إبتسام إبراهيم تريسي
12/05/2008, 01:14 PM
احتضنَ سماعةَ الهاتف بدموعه ، هاجمتْهُ طفولةٌ في الصوت لم تلامس أذُنَه فقط ،بل كانتْ مقيمةً هناك تحتَ جلده ، تَفوحُ منها رائحةُ فلٍ وحبق ، ورآهُ يركضُ في البرية القريبةِ حاملاً قطاً بريّاً قذراً ، وآثارَ دماءٍ على كفيه ، ناداه بلهفة وفزع، ردَّ عليه الصوتُ المحايد من سماعة الهاتف :
ـ لم تقل لي يا حاج ، كم نمرةُ قدمك ؟
الصوتُ المحايد يهمسُ بالطلب للمرّةِ المائة ، للمرّة الألف ، لم يعد يدري كم من المرّات سمع هذا السؤال ، سنواتٌ طويلة يَعدُها بالأيام وربّما بالدقائق.
يتطلّع إلى قدميه ، يحدّق فيهما ملياً ، يقول متنهداً: يا لك من عجوز تقف عند حدود الأمس ولا تتطور ، ما زالت قدمك تحافظ على النمرة نفسها!
في كلِّ مكالمةٍ يسألهُ ذلكَ الصوتُ الذي لا ينتمي إلى حواسه السؤال نفسه ، وفي كلِّ مرّة يرددُ الإجابةِ ذاتها المصحوبةِ بتنهيدةِ الزمنِِ المر : آه لو أنّها تتغيّر !!
طعنتْ مشاعرَهُ الهَرِمَةْ حرقةٌ مزمنة، و سالتْ الدموعُ مغطيةً لحيتَه البيضاء .
انتزعتْ ابنتُه السّمّاعةَ من يده ، بلهفةٍ سألتْ أخاها عن الزوجة الّتي لا تعرفها إلى الآن، عن الأولاد ، وعن .. و ...
وتوقف صوتُها منصتاً لتذمره ، كان صوتُه المحايد يسأل :
ـ أما زالتِ الطرقاتُ عندنا مليئةً بالحُفَر ؟ ، والماءُ ؟ من أينَ تحصَلونَ عليه ؟ أيوجد عندكم سخّان ؟ أما زلتم تقفون في الطابور لشراء الخُبز ؟ أم تخبزون على التّنور ؟ أنا قلق، زوجتي تريد زيارة البلد ، و أخشى أن ...
كالعادة أُسقط في يدها ، ماذا تقول ؟ كيف تفصّل مدينةً جميلةً على مقاس الزوجة الأسبانية المثقفة وزوجها الطبيب الذي لم يعد يذكر الخنَ والدجاجَ ، والبراري ، وخبزَ التّنور ، والسيرَ حافياً في الأزقة الموحلة ، ومطاردة الأرانب ، وجز الحشائش لتصنعَ أمُه منها وجبة غداء!
أمه المُقعَدة بقيتْ في كرسيّها بعيداً ، ترفضُ تناولَ السّمّاعة والدّموعُ تبللُ صفحاتِ القرآن في حضنها . الصوتُ المحايد يهمسُ لأخته :
ـ لا بأس اتركيها على راحتها .
يحضن الأب سُبْحتَه وينزوي مع ذكرياته أمام البابِ المتداعي ، يخيّل إليه أنّه يرى ابنه منحدراً من رأس الزقاق ، بخطاه المتعثرة فرحاً ، يلوّح بيده حاملاً شيئاً ما .. كان دائماً يفرحُ بالأشياء البسيطة ، يرميها في حجر والده بفخر ، ويباهي رفاقه بها ، عشبةٌ غريبة ، حطبٌ يجمعه من البرية ، تنكٌ فارغ ، وسحالي ، وسلحفاةٍ غضة ! مازال وجههُ ينضحُ بالعرق ، يعلوه احمرارٌ وألق..
في المدرسة كان يباهي بأنّه الأوّل دائماً رغم هُزاله وقامته القصيرة ! حين أصبح في الجامعة كان لا يراه إلاّ ليطلب المصاريف الّتي تؤمنها أختُه المنكفئة على ماكينة الخياطة .. و .. يتنهد بحسرة لا يملك سواها!
يقف موزعُ البريد أمامه فرحاً ، يرفعُ إليه عينين ضعيفتي النظر ، يبتسم موزعُ البريد وهو يلوّح بما في يده :
ـ طردٌ لك يا حاج من بلاد الأجانب ، إنّه من الحبيب الغائب .
تسقطُ السبحة ، تنهضُ قامتُه المنحنيةُ مستقيمةً بفرحها ، يتناولُ الطردَ بيد ٍ مرتعشة ، يهمسُ تلك الكلمات الّتي كررها الصوتُ المحايد في الهاتف : ( حذاء إيطالي ، جلد طبيعي ، مئة بالمئة ، مائة بالمائة يا حاج ! ).
دخلَ البيت ، أخرجَ الهديةَ الغالية ، تساقطَ فرحُه على رؤوس العائلة ، تهلّل وجه ابنته ، توقفت يد الحاجة عن عد حبات السبحة والأيام المنقضية ، جلدٌ دافئٌ ناعمٌ ، لونُه بلونِ طين القرية ، بلون الشتاء البارد ، هذه المرّة لم ينس ابنه الحبيب النمرة .. لم ينس النمرة ..
وضعَ فردتي الحذاء أرضاً ، كلتاهما كانت للقدم اليسرى !
.....
1/ 2 / 2003
ـ لم تقل لي يا حاج ، كم نمرةُ قدمك ؟
الصوتُ المحايد يهمسُ بالطلب للمرّةِ المائة ، للمرّة الألف ، لم يعد يدري كم من المرّات سمع هذا السؤال ، سنواتٌ طويلة يَعدُها بالأيام وربّما بالدقائق.
يتطلّع إلى قدميه ، يحدّق فيهما ملياً ، يقول متنهداً: يا لك من عجوز تقف عند حدود الأمس ولا تتطور ، ما زالت قدمك تحافظ على النمرة نفسها!
في كلِّ مكالمةٍ يسألهُ ذلكَ الصوتُ الذي لا ينتمي إلى حواسه السؤال نفسه ، وفي كلِّ مرّة يرددُ الإجابةِ ذاتها المصحوبةِ بتنهيدةِ الزمنِِ المر : آه لو أنّها تتغيّر !!
طعنتْ مشاعرَهُ الهَرِمَةْ حرقةٌ مزمنة، و سالتْ الدموعُ مغطيةً لحيتَه البيضاء .
انتزعتْ ابنتُه السّمّاعةَ من يده ، بلهفةٍ سألتْ أخاها عن الزوجة الّتي لا تعرفها إلى الآن، عن الأولاد ، وعن .. و ...
وتوقف صوتُها منصتاً لتذمره ، كان صوتُه المحايد يسأل :
ـ أما زالتِ الطرقاتُ عندنا مليئةً بالحُفَر ؟ ، والماءُ ؟ من أينَ تحصَلونَ عليه ؟ أيوجد عندكم سخّان ؟ أما زلتم تقفون في الطابور لشراء الخُبز ؟ أم تخبزون على التّنور ؟ أنا قلق، زوجتي تريد زيارة البلد ، و أخشى أن ...
كالعادة أُسقط في يدها ، ماذا تقول ؟ كيف تفصّل مدينةً جميلةً على مقاس الزوجة الأسبانية المثقفة وزوجها الطبيب الذي لم يعد يذكر الخنَ والدجاجَ ، والبراري ، وخبزَ التّنور ، والسيرَ حافياً في الأزقة الموحلة ، ومطاردة الأرانب ، وجز الحشائش لتصنعَ أمُه منها وجبة غداء!
أمه المُقعَدة بقيتْ في كرسيّها بعيداً ، ترفضُ تناولَ السّمّاعة والدّموعُ تبللُ صفحاتِ القرآن في حضنها . الصوتُ المحايد يهمسُ لأخته :
ـ لا بأس اتركيها على راحتها .
يحضن الأب سُبْحتَه وينزوي مع ذكرياته أمام البابِ المتداعي ، يخيّل إليه أنّه يرى ابنه منحدراً من رأس الزقاق ، بخطاه المتعثرة فرحاً ، يلوّح بيده حاملاً شيئاً ما .. كان دائماً يفرحُ بالأشياء البسيطة ، يرميها في حجر والده بفخر ، ويباهي رفاقه بها ، عشبةٌ غريبة ، حطبٌ يجمعه من البرية ، تنكٌ فارغ ، وسحالي ، وسلحفاةٍ غضة ! مازال وجههُ ينضحُ بالعرق ، يعلوه احمرارٌ وألق..
في المدرسة كان يباهي بأنّه الأوّل دائماً رغم هُزاله وقامته القصيرة ! حين أصبح في الجامعة كان لا يراه إلاّ ليطلب المصاريف الّتي تؤمنها أختُه المنكفئة على ماكينة الخياطة .. و .. يتنهد بحسرة لا يملك سواها!
يقف موزعُ البريد أمامه فرحاً ، يرفعُ إليه عينين ضعيفتي النظر ، يبتسم موزعُ البريد وهو يلوّح بما في يده :
ـ طردٌ لك يا حاج من بلاد الأجانب ، إنّه من الحبيب الغائب .
تسقطُ السبحة ، تنهضُ قامتُه المنحنيةُ مستقيمةً بفرحها ، يتناولُ الطردَ بيد ٍ مرتعشة ، يهمسُ تلك الكلمات الّتي كررها الصوتُ المحايد في الهاتف : ( حذاء إيطالي ، جلد طبيعي ، مئة بالمئة ، مائة بالمائة يا حاج ! ).
دخلَ البيت ، أخرجَ الهديةَ الغالية ، تساقطَ فرحُه على رؤوس العائلة ، تهلّل وجه ابنته ، توقفت يد الحاجة عن عد حبات السبحة والأيام المنقضية ، جلدٌ دافئٌ ناعمٌ ، لونُه بلونِ طين القرية ، بلون الشتاء البارد ، هذه المرّة لم ينس ابنه الحبيب النمرة .. لم ينس النمرة ..
وضعَ فردتي الحذاء أرضاً ، كلتاهما كانت للقدم اليسرى !
.....
1/ 2 / 2003