هشام آدم
12/07/2008, 11:07 AM
الله والشيطان في الريس عمر حرب
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/raists4.jpg
بقلم: هشام آدم
فيلم "الريس عمر حرب" هو فيلم مصري من إنتاج الباتروس للإنتاج الفني وإخراج خالد يوسف وبطول كل من: الفنان الشاب هاني سلامة، والفنان المتميّز خالد صالح، والفنانة سميّة الخشاب؛ وباقة من الفنانين السينمائيين المصريين. تدور أحداث هذا الفيلم حول شاب يُدعى (خالد) وقام بتجسيد دوره الفنان الشاب هاني سلامة. تتلخص حكاية الفيلم في اضطرار خالد إلى العمل في كازينو للقمار من أجل أن يُحقق هدفاً محدداً في حياته؛ وهو الزواج من حبيبته، ولكن؛ وبمجرّد استلامه للوظيفة في الكازينو يبدأ في الانسلاخ تدريجياً من حياته الأسرية والعاطفية والاجتماعية؛ إذ يرفض الجميع معرفته بسبب عمله الذي يعافه المجتمع، ويعتبر مكسبه حراماً، ولكنه وبطريقة عبثية تماماً يُقرر أن يواصل في هذه المهنة، وفي ذلك المكان؛ لتتواصل بعدها مشاهد الفيلم وأحداثه الشيّقة. ليعيش خالد حياة جديدة كلياً عما اعتاد عليه. حياة مليئة بالحكايا والقصص المثيرة والمحزنة والمخيفة، مستفيداً مما يتعلمه من رئيسه المباشر في العمل (عمر حرب) الذي اعتبره قدوته ومثله الأعلى. كان مجرّد موظف عادي، ولكنه كان يملك دافعاً وموهبة للتفوّق والتميّز، وكان دافعه في كل ذلك هو الطموح. طموحه بأن يُصبح كرئيسه في العمل، وأراد أن يكون (إله الحظ) فتعلّم القمار، وتعلّم كيف يُمكنه أن يتحكم في دوران طاولة الرويليت، ليس فقط ليكون كعمر حرب، ولكنه كان يمتلك دافعاً شخصياً وهو الانتقام من أحد العملاء الذي أهانه إهانة بالغة.
يبدأ الفيلم بنزول عمر حرب (الذي قام بتجسيد دوره بمهارة فائقة الفنان خالد صالح) من سيارة فارهة جداً، ودخوله الكازينو في أبهة أوضحتها الكاميرا من مشاهد الموظفين المصطفين بكل أدب واحترام. يدخل (عمر) على مجموّعة جديدة مكونة من عشرة شباب (من الجنسين) تعيّنوا حديثاً في الكازينو الذي يديره. كل أحادث الفيلم تدور داخل هذا الكازينو وحوله. يبدأ عمر حرب بشرح قوانين العمل والتعامل مع العملاء للموظفين الجدد. ولا يغيب عنا جميعاً ونحن نتابع هذا الحديث بين رئيس العمل والموظفين الجدد، الإخلاص الشديد الذي يتكلّم به خالد صالح وإبداعه في تجسيد شخصية الريس عمر حرب. وربما –وهذا رأي شخصي- كان الفنان خالد صالح أحد تلاميذ مدرسة الفنان القدير يحيى الفخراني القائمة على المصداقية الشديدة والإخلاص في العمل، وينتمي إلى هذه المدرسة عدد لا بأس به من الممثلين كالأستاذ الراحل أحمد زكي، والراحل محمود مرسي وغيرهما. وفي اعتقادي الخاص كذلك، أن الفنان خالد صالح يمتلك موهبة تمثيل جبارة تجعله قريباً يتربع على عرش السينما المصرية بل والعربية بكل جدارة. فهو فنان له القدرة على التحرك داخل مساحة الشخصيات التي يقوم بتجسيد دورها ببراعة شديدة، ولن أقول بأنه يُضفها لها رونقه الخاص، لأنني بذلك سأكون قد هضمته حقه، فهو فنان متعدد المواهب، ويمتاز بكاريزما استثنائية تؤهله للقيام بأي دور والنجاح فيه: دور رجل فقير، أو دور رجل غني فاحش الغنى. القيام بدور الشرير، أو دور رجل طيّب وكل هذه الأدوار يقوم بها بإبداع منقطع النظير.
يشتغل خالد في الكازينو وفي خلال عمله يتعرف بالمصادفة على (زينة) ويُقيم معها علاقة جنسية دون أن يستشعر تجاهها بأية عاطفة، ويتعرف كذلك على (حبيبة) التي يحبها بإخلاص من كل قلبه. كانت زينة إحدى المومسات اللواتي تعمل في الكازينو سيدة مطلقة ولديها ابنة واحدة، وحبيبة سيدة متزوجة من رجل مريض بداء السرطان. تسعى حبيبة جاهدة لجمع المال اللازم لعلاج زوجها، ويُقرر خالد مد يد العون لها، وذلك بمساعدتها على الربح على طاولة القمار، وعندما تعرف زينة بأمر علاقته بحبيبة تثور عليه وتحاول قتله، ولكن عاطفتها الجارفة تجاهه تمنعها من ذلك. يُقرر خالد بعدها الاستمرار في علاقته مع زينة ومضاجعتها كلما أرادت ذلك، ويحتفظ بمحبته لحبيبة ويمد لها يد العون في كل مرة. إلى أن يكتشف بالصدفة المحضة؛ أن حبيبة لم تكن تودع المبالغ التي كان يُعطيها لها في خزينة المستشفى، وعرف أنها كانت تبتزه فقط. عاش خالد حياة قاسية مليئة بالخوف والوحدة وكانت تتناوشه الأحلام المزعجة في كل حين، وحتى عندما أتقن حرفة القمار، وتعلم كيف يُمكنه السيطرة على عجلة الروليت، أصبحت نوبات تأنيب الضمير تأتيه من حين لآخر لأنه كان سبباً في إتعاس الكثيرين.
وفي نهاية الفيلم يكتشف خالد أن كل ما يدور من حوله، ما كان إلا مجرّد تمثيلية من صنع الريس عمر حرب، الذي كان قد خطط لأول مقابلة له مع زينة، وأنه كان وراء تعرّفه على حبيبة. ولكنه رغم صدمته لم يستطع أن يتخلى عن العمل في الكازينو، كان الريس عمر حرب يُحيطه بكل عطف ورعاية رغم ما يبدو عليه من قوة وجبروت. وهنا تتضارب المشاعر الإنسانية، ويشعر خالد أنه لا مهرب له من مديره إلا الارتماء بين أحضانه، والاستسلام له، ولرغبته في أن يكون له ذلك الابن الذي طالما تمناه دائماً.
وفي الحقيقة فإن ثمة مشاهد كثيرة جداً في هذا الفيلم تستحق التوقف عندها؛ في محاولة لإعادة قراءتها، وفهمها بطريقة صحيحة أو عميقة، ومن تلك المشاهد: المشهد الأول الذي تحدثنا عنه الآن، والذي ينتهي بجملة شديدة العمق إذ يقول فيها (عمر) لمجموعة الشباب: (لبس الديلر زي الكفن، مالوش جيوب، والكازينو زي الدنيا تدخلها عريان، وتخرج منها عريان) ثم يبدأ الموظفون بعد ذلك في استلام مواقعهم، ومباشرة عملهم في الكازينو. وكان الكازينو دنيا كاملة بالفعل، بكل ما فيها من أصناف البشر وطبائعهم المتناقضة والمتقاطعة، بكل مذاهبهم ومشاربهم: المصري وغير المصري، العربي وغير العربي، المسلم والمسيحي، الرجال والنساء. كان الكازينو فعلاً تجسيداً مصغراً (ولكن متقناً) للدنيا.
وقبل أن نحكي قصة الفيلم لابد لنا من الإشادة بالرؤية الإخراجية التي تعامل بها المخرج خالد يوسف مع هذا الفيلم، والذي كان له دور كبير جداً في تجسيد الملامح الفلسفية التي يستهدفها الفيلم. وربما استفاد خالد يوسف من أستاذه وأستاذ المخرجين العرب (المخرج الراحل) الأستاذ يوسف شاهين في تقنيات التصوير المتقنة، والتي تهتم بالتفاصيل، وتُركز ليس على الجانب السينمائي للمشاهد فحسب؛ وإنما على الجانب الإنساني كذلك، يُبدع خالد يوسف كثيراً في تسخير الكاميرا،وتطويعها إلى أداة ناطقة في المشهد. ومن ذلك مشهد إزاحة الستارة الحمراء بعد انتهاء الريس عمر من توجيهاته للشباب، وانفتاحها على عالم الكازينو الذي يضج بالحركة والحيوية، بعد جو من الهدوء والتوتر الذي كان يكتنف ذلك الاجتماع السريع. وهذه الخاصية تميّز بها الأستاذ يوسف شاهين، وكانت إحدى السمات الأساسية المميزة لأفلامه.
الفيلم عبارة عن قصة الشاب خالد الذي يحكيها لنا بنفسه من خلال تقنيات السرد داخل الفيلم. بدأ المخرج خالد يوسف في استخدام هذه التقنية مع بداية الفيلم مباشرة، حيث جاء على لسان بطل الفيلم: (كانت كلمة كازينو بالنسبة لي حاجة زي الموالد: ناس صايعة بتلعب قمار، وملك وكتابة. لقيتهم حاجة تانية خالص) وهي تقنية جيّدة وجديدة على السينما العربية، ولا نجد هذه التقنيات مستخدمة بكثرة في كثير من الأفلام. وربما عرفت السينما العربية هذه التقنية في بواكير هذه الألفية. كما تظهر ألمعية المخرج خالد يوسف في حركة الكاميرا بين أعداد كبيرة من الناس داخل الكازينو، بحيث تبدو الحركة وكأنها تستنطق المكان تماماً، وهو يعرف تماماً كيف يوظف الكاميرا في حالات كهذه، كما يعرف تماماً كيف يستثمر الممثلين وحتى الكومبارس من حيث أماكن وقوفهم، والزوايا التي تتناولهم بها الكاميرا؛ تماماً كتوظيفه للكاميرا أثناء الحوار الذي كان بين خالد وعمر حرب عندما كان يخبره برغبته في أن يكون له ابنه له نفس ذكائه وشبابه. كانت الكاميرا تدور في شكل نصف دائرة متوازية تماماً مع استدارة الطاولة التي كان يجلسان عليها. تبدأ الكاميرا دورانها من نقطة خالد وتلتف حتى تنتهي في النقطة المقابلة؛ حيث يجلس فيها عمر حرب، وهو توظيف ممتاز للكاميرا، تتناسب مع نسق الحوار، حيث أن رؤية الطرفين هامة جداً.
ومن الجوانب المثيرة التي استطاعت الكاميرا رصدها بحرفية عالية جداً (وهذا لا يعود الفضل فيه للمخرج فقط وإنما للمثل كذلك) ذلك المشهد الذي كان عمر حرب فيه يختبر قدرات الموظفين الجدد في الحساب. كانت الكاميرا تأخذ المشاهد من خلف الموظفين، وعندما جاء الدور على (خالد) التقطت الكاميرا -دون أن تتحرّك أو أن تغيّر زاويتها- حركة أصابعه المتهيّبة وهو يستعد لتلقي أولى أسئلة رئيسه. (كانت الأسئلة عبارة عن عمليات حسابية) هذه الحركة لم تكن لتصدر أبداً بتلقائية وعفوية إلا من خلال ممثل متمكن يعلم تماماً أن التمثيل لا يشترط فقط وقوفه أمامها، ولكن –وكما كان الفنان الكبير الراحل: أحمد زكي يقول دائماً- : يجب أن تتعلّم أن تمثل بظهرك أو قفاك، لأن تعابير الجسد واحدة سواء من الأمام أو من الخلف، ووقوف الكاميرا خلف الممثل لا يعفيه أبداً من القيام بدوره على الوجه الأكمل؛ كما لو كانت الكاميرا أمامه مباشرة. غير أن الفنان هاني سلامة -في ذات المشهد- أخفق قليلاً عندما فضح نفسه بحركة شفاهه التي أظهرت أنه لا يُجيب عن الأسئلة، وإنما يؤدي دوراً تمثيلاً؛ فقد كانت حركة الشفاه أسرع ببضع أجزاء من الثانية وهو يقول (6250). فعندما تجري عملية حسابية، لا يُمكن أن تتحرك شفاهك بالإجابة قبل أن تكتمل العملية الحسابية في الدماغ تماماً، بل على العكس؛ بعد أن تُنهي الدماغ عمليته الحسابية، يُعطي الدماغ إشارات عصبية للفم لينطق بالإجابة، ولكن ما حدث من (خالد) كان يبدو أنه استنطاق لإجابة كان يعرفها مسبقاً؛ رغم أنه لم يُظهر هذا الاستعجال في الإجابة على الأسئلة السابقة.
ونفس الخطأ وقعت فيه ممثلة كانت تؤدي دور عاملة طاولة (تيلر) إذ تسرّعت كثيراً في التعبير عن ردة فعلها عندما أراد أحد العملاء لمس أحد أثدائها، كانت ردة فعلها سريعة لدرجة توحي بأنها كانت تعلم تماماً بما سيحدث، ولكنني أجد لها العذر لأنها ليست ممثلة محترفة، بينما لا يُعفى ممثل مثل هاني سلامة في مثل هذا الخطأ، والذي وقع فيه كذلك الفنان شريف منير في فيلم (الكتكات) أمام الفنان الكبير محمود عبد العزيز. كان الفنان محمود عبد العزيز يجسّد دور شيخ ضرير؛ بينما جسّد الفنان شريف منير دوره ابنه. كان الابن يقف خلف والده الظهير، وأبدى ردة فعل استباقية عندما التفت والده إليه ليطبع صفعة قوية على جبينه.
اختلطت أفكار كثيرة جداً في هذا الفيلم بين الجوانب الإنسانية العاطفية، والجنسية، والمادية الجشعة، ومحاولات خلق علائق رومانسية للحد من سطوة الجمود الفلسفي الذي يكتنف قصة الفيلم، ولكن حتى تلك الإحالات العاطفية كان لها معنى ساهم كثير في تدعيم توجهات الفيلم الفلسفية شديدة الحضور. حاول الفيلم منذ البداية إظهار الريس عمر بمظهر خارق وهذا المعنى هو ما تقوم عليه قراءتي المتواضعة للفيلم. فالريس عمر إضافة إلى هوايته -غير المخفية- في مراقبة الموظفين عبر كاميرات موزّعة على المكان؛ فهو يمتاز بالملاحظة الدقيقة لكل ما يجري حوله، ولكل ما يصدر من الموظفين من تصرفات، حتى تلك التي تبدو في شكل سرّي: كسرحان الموظفين، واختلاسهم النظر لما يجري من حولهم. وكذلك قدرته الخارقة التي تكمن في عينيه، ومن ذلك تحكّمه في البلية وحتى حركة السلندر، وكذلك ما حكاه عن خالد من موقفه من الكلاب التي سلّطها أحد أعدائه عليه، وقدرته العجيبة في إيقاف الكلاب، وتهدئتهم، وإعادتهم مرة أخرى بمجرّد نظرة من عينيه. كل ذلك يُعطي لعمر حرب مواصفات غير عادية وتجعله من شخصية مريبة ومخيفة فعلاً، والسؤال هنا هو: لماذا؟ لماذا أراد خالد يوسف أن يظهر عمر حرب بهذه الشخصية؟ وهذا ما سأحاول الإجابة عليه من خلال هذا المقال.
من الأسئلة التي طرحت نفسها عليّ وأنا أتابع الفيلم، هو حديث (خالد) عن حياة الكازينو وتقسيماتها والتي لا تتاح لشخص جديد على المكان أن يعرفها إلا بعد مرور وقت طويل، ومن ذلك ما كان يحكيه هو بنفسه في قوله: (الكازينو ده في شلّتين: شلّة عمر حرب؛ أو الريس زيّ ما بيسموه، وده ما حدش عارف مستمد قوتو منين. وشلة مونير موني واللي بيسندو المدير الأجنبي) ثم يبدأ بشرح طبيعة العلاقة القائمة بين هذين الشلّتين بقوله (الشلتين بكرهو بعض) ويستفيض في سرد تاريخ هذا العداء بين الاثنين، ولو أن هذا السرد تأخر قليلاً لقلنا أنه تمكن خلال هذه الفترة أن يعرف هذه التفاصيل، ولكن هذا الحديث جاء في أول يوم باشر فيه (خالد) العمل، وتحديداً بعد مشهد شرح فيه خالد عدم اعتياده على الحياة الليلية وكيف أن عمر حرب أيقظه من غفوته خلال الاستراحة بسكب الماء البارد عليه، وليس من المنطقي أن يكون خالد وقتها قد تعرّف على هذه التفاصيل. وربما كان من المنطقي أن يحكي (خالد) ذلك على لسان آخرين ممن سبقوه في العمل في الكازينو، كما فعل في أكثر من مرة عندما كان يحكي عن عمر حرب كقوله مثلاً (بيقولوا كمان إنو قتل أبوه وورث منو ثروة كبيرة)
ومن هذه الأسئلة كذلك هو وضع عمر حرب من الكازينو، فأنا شخصاً لم أعرف ما إذا كان مالكاً له أم مجرّد مدير عليه. ففي حديث (خالد) عن انطباعاته الأولية يقول عن عمر حرب: (هو المدير الوحيد اللي سمّوه الريس دوناً عن باقي المديرين) وكذلك قوله( أول واحد جا هنا الكازينو، حافظو حتة حتة) مما يُشير إلى أن الكازينو مملوك لشخص آخر، وأن عمر حرب ما هو إلا مجرّد مدير، ولكن بقدرات متميّزة وشخصية مُلغزة.
ومن الإلماحات الجميلة في هذا الفيلم: الإشارة إلى ارتياد بعض الأمراء العرب للكازينوهات وصالات القمار؛ كشخصية (الأمير حمد) الذي ظهرت في الفيلم وهو شخصية ماجنة لا تتورع في عمل أيّ شيء؛ طالما أنها تعلم تماماً أنها تملك القوة والسلطة على فعل ذلك. وربما تناولت أفلام كثيرة موضوع الشخصية العربية أو الخليجية بالتحديد وما تقوم به في المجتمع المصري لاسيما في صالات الديسكو والكازينوهات وصالات القمار، ولكن وحسبما أذكر أنه لا يوجد فيلم واحد تناول الشخصيات الاعتبارية في هذه البلدان. ففيلم كفيلم (كباريه) أو (خالتي فرنسا) يتناول هذه الظواهر بطريقة سطحية وعابرة، ولكنها تحاول فيها تجسيد ما يحدث في الواقع، إلا أنها رغم ذلك لم تتجرأ في تناول شخصيات اعتبارية كشخصية الأمراء والشيوخ العرب. وجاء على لسان (خالد) وهو يحكي عن أحد عملاء الكازينو ويُدعى حمدي الدنجوان، الذي يقول عنه: (ممثل قديم ما حققش أي نجاح في السينما، اشترا جنسية بلد من أفريقيا بخمسة آلاف جنية عشان يقدر يخش الكازينو، وبيجي عشان يقابل الستات. تخصصو الأميرات، وطبعاً بيصرفوا عليه) واللبيب بالإشارة يفهم. وفي الحوار الذي دار بين سحر (ابنة زينة) وخالد يظهر جلياً تفعيل هذه السمة بشكل أوضح، وأن الأمراء العرب ليسوا فقط مرتادو طاولات قمار فقط؛ وإنما أصحاب مغامرات غرامية وجنسية كذلك. تقول سحر في حوارها مع خالد الذي يلتقيها لأول مرّة:
- انت خالد؟
- ايوة
- انا سحر. هي ماما ما كلمتكش عني؟
- ماما؟ انت بنت زينة؟ لا .. هي ما قالتليش غير على أخوكِ عبد الله بس.
- وطبعاً قالت لك إنو أمير، وان أبوه الشيخ مهران من العيلة المالكة، وإن ليه حقوق ولازم تجيب هالو. مش كده؟ عبد الله ده مالوش وجود، الشيخ مهران وهي حامل وسافر، وهي سقطت. بس بعتتلو صورة ابن صاحبتها ولحد دلوقتي بتهددو إنها حتقول لقرايبو من العيلة المالكة عشان يبعت لها فلوس. زي ما بتقول لي كده إنك متجوزها عرفي!
ومما تناوله الفيلم من شخصيات كذلك: (الشخصية السودانية)، وكعادة السينما المصرية تناول هذه الشخصية بالاستهزاء والسخرية في محاولة لتنميط الشخصية ووضعها في قالب كوميدي، تتخذه مادة للسخرية. يقول (خالد) في وصفه لأحد الشخصيات السودانية التي تتردد على الكازينو بقوله (أما الحظ الحظ بقا فما بيلعبش غير ما الغشيم المستجد اللي ما بيخططش) وحتى يستمر هذا المقال في مساره الموضوعي، ودون أن أنزلق في مزالق الذاتية والدوافع الشخصية؛ فإنني لن أصدر أحكاماً على هذا النوع من التعامل، فالسينما المصرية دائماً ما تتناول الشخصيات السودانية بهذا النسق التنميطي المُسيء ليس فقط السودانيين، وإنما حتى الشخصيات النوبية التي يتم استغلالها لصالح العمل السينمائي بنوع من الفوقية؛ فهي لا تلعب في السينما المصرية غير شخصية البواب أو الغفير أو الخادم الذي دائماً ما يكون محل سخرية، ويخطر في بالي الآن فيلم (اللي بالي باك) من إنتاج السُبكي والذي قام ببطولته الفنان الكوميدي محمد سعد والنسق العنصري الواضح الذي تناول به الفيلم إحدى الشخصيات النوبية أو السودانية. كانت اللقطة التي ظهرت فيها الخادمة السودانية في الفيلم امتداداً واضحاً لذات النسق الاستهزائي الواضح. كان (رياض المنفلوطي) والذي جسّد دوره الفنان محمد سعد في استقبال الفتاة السوداء متخيلاً إياها ابنته فعانقها وقبلها حتى اكتشف من زوجته (فيحاء) والتي جسدت شخصيتها الفنانة نيفين مندور، حين أخبرته بأنها ليست ابنتهما، وأنها ابنة الشغالة وما قاله بعد ذلك متعجباً: كيف لرجل أبيض وامرأة بيضاء أن يُنجبا فتاة بلون العجوة!
احتوى الفيلم على مشاهد كثيرة درامية مؤثرة جداً، لامست أوتارنا الحساسة. كان المخرج يُراهن على الجانب الإنساني للمشاهد، واستطاع بنجاح منقطع النظير أن يرصد تلك الحالات الإنسانية لاسيما عندما، تتقاطع المشاعر وتختلط مع بعضها: الكرامة والكبرياء في مقابل المصالح والحياة نفسها، يظهر ذلك جلياً في معظم مشاهد الفيلم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، المشهد الذي تعرض فيه (خالد) لإهانة من أحد العملاء (يحيى الدهان) والذي جسّد دوره الفنان العراقي بهجت؛ إذ قام بالبصق في وجهه، ولطمه، وخلع حذائه وضربه على رأسها به. ثمة عميل آخر قام برش الماء في وجه (تيلر) آخر، ولكن هذا العميل أسرف في إهانة خالد لسببين رئيسيين في اعتقادي: أولهما أن خالد كان قد رفض عرضاً قدمه إليه من قبل يقتضي مساعدته في تسهيل مكسبه على لعبة (الروليت)، ولكنه رفض. والسبب الآخر أن المخرج أراد أن يُوضح الجانب الإنساني العميق في هذه الحالة بالتحديد، ونجح في ذلك. بينما نجح –وبامتياز- هاني سلامة في تجسيد هذا المشهد الدرامي بعمق وحرفية شديدين، ومشهده وهو يدمع أسفاً على كبريائه المسفوك على طاولة القمار، وكبته لتلك المشاعر وهو يقول (Your bastes please) كانت تلك من أكثر المشاهد المؤثرة في الفيلم، وكانت هذه الحادثة سبباً في تعرّف خالد على (زينة) والتي جسدت شخصيتها الممثلة (غادة عبد الرازق).
http://www.maktoobblog.com/userFiles/h/i/hishamadam/images/raists4.jpg
بقلم: هشام آدم
فيلم "الريس عمر حرب" هو فيلم مصري من إنتاج الباتروس للإنتاج الفني وإخراج خالد يوسف وبطول كل من: الفنان الشاب هاني سلامة، والفنان المتميّز خالد صالح، والفنانة سميّة الخشاب؛ وباقة من الفنانين السينمائيين المصريين. تدور أحداث هذا الفيلم حول شاب يُدعى (خالد) وقام بتجسيد دوره الفنان الشاب هاني سلامة. تتلخص حكاية الفيلم في اضطرار خالد إلى العمل في كازينو للقمار من أجل أن يُحقق هدفاً محدداً في حياته؛ وهو الزواج من حبيبته، ولكن؛ وبمجرّد استلامه للوظيفة في الكازينو يبدأ في الانسلاخ تدريجياً من حياته الأسرية والعاطفية والاجتماعية؛ إذ يرفض الجميع معرفته بسبب عمله الذي يعافه المجتمع، ويعتبر مكسبه حراماً، ولكنه وبطريقة عبثية تماماً يُقرر أن يواصل في هذه المهنة، وفي ذلك المكان؛ لتتواصل بعدها مشاهد الفيلم وأحداثه الشيّقة. ليعيش خالد حياة جديدة كلياً عما اعتاد عليه. حياة مليئة بالحكايا والقصص المثيرة والمحزنة والمخيفة، مستفيداً مما يتعلمه من رئيسه المباشر في العمل (عمر حرب) الذي اعتبره قدوته ومثله الأعلى. كان مجرّد موظف عادي، ولكنه كان يملك دافعاً وموهبة للتفوّق والتميّز، وكان دافعه في كل ذلك هو الطموح. طموحه بأن يُصبح كرئيسه في العمل، وأراد أن يكون (إله الحظ) فتعلّم القمار، وتعلّم كيف يُمكنه أن يتحكم في دوران طاولة الرويليت، ليس فقط ليكون كعمر حرب، ولكنه كان يمتلك دافعاً شخصياً وهو الانتقام من أحد العملاء الذي أهانه إهانة بالغة.
يبدأ الفيلم بنزول عمر حرب (الذي قام بتجسيد دوره بمهارة فائقة الفنان خالد صالح) من سيارة فارهة جداً، ودخوله الكازينو في أبهة أوضحتها الكاميرا من مشاهد الموظفين المصطفين بكل أدب واحترام. يدخل (عمر) على مجموّعة جديدة مكونة من عشرة شباب (من الجنسين) تعيّنوا حديثاً في الكازينو الذي يديره. كل أحادث الفيلم تدور داخل هذا الكازينو وحوله. يبدأ عمر حرب بشرح قوانين العمل والتعامل مع العملاء للموظفين الجدد. ولا يغيب عنا جميعاً ونحن نتابع هذا الحديث بين رئيس العمل والموظفين الجدد، الإخلاص الشديد الذي يتكلّم به خالد صالح وإبداعه في تجسيد شخصية الريس عمر حرب. وربما –وهذا رأي شخصي- كان الفنان خالد صالح أحد تلاميذ مدرسة الفنان القدير يحيى الفخراني القائمة على المصداقية الشديدة والإخلاص في العمل، وينتمي إلى هذه المدرسة عدد لا بأس به من الممثلين كالأستاذ الراحل أحمد زكي، والراحل محمود مرسي وغيرهما. وفي اعتقادي الخاص كذلك، أن الفنان خالد صالح يمتلك موهبة تمثيل جبارة تجعله قريباً يتربع على عرش السينما المصرية بل والعربية بكل جدارة. فهو فنان له القدرة على التحرك داخل مساحة الشخصيات التي يقوم بتجسيد دورها ببراعة شديدة، ولن أقول بأنه يُضفها لها رونقه الخاص، لأنني بذلك سأكون قد هضمته حقه، فهو فنان متعدد المواهب، ويمتاز بكاريزما استثنائية تؤهله للقيام بأي دور والنجاح فيه: دور رجل فقير، أو دور رجل غني فاحش الغنى. القيام بدور الشرير، أو دور رجل طيّب وكل هذه الأدوار يقوم بها بإبداع منقطع النظير.
يشتغل خالد في الكازينو وفي خلال عمله يتعرف بالمصادفة على (زينة) ويُقيم معها علاقة جنسية دون أن يستشعر تجاهها بأية عاطفة، ويتعرف كذلك على (حبيبة) التي يحبها بإخلاص من كل قلبه. كانت زينة إحدى المومسات اللواتي تعمل في الكازينو سيدة مطلقة ولديها ابنة واحدة، وحبيبة سيدة متزوجة من رجل مريض بداء السرطان. تسعى حبيبة جاهدة لجمع المال اللازم لعلاج زوجها، ويُقرر خالد مد يد العون لها، وذلك بمساعدتها على الربح على طاولة القمار، وعندما تعرف زينة بأمر علاقته بحبيبة تثور عليه وتحاول قتله، ولكن عاطفتها الجارفة تجاهه تمنعها من ذلك. يُقرر خالد بعدها الاستمرار في علاقته مع زينة ومضاجعتها كلما أرادت ذلك، ويحتفظ بمحبته لحبيبة ويمد لها يد العون في كل مرة. إلى أن يكتشف بالصدفة المحضة؛ أن حبيبة لم تكن تودع المبالغ التي كان يُعطيها لها في خزينة المستشفى، وعرف أنها كانت تبتزه فقط. عاش خالد حياة قاسية مليئة بالخوف والوحدة وكانت تتناوشه الأحلام المزعجة في كل حين، وحتى عندما أتقن حرفة القمار، وتعلم كيف يُمكنه السيطرة على عجلة الروليت، أصبحت نوبات تأنيب الضمير تأتيه من حين لآخر لأنه كان سبباً في إتعاس الكثيرين.
وفي نهاية الفيلم يكتشف خالد أن كل ما يدور من حوله، ما كان إلا مجرّد تمثيلية من صنع الريس عمر حرب، الذي كان قد خطط لأول مقابلة له مع زينة، وأنه كان وراء تعرّفه على حبيبة. ولكنه رغم صدمته لم يستطع أن يتخلى عن العمل في الكازينو، كان الريس عمر حرب يُحيطه بكل عطف ورعاية رغم ما يبدو عليه من قوة وجبروت. وهنا تتضارب المشاعر الإنسانية، ويشعر خالد أنه لا مهرب له من مديره إلا الارتماء بين أحضانه، والاستسلام له، ولرغبته في أن يكون له ذلك الابن الذي طالما تمناه دائماً.
وفي الحقيقة فإن ثمة مشاهد كثيرة جداً في هذا الفيلم تستحق التوقف عندها؛ في محاولة لإعادة قراءتها، وفهمها بطريقة صحيحة أو عميقة، ومن تلك المشاهد: المشهد الأول الذي تحدثنا عنه الآن، والذي ينتهي بجملة شديدة العمق إذ يقول فيها (عمر) لمجموعة الشباب: (لبس الديلر زي الكفن، مالوش جيوب، والكازينو زي الدنيا تدخلها عريان، وتخرج منها عريان) ثم يبدأ الموظفون بعد ذلك في استلام مواقعهم، ومباشرة عملهم في الكازينو. وكان الكازينو دنيا كاملة بالفعل، بكل ما فيها من أصناف البشر وطبائعهم المتناقضة والمتقاطعة، بكل مذاهبهم ومشاربهم: المصري وغير المصري، العربي وغير العربي، المسلم والمسيحي، الرجال والنساء. كان الكازينو فعلاً تجسيداً مصغراً (ولكن متقناً) للدنيا.
وقبل أن نحكي قصة الفيلم لابد لنا من الإشادة بالرؤية الإخراجية التي تعامل بها المخرج خالد يوسف مع هذا الفيلم، والذي كان له دور كبير جداً في تجسيد الملامح الفلسفية التي يستهدفها الفيلم. وربما استفاد خالد يوسف من أستاذه وأستاذ المخرجين العرب (المخرج الراحل) الأستاذ يوسف شاهين في تقنيات التصوير المتقنة، والتي تهتم بالتفاصيل، وتُركز ليس على الجانب السينمائي للمشاهد فحسب؛ وإنما على الجانب الإنساني كذلك، يُبدع خالد يوسف كثيراً في تسخير الكاميرا،وتطويعها إلى أداة ناطقة في المشهد. ومن ذلك مشهد إزاحة الستارة الحمراء بعد انتهاء الريس عمر من توجيهاته للشباب، وانفتاحها على عالم الكازينو الذي يضج بالحركة والحيوية، بعد جو من الهدوء والتوتر الذي كان يكتنف ذلك الاجتماع السريع. وهذه الخاصية تميّز بها الأستاذ يوسف شاهين، وكانت إحدى السمات الأساسية المميزة لأفلامه.
الفيلم عبارة عن قصة الشاب خالد الذي يحكيها لنا بنفسه من خلال تقنيات السرد داخل الفيلم. بدأ المخرج خالد يوسف في استخدام هذه التقنية مع بداية الفيلم مباشرة، حيث جاء على لسان بطل الفيلم: (كانت كلمة كازينو بالنسبة لي حاجة زي الموالد: ناس صايعة بتلعب قمار، وملك وكتابة. لقيتهم حاجة تانية خالص) وهي تقنية جيّدة وجديدة على السينما العربية، ولا نجد هذه التقنيات مستخدمة بكثرة في كثير من الأفلام. وربما عرفت السينما العربية هذه التقنية في بواكير هذه الألفية. كما تظهر ألمعية المخرج خالد يوسف في حركة الكاميرا بين أعداد كبيرة من الناس داخل الكازينو، بحيث تبدو الحركة وكأنها تستنطق المكان تماماً، وهو يعرف تماماً كيف يوظف الكاميرا في حالات كهذه، كما يعرف تماماً كيف يستثمر الممثلين وحتى الكومبارس من حيث أماكن وقوفهم، والزوايا التي تتناولهم بها الكاميرا؛ تماماً كتوظيفه للكاميرا أثناء الحوار الذي كان بين خالد وعمر حرب عندما كان يخبره برغبته في أن يكون له ابنه له نفس ذكائه وشبابه. كانت الكاميرا تدور في شكل نصف دائرة متوازية تماماً مع استدارة الطاولة التي كان يجلسان عليها. تبدأ الكاميرا دورانها من نقطة خالد وتلتف حتى تنتهي في النقطة المقابلة؛ حيث يجلس فيها عمر حرب، وهو توظيف ممتاز للكاميرا، تتناسب مع نسق الحوار، حيث أن رؤية الطرفين هامة جداً.
ومن الجوانب المثيرة التي استطاعت الكاميرا رصدها بحرفية عالية جداً (وهذا لا يعود الفضل فيه للمخرج فقط وإنما للمثل كذلك) ذلك المشهد الذي كان عمر حرب فيه يختبر قدرات الموظفين الجدد في الحساب. كانت الكاميرا تأخذ المشاهد من خلف الموظفين، وعندما جاء الدور على (خالد) التقطت الكاميرا -دون أن تتحرّك أو أن تغيّر زاويتها- حركة أصابعه المتهيّبة وهو يستعد لتلقي أولى أسئلة رئيسه. (كانت الأسئلة عبارة عن عمليات حسابية) هذه الحركة لم تكن لتصدر أبداً بتلقائية وعفوية إلا من خلال ممثل متمكن يعلم تماماً أن التمثيل لا يشترط فقط وقوفه أمامها، ولكن –وكما كان الفنان الكبير الراحل: أحمد زكي يقول دائماً- : يجب أن تتعلّم أن تمثل بظهرك أو قفاك، لأن تعابير الجسد واحدة سواء من الأمام أو من الخلف، ووقوف الكاميرا خلف الممثل لا يعفيه أبداً من القيام بدوره على الوجه الأكمل؛ كما لو كانت الكاميرا أمامه مباشرة. غير أن الفنان هاني سلامة -في ذات المشهد- أخفق قليلاً عندما فضح نفسه بحركة شفاهه التي أظهرت أنه لا يُجيب عن الأسئلة، وإنما يؤدي دوراً تمثيلاً؛ فقد كانت حركة الشفاه أسرع ببضع أجزاء من الثانية وهو يقول (6250). فعندما تجري عملية حسابية، لا يُمكن أن تتحرك شفاهك بالإجابة قبل أن تكتمل العملية الحسابية في الدماغ تماماً، بل على العكس؛ بعد أن تُنهي الدماغ عمليته الحسابية، يُعطي الدماغ إشارات عصبية للفم لينطق بالإجابة، ولكن ما حدث من (خالد) كان يبدو أنه استنطاق لإجابة كان يعرفها مسبقاً؛ رغم أنه لم يُظهر هذا الاستعجال في الإجابة على الأسئلة السابقة.
ونفس الخطأ وقعت فيه ممثلة كانت تؤدي دور عاملة طاولة (تيلر) إذ تسرّعت كثيراً في التعبير عن ردة فعلها عندما أراد أحد العملاء لمس أحد أثدائها، كانت ردة فعلها سريعة لدرجة توحي بأنها كانت تعلم تماماً بما سيحدث، ولكنني أجد لها العذر لأنها ليست ممثلة محترفة، بينما لا يُعفى ممثل مثل هاني سلامة في مثل هذا الخطأ، والذي وقع فيه كذلك الفنان شريف منير في فيلم (الكتكات) أمام الفنان الكبير محمود عبد العزيز. كان الفنان محمود عبد العزيز يجسّد دور شيخ ضرير؛ بينما جسّد الفنان شريف منير دوره ابنه. كان الابن يقف خلف والده الظهير، وأبدى ردة فعل استباقية عندما التفت والده إليه ليطبع صفعة قوية على جبينه.
اختلطت أفكار كثيرة جداً في هذا الفيلم بين الجوانب الإنسانية العاطفية، والجنسية، والمادية الجشعة، ومحاولات خلق علائق رومانسية للحد من سطوة الجمود الفلسفي الذي يكتنف قصة الفيلم، ولكن حتى تلك الإحالات العاطفية كان لها معنى ساهم كثير في تدعيم توجهات الفيلم الفلسفية شديدة الحضور. حاول الفيلم منذ البداية إظهار الريس عمر بمظهر خارق وهذا المعنى هو ما تقوم عليه قراءتي المتواضعة للفيلم. فالريس عمر إضافة إلى هوايته -غير المخفية- في مراقبة الموظفين عبر كاميرات موزّعة على المكان؛ فهو يمتاز بالملاحظة الدقيقة لكل ما يجري حوله، ولكل ما يصدر من الموظفين من تصرفات، حتى تلك التي تبدو في شكل سرّي: كسرحان الموظفين، واختلاسهم النظر لما يجري من حولهم. وكذلك قدرته الخارقة التي تكمن في عينيه، ومن ذلك تحكّمه في البلية وحتى حركة السلندر، وكذلك ما حكاه عن خالد من موقفه من الكلاب التي سلّطها أحد أعدائه عليه، وقدرته العجيبة في إيقاف الكلاب، وتهدئتهم، وإعادتهم مرة أخرى بمجرّد نظرة من عينيه. كل ذلك يُعطي لعمر حرب مواصفات غير عادية وتجعله من شخصية مريبة ومخيفة فعلاً، والسؤال هنا هو: لماذا؟ لماذا أراد خالد يوسف أن يظهر عمر حرب بهذه الشخصية؟ وهذا ما سأحاول الإجابة عليه من خلال هذا المقال.
من الأسئلة التي طرحت نفسها عليّ وأنا أتابع الفيلم، هو حديث (خالد) عن حياة الكازينو وتقسيماتها والتي لا تتاح لشخص جديد على المكان أن يعرفها إلا بعد مرور وقت طويل، ومن ذلك ما كان يحكيه هو بنفسه في قوله: (الكازينو ده في شلّتين: شلّة عمر حرب؛ أو الريس زيّ ما بيسموه، وده ما حدش عارف مستمد قوتو منين. وشلة مونير موني واللي بيسندو المدير الأجنبي) ثم يبدأ بشرح طبيعة العلاقة القائمة بين هذين الشلّتين بقوله (الشلتين بكرهو بعض) ويستفيض في سرد تاريخ هذا العداء بين الاثنين، ولو أن هذا السرد تأخر قليلاً لقلنا أنه تمكن خلال هذه الفترة أن يعرف هذه التفاصيل، ولكن هذا الحديث جاء في أول يوم باشر فيه (خالد) العمل، وتحديداً بعد مشهد شرح فيه خالد عدم اعتياده على الحياة الليلية وكيف أن عمر حرب أيقظه من غفوته خلال الاستراحة بسكب الماء البارد عليه، وليس من المنطقي أن يكون خالد وقتها قد تعرّف على هذه التفاصيل. وربما كان من المنطقي أن يحكي (خالد) ذلك على لسان آخرين ممن سبقوه في العمل في الكازينو، كما فعل في أكثر من مرة عندما كان يحكي عن عمر حرب كقوله مثلاً (بيقولوا كمان إنو قتل أبوه وورث منو ثروة كبيرة)
ومن هذه الأسئلة كذلك هو وضع عمر حرب من الكازينو، فأنا شخصاً لم أعرف ما إذا كان مالكاً له أم مجرّد مدير عليه. ففي حديث (خالد) عن انطباعاته الأولية يقول عن عمر حرب: (هو المدير الوحيد اللي سمّوه الريس دوناً عن باقي المديرين) وكذلك قوله( أول واحد جا هنا الكازينو، حافظو حتة حتة) مما يُشير إلى أن الكازينو مملوك لشخص آخر، وأن عمر حرب ما هو إلا مجرّد مدير، ولكن بقدرات متميّزة وشخصية مُلغزة.
ومن الإلماحات الجميلة في هذا الفيلم: الإشارة إلى ارتياد بعض الأمراء العرب للكازينوهات وصالات القمار؛ كشخصية (الأمير حمد) الذي ظهرت في الفيلم وهو شخصية ماجنة لا تتورع في عمل أيّ شيء؛ طالما أنها تعلم تماماً أنها تملك القوة والسلطة على فعل ذلك. وربما تناولت أفلام كثيرة موضوع الشخصية العربية أو الخليجية بالتحديد وما تقوم به في المجتمع المصري لاسيما في صالات الديسكو والكازينوهات وصالات القمار، ولكن وحسبما أذكر أنه لا يوجد فيلم واحد تناول الشخصيات الاعتبارية في هذه البلدان. ففيلم كفيلم (كباريه) أو (خالتي فرنسا) يتناول هذه الظواهر بطريقة سطحية وعابرة، ولكنها تحاول فيها تجسيد ما يحدث في الواقع، إلا أنها رغم ذلك لم تتجرأ في تناول شخصيات اعتبارية كشخصية الأمراء والشيوخ العرب. وجاء على لسان (خالد) وهو يحكي عن أحد عملاء الكازينو ويُدعى حمدي الدنجوان، الذي يقول عنه: (ممثل قديم ما حققش أي نجاح في السينما، اشترا جنسية بلد من أفريقيا بخمسة آلاف جنية عشان يقدر يخش الكازينو، وبيجي عشان يقابل الستات. تخصصو الأميرات، وطبعاً بيصرفوا عليه) واللبيب بالإشارة يفهم. وفي الحوار الذي دار بين سحر (ابنة زينة) وخالد يظهر جلياً تفعيل هذه السمة بشكل أوضح، وأن الأمراء العرب ليسوا فقط مرتادو طاولات قمار فقط؛ وإنما أصحاب مغامرات غرامية وجنسية كذلك. تقول سحر في حوارها مع خالد الذي يلتقيها لأول مرّة:
- انت خالد؟
- ايوة
- انا سحر. هي ماما ما كلمتكش عني؟
- ماما؟ انت بنت زينة؟ لا .. هي ما قالتليش غير على أخوكِ عبد الله بس.
- وطبعاً قالت لك إنو أمير، وان أبوه الشيخ مهران من العيلة المالكة، وإن ليه حقوق ولازم تجيب هالو. مش كده؟ عبد الله ده مالوش وجود، الشيخ مهران وهي حامل وسافر، وهي سقطت. بس بعتتلو صورة ابن صاحبتها ولحد دلوقتي بتهددو إنها حتقول لقرايبو من العيلة المالكة عشان يبعت لها فلوس. زي ما بتقول لي كده إنك متجوزها عرفي!
ومما تناوله الفيلم من شخصيات كذلك: (الشخصية السودانية)، وكعادة السينما المصرية تناول هذه الشخصية بالاستهزاء والسخرية في محاولة لتنميط الشخصية ووضعها في قالب كوميدي، تتخذه مادة للسخرية. يقول (خالد) في وصفه لأحد الشخصيات السودانية التي تتردد على الكازينو بقوله (أما الحظ الحظ بقا فما بيلعبش غير ما الغشيم المستجد اللي ما بيخططش) وحتى يستمر هذا المقال في مساره الموضوعي، ودون أن أنزلق في مزالق الذاتية والدوافع الشخصية؛ فإنني لن أصدر أحكاماً على هذا النوع من التعامل، فالسينما المصرية دائماً ما تتناول الشخصيات السودانية بهذا النسق التنميطي المُسيء ليس فقط السودانيين، وإنما حتى الشخصيات النوبية التي يتم استغلالها لصالح العمل السينمائي بنوع من الفوقية؛ فهي لا تلعب في السينما المصرية غير شخصية البواب أو الغفير أو الخادم الذي دائماً ما يكون محل سخرية، ويخطر في بالي الآن فيلم (اللي بالي باك) من إنتاج السُبكي والذي قام ببطولته الفنان الكوميدي محمد سعد والنسق العنصري الواضح الذي تناول به الفيلم إحدى الشخصيات النوبية أو السودانية. كانت اللقطة التي ظهرت فيها الخادمة السودانية في الفيلم امتداداً واضحاً لذات النسق الاستهزائي الواضح. كان (رياض المنفلوطي) والذي جسّد دوره الفنان محمد سعد في استقبال الفتاة السوداء متخيلاً إياها ابنته فعانقها وقبلها حتى اكتشف من زوجته (فيحاء) والتي جسدت شخصيتها الفنانة نيفين مندور، حين أخبرته بأنها ليست ابنتهما، وأنها ابنة الشغالة وما قاله بعد ذلك متعجباً: كيف لرجل أبيض وامرأة بيضاء أن يُنجبا فتاة بلون العجوة!
احتوى الفيلم على مشاهد كثيرة درامية مؤثرة جداً، لامست أوتارنا الحساسة. كان المخرج يُراهن على الجانب الإنساني للمشاهد، واستطاع بنجاح منقطع النظير أن يرصد تلك الحالات الإنسانية لاسيما عندما، تتقاطع المشاعر وتختلط مع بعضها: الكرامة والكبرياء في مقابل المصالح والحياة نفسها، يظهر ذلك جلياً في معظم مشاهد الفيلم، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، المشهد الذي تعرض فيه (خالد) لإهانة من أحد العملاء (يحيى الدهان) والذي جسّد دوره الفنان العراقي بهجت؛ إذ قام بالبصق في وجهه، ولطمه، وخلع حذائه وضربه على رأسها به. ثمة عميل آخر قام برش الماء في وجه (تيلر) آخر، ولكن هذا العميل أسرف في إهانة خالد لسببين رئيسيين في اعتقادي: أولهما أن خالد كان قد رفض عرضاً قدمه إليه من قبل يقتضي مساعدته في تسهيل مكسبه على لعبة (الروليت)، ولكنه رفض. والسبب الآخر أن المخرج أراد أن يُوضح الجانب الإنساني العميق في هذه الحالة بالتحديد، ونجح في ذلك. بينما نجح –وبامتياز- هاني سلامة في تجسيد هذا المشهد الدرامي بعمق وحرفية شديدين، ومشهده وهو يدمع أسفاً على كبريائه المسفوك على طاولة القمار، وكبته لتلك المشاعر وهو يقول (Your bastes please) كانت تلك من أكثر المشاهد المؤثرة في الفيلم، وكانت هذه الحادثة سبباً في تعرّف خالد على (زينة) والتي جسدت شخصيتها الممثلة (غادة عبد الرازق).