كل مايدخل إلى العقل من قراءات ومعارف إلى جانب مايستقيه الأديب من البيئة المحيطة.إلى جانب منظومته القيمية والأخلاقية سواء كان مصدرها منظومة القيم الدينية أو منظومة القيم التي تفرزها ثقافة المجتمع الغالبة..
والأدب لايفرق بين المنظومتين الدينية وغير الدينية.. وآية ذلك أن أعمال الملاحدة قد استطاعت ان تجد لها مكاناً بارزاً ومتميزاً في عالم الأدب رغم انها لاترتكز على أي لون من القيم الدينية،فالمهم أن تختلط عناصر التكوين التي أشرنا إليها سالفاً ليخرج إلينا منتج نهائي يراعي ضمن مايراعي ألايصطدم بقناعات الآخرين في رحلة تسويقه لنفسه أو يجرح مشاعرهم او يسفه قيمهم.
فالأديب لايكون أديباً إذا انزلق طوعاً أو كرهاً إلى مواقف شائنة أو استخدم لغة السوقة أو الرعاع وهو مانسميه في هذه الحالة "قلة أدب" في خطابنا الدارج..وبالتالي لاتنطبق عليه شروط الجودة.
ولفظ الأدب قد يلحق بالحوار فيكون لدينا أدب للحوار من شروطه ..حسن الخطاب ، وتوقير الآخر ، واحترام الفروق الطبيعية التي أودعها الله في الناس.فلايجوز حين نتحاور مع من يختلفون معنا أن نتهمهم بالغفلة أو قلة المعرفة أوعدم الفهم فلاأحد عنده مفاتح الغيب أو يحتكر وحده المعرفة والدراية.
لايجوز في أدب الحوار ان نسب أو نلعن أو نستخدم ألفاظاً تخدش الحياء أو تجرح الأحساس وإلا كان من يلجأ لهذه الأساليب بليداً فاقد الحس والإدراك ناقص الذوق والفهم معاً.
ولايجوز في أدب الحوار أن نتزيد أو نتنطع ونستخدم ألفاظاً جارحة أو حتى أقوالاً مأثورة في غير موضعها بحيث تبدو جارحة ومهينة للآخر في سياقها ،كأن نقول مثلاً " إن كنت تدري فتلك مصيبة أو كنت لاتدري فالمصيبة أعظم "،فبالرغم من أن مثل هذا القول يقع ضمن المأثورات إلا أن توجيهه للمحاور يقع في باب السباب الصريح ..فلين الحوار ورقة الحديث يفتحان القلب على مصراعيه فيصبح من نتحاور معه أكثر تهيؤاً لتقبل أفكارنا حتى ولو خالفت قناعاته ..
أما استخدام أساليب العامة والدهماء في الحوار من مثل ..انت لاتفهم !! أو أنت لاتعرف .. فإن من شأن هذه الطريقة أن تعمي البصيرة فلايرى المحاور إلا كرامته المهدرة ومشاعره المبعثرة ويكون اكثر استعداداً لرد الهجوم بمثله أو يزيد لا انتصاراً للحق ولا انحيازاً للعدل وإنما للذات والكرامة قبل كل شئ وهنا يتحول الحوار إلى مايشبه التشابك بالأيدي أو الصراع الذي يبدأ ولاينتهي إلا بهزيمة الجميع.
وأدب الحوار بين المختلفين يخرجهما صديقين متحابين متكاملين حيث لاأحد يمتلك وحده الحقائق المطلقة والحياة كما يقال مثل زهر النرد كل واحد يرى من ناحيته رقماً مختلفاً..بينما قلة أدب الحوار أو انعدامه تنتج أعداءً متنابذين وهي سمة صرنا نراها كثيراً مع الأسف في حواراتنا.
لايجوز في الحوار أن نركب خيلاً أو نمتشق حساماً لنكون او لانكون ولانرضى بغير الأنتصار المظفر و"لمس الأكتاف" لنرفع بعدها أعلامنا على جثث من نتحاور معهم ، بل نعرض حججنا وأسانيدنا بمنطق سليم ولغة مفهومة وعطف على من نتحاور معهم ترجمة لمفاهيم من مثل الخلاف في الرأي لايفسد للود قضية أو كل شئ يؤخذ منه ويرد إلا كتاب الله ..
فإن اختلفنا بعد ذلك فلابأس من تعدد الرؤى والذي يعتبر إثراءً للمناقشات لا خصماً منها وليبق كلٌ على قناعاته ولنقدم مرحبين حسن الظن وحسن الإستماع ورحابة الصدر وسعة الأفق ..
وماأندرها من بضاعة في أيامنا هذه .

حازم زمار
12/04/2008, 09:57 PM
شكراً من القلب دكتور محمد .

المقال غني

يستحق منّا أن نقف أمام إنعكاساته على تصرفاتنا .

مرة أخرى ، من القلب شكراً دكتور محمد .

محبتي

جمال الخطيب
12/24/2009, 02:06 AM
لطالما أحببت الادباء وأحبت كلامهم
وما سطرت سابقاً لايكون إلا من أديب قدير لديه هم العلم ونشره ليكون خالداً
دمت راعياً للعلم و الأدب
تقبل مروري باقة ورد دمشقية

أحمد حسن محمد
06/12/2010, 07:38 PM
نعم، سيدي.. لقد قدمتَ تعريفًا للأدب يفيد على مستويات عدة، ولمست َ قضية مهمة جدًا من حيث النقاش بين طرفين انتقلا من الرفض إلى السب والشتم وألفاظ الدهماء والشوارع..

أعتقد أنها زادتْ في زمننا أكثر، حيث الحرية غير المؤثثة أو المؤسسة على معايير حقيقية وواضحة ..

شكرًا على هذا الدرس الأدبي الأخلاقي الفني الكريم

واحترامي