المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجاءا.. لا تقترب من شاب عاطل


مصطفى بونيف
05/05/2010, 06:11 PM
كتب مصطفى بونيف

رجاءا.. لا تقترب من شاب عاطل !


قبل أن تلبس ثوب الواعظين وتبدأ في قراءة كتاب وصاياك العشر على المخلوق الذي يقف أمامك كالفأر المبلول ..لا بد أن تجعل لسانك يدور بين فكيك سبعة أشواط ...لأن بعض النصائح قد تأتي بنتيجة عكسية.
سمعت شيخا يتكلم بوقار إلى أحد الشباب العاطلين عن العمل ، كان الشيخ أشبه بالأرواح الطيبة التي نراها في الأعمال الدرامية ..خير اللهم اجعله خيرا يلبس أبيضا على أبيض، ووجهه يشع نورا من كثرة الجلوس في الظل، وهو نور طبيعي لشيخ يقضي ليله قائما ونهاره نائما ..من الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر ..قال الشيخ للشاب العاطل : " لماذا لا تعمل يا ابني، ألا تعرف بأن العمل عبادة ؟".
رد الشاب يائسا : " لم أجد عملا يا سيدنا الشيخ !".
اعتدل الشيخ في جلسته كأنه اكتشف سر القنبلة النووية :"هذا لأنك لم تطلب العلم، فلو تعملت جيدا في المدارس لكنت من إطارات هذا البلد الأمين، ألا تعلم بأن العلم عبادة ؟".
اعتدل الشاب هو الآخر في جلسته ورد بتعب: " أنا معي ليسانس في العلوم الشرعية من الجامعة ".
تغير لون الشيخ من الأبيض إلى البرتقالي ..وتذكر بأنه لا يحمل أكثر من السرتافيكا، وشهادة الشيخ عبد الجبار بأنه يحفظ آيات بينات من القرآن الكريم.
ثم انفجر فجأة في وجه الشاب المسكين .." شهادات هذه الأيام لا تساوي شيئا خاصة شهادات الجامعة."
رد الشاب في قرارة نفسه "لكن العلم عبادة !".
واصل الشيخ موعظته بعد أن استعاد ثقته في نفسه وبعد أن مسح بشهادات الجامعات بلاط الجامع "ثم لا يجب أن تنتظر الدولة لكي توظفك عليك بالسعي والبحث عن الرزق بدل الكسل الذي أنت فيه، أبواب الرزق مفتوحة لمن يطرقها...هل جربت السفر إلى الخارج، ألا تعلم بأن السفر عبادة؟" .
أخرج الشاب من جيبه جواز السفر، ثم قال " جربت كل سفارات الموجودة في العاصمة، لا توجد واحدة قبلت أن تمنحني التأشيرة، أما سفارتي أمريكا و بريطانيا فلقد هاجمني حرس السفارتين بالرصاص قبل الاقتراب منهما، بدعوى مكافحة الإرهاب ، ثم سلموني إلى النيابة التي بهدلتني ولم تفرج عني إلا بكفالة ..".
رد الشيخ متحديا : - وما الذي يجعلك تسافر إلى بلاد الكفر، بلاد المسلمين واسعة ورزقها وفير.
ضحك الشاب ساخرا :- بلاد المسلمين، العراق واليمن ولبنان ومصر وسوريا والسودان والأردن وفلسطين؟...
قاطعه الشيخ: "خير بلاد الله !"
مسح الشاب دموعه التي فاضت من كثرة الضحك ثم قال " هم في رباط إلى يوم الدين ".
تنحنح الشيخ وقال : " ليس شرطا أن تسافر إلى الشرق الأوسط ، اذهب إلى الخليج العربي هناك يسر الله لهم النعم وفتح عليهم أبواب الخير ".
- تقصد الإمارات والمملكة السعودية ، والبحرين وقطر والكويت ودول مجلس التعاون ؟.
أجب الشيخ واثقا : " أي نعم ، خير بلاد الله ".
رد الشاب ساخرا مرة أخرى : " لقد أقسم أعضاء مجلس التعاون يمين طلاق بائن بينونة كبرى بعدم استقبال اليد العاملة القادمة من البلاد العربية الأخرى، حتى أن الحصول على تأشيرتي أمريكا و بريطانيا أصبحتا أسهل من الحصول على تأشيرة سفر إلى الخليج العربي الشقيق ، في زمنكم يا عمي الشيخ.. كان الرجل يركب حمارا ويسافر من المغرب إلى الحجاز ويقضي فريضة الحج، والآن يجب أن تعمل بهلوانا وتقف على شعر رأسك حتى تمنح لك تاشيرة الحج".
تأفف الشيخ ثم قال: "ما بها دول المغرب العربي ، خيرها كثير وربنا بارك فيها؟".
همس الشاب بما يشبه الصراخ:" ألا تسمع عن الشباب الذين يقضون غرقا في البحر الأسود المتوسط؟، ليفتي أمثالك بأنهم ماتوا على معصية الحكام ولا يجوز الصلاة عليهم لأنهم في حكم المنتحرين" .
تغير لون الشيخ من البرتقالي إلى الأحمر، ثم قال : " لقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرجل يخرج إلى الغابة فيحتطب ويبيع رزمة الحطب خير له من البطالة".
رد الشاب في يأس.." لقد حاولت أن أعمل بهذا الحديث الشريف، لكن شرطة الغابات قبضت علي وبهدلوني كل البهدلة، وتم توجيهي إلى النيابة التي لم تفرج عني إلا بكفالة ".
- ليس الحطب شرطا يا ولدي، هناك أشياء أخرى بإمكانك أن تقلب رزقك فيها.
- لقد سبق لي أن فتحت محل ساندوتشات (بيض)، وأوقفتني شرطة الاستهلاك بهدلوني ثم سلموني إلى النيابة ولم يفرجوا عني إلا بكفالة .
أسند الشيخ رأسه إلى عمود المسجد وبدأ يحوقل بشفتين تتحركان بسرعة كأنه تعرض لصعق كهربائي، ثم صرخ " وجدتها !".
انبسطت أسارير الشاب .."ماذا وجدت يا سيدنا الشيخ؟".
- تزوج ، لقد أخبرنا الصحابي الجليل عمر بن الخطاب بأن الزواج أحد أسباب الرزق، وقال عجبت لمن يطلب الرزق ولم يتزوج، تزوج يا ولدي ألا تعلم بأن الزواج عبادة؟ .
ابتسم الشاب في مرارة " ومن هذا الذي يزوج ابنته لشاب عاطل عن العمل؟ ، ومع ذلك سبق لي أن تقدمت لأطلب يد ابنة أحد الفاضلين، الذي كاد أن يرتكب جناية قتل عندما عرف أنني على باب الله ، ثم سلمني إلى الشرطة بتهمة التحرش ، أخذوني إلى النيابة، ولم أخرج منها إلا بكفالة وتعهد كتابي بعدم التعرض إلى أية فتاة حتى أجد لي عملا ".
بدأ الشيخ يضرب برأسه على عمود الجامع، ثم نظر إلى الشاب وهو يقول " لم يبق أمامك سوى الانتحار ، انتحر يا ولدي ألا تعلم بأن الانتحار أحيانا يكون عبادة !".
همس الشاب في أذن الشيخ، " أنا ألبس حزاما ناسفا يلتف حول وسطي، ولا زلت أبحث عن المكان المناسب الذي سأنفجر فيه لأقابل الله شهيدا، وأخاف أن يقبض علي الأمن بتهمة الإرهاب..ساعتها هل تعتقد بأنهم سيفرجون عني بكفالة ؟".
تلون وجه الشيخ من الأبيض إلى الأصفر إلى البرتقالي إلى الأحمر ..إلى الأزرق النيلي ...

مصطفى بونيف

زينة عادل
05/05/2010, 07:34 PM
أديبنا مصطفى

لله درك ما أجمل هذا النص

رجاءاً لا تبخل علينا بمدرار قلمك الراقي

لقلبك باقات من الجوري

سارة مرتضى
05/05/2010, 07:47 PM
أديبنا / مصطفى بونيف
أسلوب سلس شدني من أول حرف
يحكي عن واقعٍ أليم
همسة:
/
(من الآن سأخذ حذري من الأقتراب من أي شابٍ عاطل عن العمل)

مودتي ومتابعة لحرفك الجميل

عبد الواحد جنيدو
05/27/2010, 05:14 PM
بعد قراءة هذه القصة الساخرة الرائعة
لم أستطيع تقدير تكلفة إخلاء السبيل بكفالة مالية وانت لا تملك
حتى فلساً عربياً من فلوسنا المهدورة في بنوك الغرب ودار البغاء
والترويج للفن المنحط والمحطات المنحطة التي كثر فيها الواعظين ،وانت يا حسرتي المشحر المعتر عاطل عن الشغل!!
لكن لما لم يقل لك أن كثرة الكلام في هذه المحطات من قبل من يتحدثون عن الحيض والنفاث في نفس اللحظة
التي تقصف بها غزة وتغتصب شريفات بابل في أبو غريب؟؟
أليس هذا أيضاً عبادة في اشتهاداتهم ..
أجدت وبكل روعة جزء بسيط من بهادلنا العربية لكن المهازل كثيرة
أخي مصطفى بونيف
من أجمل ما قرأت لحد الان في هذا الموقع الراقي
لك كل التقدير
مع مزيد من المساخر.

أحمد حسن محمد
05/30/2010, 10:56 AM
واقع ساخر جدًا حتى من نفسه ما دام في الدول العربية، أخي الحبيب الأستاذ مصطفى كان لطفًا منك أن أكرمتنا بقراءة هذا النص في الحكايا، وأنا أعرفك منذ "فضفضة" وما زلتَ بنبلك وبهاء رؤاك واهتمامك بقضايانا، إلا أني يا أخي لم أحب كثيرًا أن يكون هذا الرجل الشيخ رمزًا للمتدينين ، وقد ساد ذلك الرمز في قصصنا ورواياتنا المصرية على الأقل في الجيل السابق، حيث كان شيخ المسجد هو رمز التناقضات المطاع الذي لا يعمل الناصح الذي لا يعمل بنصيحته وهذه الأشياء..
أرجو لو تكرمتَ وزدتنا نصوصًا في بهاء المتدينين لا في تخلف أفراد قلائل منهم؟؟

همسة كيبوردية:
رجاءا.. = رجاءً

أبيضًا في أبيض= أبيض في أبيض

أما سفارتي أمريكا = سفارتا

لا زلت= ما زلت


تحيتي واحترامي

بهجت الغباري
06/24/2010, 12:05 PM
خيال وخيال

رائعة

بهجت

ماجدة صبّاح
08/31/2010, 12:11 AM
هههه ... موجودون بكثرة عندنا !

شكرا جزيلا