المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المجلات الثقافية ميراث الماضي وآمال المستقبل /جابر عصفور


بشارة بشارة
06/07/2010, 01:01 AM
المجلات الثقافية ميراث الماضي وآمال المستقبل


من الصعب فصل تاريخ «المجلات الثقافية» عن الصحافة، ليس لأن المجلات الثقافية بعض الصحافة فحسب، وإنما لأن فترة النشأة كانت تحمل تداخلا في المفاهيم، ولذلك كان يحدث أن يُطلق اسم الصحيفة على المجلة والعكس صحيح بالقدر نفسه. وكان ذلك أمرا طبيعيا في الفترة التي لم تكن فيها المسميات قد استقرت بعد بحكم تداخل خيوط البداية ومفاهيمها. وهو الأمر نفسه الذي نلحظه في بداية النهضة حين كان مصطلح «الرواية» و«الروايات» - مثلا - يُطلق على «المسرحية» و«المسرحيات» خصوصا بعد أن تم تعريب اصطلاح «التياترات» الذي استخدمه رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) في كتبه الباكرة، وسار على دربه أمثال عبدالله النديم (1845 - 1896) وسليم الخوري الذي نشر مقالا عن «الروايات والروائيين» في «الضياء» (أبريل 1899) قاصدا إلى المسرح والمسرحيين. ولذلك لن نستغرب كثيرا لو أطلق اسم «المجلة» على الصحيفة أو العكس، خصوصا في مرحلة البدايات التي ترجع إلى مطالع النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ونحن نعتمد في فهم مرحلة البدايات هذه على كتاب الفيكونت فيليب دي طرازي «تاريخ الصحافة العربية». وهو كتاب عمدة يضم أغزر مادة يمكن تصورها عن الصحافة العربية منذ ظهورها في مختتم القرن الثامن عشر إلى نهاية الربع الأول من القرن العشرين. وقد بذل الرجل جهدا شاقا في استقصاء كل ما كتب قبله عن الصحافة العربية إلى أن صدر الجزء الأول من كتابه عن المطبعة الأدبية في بيروت سنة 1913، وأكمله بالجزء الثاني سنة 1914، وظل هذا المؤرخ النادر لنشأة الصحافة العربية يستكمل مادته إلى أن أصبح كتابه أربعة أجزاء، لا غنى عنها لكل من يريد معرفة نشأة الصحافة العربية. وقد عرفنا بفضل دي طرازي أن أول من استعمل لفظة «الصحافة» بمعناها الحديث هو الشيخ نجيب الحداد (1867 - 1899) منشئ جريدة «لسان العرب» في الإسكندرية، وهي التسمية التي قلّده فيها سائر الصحافيين من بعده، وذلك بعد أن كانت الصحف تُسمى في أول عهدها «الوقائع»، ومنها جريدة «الوقائع الرسمية» كما دعاها رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) المصري، وسُميت أيضا «جزته» (Gazzette) نسبة إلى قطعة من النقود بهذا الاسم كانت تُباع الصحيفة بها، فعرفت بمقابلها المادي الذي انتقل إلى اللغة العربية. وعندما أنشأ خليل الخوري (1836 - 1907) صحيفة «حديقة الأخبار» في بيروت سنة 1858 أطلق عليها لفظة «جرنال» (Journal) الفرنسية التي يرجع اشتقاقها، من حيث هي صفة، إلى كلمة «يوم» (Jour). وعندما أصدر أحمد فارس الشدياق (1804 - 1888) صحيفة «الجوائب» في إسطنبول أطلق عليها اسم «جريدة»، وهي الصحف المكتوبة كما ورد في معاجم اللغة. وقد شاعت التسمية منذ ذلك الوقت، فأصبحت كلمتا «الصحف» و«الجرائد» تتبادلان الوضع والدلالة بلا تفرقة.

ويؤكد دي طرازي أنه لم يكن هناك تفرقة بين «الجريدة» (Journal) و«المجلة» (Revue) أو (Magazine) في الاستعمال، وأصل التداخل أن الأوربيين كانوا يطلقون اسم المجلة (Revue) على الصحف الدورية التي تصدر على شكل كراسة متغيرة الأحجام في أغلب الأحيان، وهو الأمر الذي قارب بينها وبين الصحف التي كانت تصدر أسبوعية أو ما أشبه، بعيدا عن دلالة «الدورية» (Periodical) المتأخرة. وقد شاعت دلالة «المجلة» بناء على اقتراح الشيخ إبراهيم اليازجي (1847 - 1906) الذي أشرف على تحرير مجلة «الطبيب» البيروتية سنة 1884 بالاشتراك مع الدكتورين بشارة زلزل وخليل بك سعادة. وهي صحيفة (كذا عند دي طرازي) علمية دينية تاريخية، فشاعت التسمية التي أصبحت علامة على المجلات التي صدرت بعد ذلك في الأقطار العربية، فلم يعد يتبادر إلى الأذهان إلا الصحيفة الدورية (كذا) دون سواها.

ومن الممكن أن نعد مجلة «الطبيب» مجلة ثقافية، وأن نضعها ضمن أوليات «المجلات الثقافية»، وأن نرى في مضمونها بعض ما تنطوي عليه دلالة «المجلة الثقافية»، وذلك من حيث هي مجلة متنوعة الموضوعات، ليس بالمعنى التقليدي القديم الذي يتصل بالأخذ من كل شيء بطرف، وإنما بالمعنى الأشمل الذي تسهم به المجلة الثقافية في تعميق وتوسيع وتطوير الوعي الثقافي للقارئ من ناحية، ووضع هذا القارئ - من ناحية موازية - في حال من الاتصال الفعال بكل توجهات ثقافة عصره وإبداعاتها المختلفة. ولذلك فهي مجلة تجاوز التخصص بمعناه الضيق، وتصل بين المعارف المختلفة والإبداعات المتباينة التي تجاوز الآداب إلى الفنون، غير غافلة عن العلم الذي أصبح مكونا أساسيا في ثقافة العصر على نحو ما أدرك الرواد. والهدف النهائي من ذلك كله هو جعل القارئ طرفا فاعلا في أفق التنوع الثقافي والحضاري للإنسانية كلها، بعيدا عن العصبية، أو الانغلاق، أو العداء للآخر، ذلك لأن هدف «المجلة الثقافية» - في النهاية - هدف إنساني، يعبر الحدود والقيود وحواجز اللغات والأعراق والمعتقدات الجامدة.

وما له دلالة مهمة - في هذا السياق - أن الرواد الأول الذين أنشأوا المجلات الثقافية الأولى في الوطن العربي، كانوا ينطوون على وعي بهذا الهدف، وكانوا مدركين أهمية «المجلة الثقافية» سواء من حيث علاقتها بالصحافة عموما، أو دورها الموازي الذي جعلوا منه قوة دافعة لمسار النهضة العربية في القرن التاسع عشر. ولا غرابة في أن يربطوا نهضة الصحافة بوجه عام، والمجلات بوجه خاص، بنهضة الأمة وتمدنها وسعيها إلى التقدم المنشود والتحرر المطلوب. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يُصدِّر أديب إسحق (1856 - 1885) - الثائر الأبدي الذي انطفأ مبكرا - جريدته «مصر القاهرة» (التي أنشأها على أنقاض «جرية مصر») بشعار «حرية، مساواة، إخاء» ليس تعبيرا عن تأثره بشعارات الثورة الفرنسية فحسب، وإنما تعبيرا عن حلمه في أن ينقل واقعه العربي المتخلف من شروط الضرورة إلى آفاق الحرية والتقدم.

وأي استرجاع لأهم المجلات الثقافية التي صدرت في القرن التاسع عشر يؤكد هذا التكييف، ويؤكد وعي القائمين عليها بدورهم الحضاري في معركة التقدم، كل في مجاله، ومن منظوره الثقافي المائز. ينطبق ذلك على علي مبارك (1823 - 1893) الذي أصدر العدد الأول من «روضة المدارس» في السابع عشر من أبريل سنة 1887، وعلى خليل اليازجي (1856 - 1889) الذي أصدر مع أمين ناصيف «مرآة الشرق» في السادس من أبريل 1882، وعلى عبدالله نديم الذي أصدر «الأستاذ» في الرابع والعشرين من أغسطس 1892، وعلى جرجي زيدان (1861 - 1914) الذي أصدر «الهلال» في مطلع سبتمبر 1892، وعلى إبراهيم اليازجي (1847 - 1906) الذي أصدر «البيان» في مطلع مارس 1897 و«الضياء» في منتصف سبتمبر 1898، وعلى فرح أنطون الذي أصدر «الجامعة» في الخامس عشر من مارس 1899. ولا يختلف عن هؤلاء غيرهم من الذين آمنوا بما نقلوه عن ?ولتير (1694 - 1778) - رمز حركة الاستنارة الفرنسية - من قوله : «الصحافة آلة يستحيل كسرها، وستعمل على هدم العالم القديم حتى يتسنى لها أن تنشئ عالما جديدا».

لقد كانت المجلات الثقافية عند الأسماء التي ذكرتها، والتي تدل على غيرها آلة هدم العالم القديم والتمهيد لبناء عالم جديد، يخلو من كل سلبيات الماضي المتخلف وعوامل جموده. ولذلك خاضت المجلات الثقافية معركة النهضة - في سياق الصحافة بوجه خاص والثورة الفكرية الثقافية بوجه عام - التي اعتمدت على جهود صناع النهضة الذين جعلوا من مجلاتهم الثقافية وصحفهم سلاحهم في معارك الحريات السياسية والاعتقادية، وترسيخ حضور الدولة المدنية وتأكيد حتميتها في مسار التقدم، وأشاعوا مبدأ التسامح في الفكر والاعتقاد، وحاربوا الطائفية والنزعات العرقية، فضلا عن أشكال التمييز الراسخة ضد المرأة، ودافعوا عن حق المرأة في التعليم والمشاركة الاجتماعية، وانفتحوا على العالم بكل تياراته، واستبدلوا العلم بالخرافة، كما استبدلوا الأفندي المطربش بالشيخ المعمم، والتعليم المدني بالتعليم الديني، منطلقين مع الموجة الصاعدة للطبقة الوسطى التي اكتسبت من «المدنية» الحديثة ملامحها الأساسية: قبول التعدد العرقي، والتنوع الجنسي، والتباين الثقافي، والاعتراف بحق الآخر في الوجود. ولم ينسوا الوقوف في صف أنواع الإبداع الأدبي والفني الجديدة، فآزروها بما أكد حضورها وجعلها جزءا لا يتجزأ من بناء ثقافة النهضة التي ورثناها عنهم، ونحاول استرجاعها والانطلاق منها إلى ما بعدها، خصوصا في هذه الأعوام التي تتنكر لأعظم ما أنجزته النهضة من منجزات ثقافية.

وطبيعي أن تغترب الصحف والمجلات الثقافية - في مرحلة النهضة - وتنتقل من قطر عربي إلى غيره، بل من الأقطار العربية كلها إلى غيرها من أقطار العالم المتقدم الذي وجدت فيه الأقلام المهاجرة ما يتيح لها حرية التعبير عن آرائها ومعتقداتها السياسية والفكرية. وهي سُنة ابتدعتها مجلات عصر النهضة، ولا تزال قائمة إلى اليوم، يتصاعد حضورها بتصاعد عوامل الكبت والقمع والتضييق الفكري والظلم السياسي في هذا القطر أو ذاك، في مرحلة أو أخرى من مراحل تاريخه الثقافي الاجتماعي. هكذا، نجد مجلات عصر النهضة تتوزع ما بين الأقطار الأوربية، خصوصا فرنسا التي استضافت أكبر عدد من الصحف والمجلات العربية المهاجرة، فرارا من القمع. حسبي ذكر أن باريس وحدها استضافت ثلاثا وثلاثين صحيفة ومجلة، ابتداء من «برجيس باريس» التي أصدرها رشيد الدحداح (1813 - 1889) سنة 1858 وانتهاء بـ «الراية الحمراء» سنة 1927، وما بين الأولى والأخيرة تتراتب «الاتحاد» لإبراهيم المويلحي (1846 - 1906) و«أبو زمارة» ليعقوب صنوع (1839 - 1912) «والبصير» لخليل غانم (1846 - 1903) و«كوكب الشرق» لعبدالله مراش (1839 - 1900) و«العروة الوثقى» لجمال الدين الأفغاني (1838 - 1897) ومحمد عبده (1849 - 1905) و«كشف النقاب» للأمير أمير أرسلان ( 000 - 1943). ولم يقتصر الأمر على فرنسا، فقد جاوزها إلى سويسرا وألمانيا ونابولي وإيطاليا وإنجلترا ومالطة وقبرص. وأضف إلى ذلك جرائد ومجلات الذين فروا إلى المهجر الشمالي (الولايات المتحدة) متوزعين بجرائدهم ومجلاتهم التي وصلت إلى خمس وثلاثين صحيفة ومجلة في نيويورك وحدها ما بين 1892 و 1921، ناهيك عن بوسطن، ودترويت، وفيلادلفيا، وسان لويس، ومنيا بوليس. وقل الأمر نفسه على كندا، ومنها إلى المهجر الجنوبي، حيث أمريكا اللاتينية، ابتداء من مكسيسكو العاصمة، مرورا بها?انا في كوبا، وبوينس أيرس، وتشيلي، وأورجواي، والبرازيل التي صدرت فيها ثلاث عشرة صحيفة ومجلة من عام 1899 إلى عام 1928.

وكانت المجلات والصحف الموزعة ما بين الأستانة والأقطار العربية لا تكف عن المقاومة بالحيلة، مستغلّة «التنكيت والتبكيت» للهروب من مقص الرقيب وسطوته القمعية، الأمر الذي أدى إلى ازدهار الكتابة الرمزية، واستغلال ترجمة الأعمال الروائية الأجنبية التي كانت تُنشر مسلسلة في المجلات الثقافية بعامة والأدبية بخاصة لتسريب المسكوت عنه من الخطاب المقموع سياسيا وفكريا وطائفيا. ومع ذلك، فقد شهد عصر النهضة (من الحملة الفرنسية إلى ثورة 1919) وفرة دالة في إصدارالصحف والمجلات، وذلك على نحو لم يعد له نظير في زمننا الحالي. يكفي أن نعرف أن مدينة طنطا في مصر شهدت عشرين صحيفة وثماني مجلات، منها «الحرية» التي أصدرها محمود فهمي سنة 1903، والمنصورة ثماني صحف وست مجلات، وحلوان أربع صحف ومجلة، والجيزة صحيفتين، ولم تخل مدن صغيرة مثل الفيوم، وبلقاس، وشبين الكوم، والمحلة الكبري، ودسوق، وطوخ، والقرشية، وكفر الزيات، وشربين، وبلبيس وغيرها من الصحف والمجلات الخاصة بها، فقد كان عصر النهضة فرحا باكتشاف الأداة التي يحطم بها العالم القديم ليبني فوق أنقاضه عالما جديدا واعدا بتحقيق أماني النهضة وأحلامها التي لم يتحقق كثير منها إلى اليوم للأسف.

صحيح أن «المجلات الثقافية» كانت لا تختلف عن الصحف في ميلها إلى هذا التيار السياسي الفكري أو ذاك، فكانت هناك الصحافة الوطنية والعثمانية والموالية لقوات الاحتلال هنا أو هناك، فضلا عن الصحافة الناطقة بلسان حال الأقليات الدينية، ابتداء من المسيحية واليهودية وليس انتهاء بالماسونية التي كانت لها جرائدها ومجلاتها، ولكن هذا التعدد الذي لم يخل من صراع يمكن أن نجد بين عناصره قاسما مشتركا، نرده إلى قوة الدفع التي انطلقت به روح النهضة في النفوس، كل تيار حسب منظوره الفكري، أو تحيزاته السياسية، أو انتماءاته الطائفية أو الدينية. لكن هذا التنوع والاختلاف لم يمنع من وجود القاسم المشترك الذي أسهمت به المجلات الثقافية على وجه التحديد في الإضافة الإيجابية إلى قضايا النهضة وتحدياتها.

- 2 -

وأتصور أن التحدي الأول الذي كان على المجلات الثقافية أن تواجهه - جنبا إلى جنب الصحافة الحرة - هو الحريات السياسية وما يتعلق بها. وفارس هذا المجال الأول هو عبدالله النديم في مجلاته التي أصدرها مؤازرا الثورة العرابية، ومدافعا عن الحريات التي كان يطلبها الثوار. وجاء أبو نظارة الذي استخدم سلاح السخرية في مجلاته التي واصل إصدارها في باريس حين حيل بينه وبين مخاطبة القراء المصريين بمجلاته، والنظارة بمسرحياته. ويلمع اسم أديب إسحق (1856 - 1885) في هذا السياق الذي كتب بجسارته المعهودة في «مصر القاهرة»، وهي مجلة شهرية:

بشارة بشارة
06/07/2010, 01:02 AM
أروم مقاومة الباطل ونصرة الحق، والمدافعة عن الشرق وآله، وعن الفضل ورجاله، فمسلكي أن أكشف حقائق الأمور، ملتزما جانب التصريح، متجافيا عن التعريض والتلميح، وأن أجلو مبادئ الحرية وآراء ذوي النقد.. وأن أوضح معايب اللصوص الذين نسميهم اصطلاحا «أولي الأمر» ومثالب الخونة الذين ندعوهم وهما «أمناء الأمة» ومفاسد الظلمة الذين نلقبهم جهلا «ولاة النظام»، وأن أعين واجبات الإنسان الشرقي بالنسبة إلى نفسه وإلى قومه وإلى بلاده وما يقابل تلك الواجبات من الحقوق. ومقصدي أن أثير بقية الحمية الشرقية، وأهيج فضالة الدم العربي، وأرفع الغشاوة عن أعين الساذجين، وأحيي الغيرة في قلوب العارفين ليعلم قومي أن لهم حقا مسلوبا فيلتمسوه، ومالا منهوبا فيطلبوه».

أما الحرية الاعتقادية فقد كانت مجلة الجامعة لفرح أنطون (1874 - 1922) بمدينة الإسكندرية في طليعة المدافعين عنها، وذلك ضمن دعوتها إلى الدولة المدنية الحديثة بوجه عام وما ينبغي أن تقوم عليه هذه الدولة، فكريا، من «التسامح» الذي كان يطلق عليه فرح أنطون اسم «التساهل» ترجمة اجتهادية منه للكلمة الأجنبية toleration. وقد كان ذلك ضمن حوار فكري، دار بين فرح أنطون من ناحية في مجلته «الجامعة» التي كانت تصدر بمدينة الإسكندرية، والشيخ محمد عبده (1849 - 1905) مفتي الديار المصرية الذي كان يرد على ما يكتبه فرح أنطون في مجلة «المنار» التي كان يحررها الشيخ محمد رشيد رضا (1865 - 1935) تلميذ الإمام ويصدرها في القاهرة تحت رعاية أستاذه وحمايته من ناحية مقابلة.

وقد بدأ الحوار الذي أخذ شكل المناظرة الغنية في دلالتها، حين كتب فرح أنطون عن الاضطهاد الديني في النصرانية والإسلام، موازيا بينهما، في ثنايا ما كتبه عن ابن رشد، فردّ عليه الإمام محمد عبده تفصيلا. وردّ فرح أنطون فأوضح الكثير من أفكاره، خصوصا العلاقة بين العلم والدين، ساعيا إلى أن يستبدل بمحاولة ابن رشد القديمة في الوصل بين الحكمة والشريعة محاولة حديثة في الفصل بين العلم والدين، محتجا بأن العلم يوضع في دائرة العقل، لأن قواعده قائمة على المشاهدة والتجربة والاختبار. أما الدين فيوضع في دائرة القلب، وذلك بالنظر إلى مبادئه القائمة على التسليم بما ورد في الكتب السماوية من غير فحص أو مساءلة لأصولها. وليس من الجائز القول إن هذه القسمة بدعة في العلم أو هدم لسلطانه، أو حتى تنطوي على تقليل من شأن الدين، بحجة أن نصوص الدين تنطوي على معارف العلوم، وأن العلم يريد البحث في كل شيء وكل أصل، فالعلم لا ينكر عجزه في كثير من الأحيان، وينبغي أن يكون حرا مطلق الحرية في معتقد أصحابه. ولكن ليس من الجائز ولا من المقبول، في الوقت نفسه، أن يتخذ العلم حريته هذه مبررا للعدوان على مبادئ غيره، أو يدعو إلى تطبيقها على مبادئه، أو العكس، فإن برهان العلم (العقل والتجريب) مخالف لبرهان القلب، والعلم متغير، والدين ثابت، والعلم يتطور، أما جوهر الدين فيظل خالدا باقيا. ولذلك يجب أن يعيش العلم والدين في وئام وسلام في هذه الأرض جنبا إلى جنب، وذلك من غير أن يرهب ممثلو أحدهما ممثلي الآخر، فكلاهما لا غني عنه للإنسانية في حاضرها ومستقبلها.

ويتأكد مستقبل هذه الإنسانية، فيما يؤكد فرح أنطون، بضرورة مبدأ «التساهل» (التسامح) في مواجهة مبدأ التعصب، فالأول هو الأصل والسبب في تحرير فكر الفرد وتحقيق نهضة الأمة بوجه خاص وتقدم الإنسانية بوجه عام، وذلك لأن «التساهل» (التسامح) يعني أن البشر يعيشون تحت مظلة حضارة إنسانية واحدة، غايتها الرقي بالنوع الإنساني، وهي غاية لا تتحقق إلا بقبول الاختلاف بين البشر، وتحويله إلى تنوع خلاّق، يكون مصدر غني للإنسانية، وحافزا من حوافز تطورها المستمر، فقبول الاختلاف يعني التسليم بأن المعرفة كالعلم ليست حكرا على أحد، ولا تتقدم إلا بالمخالفة التي تعني السماحة في تقبّل المغايرة، وتعدد طرق الوصول إلى الهدف نفسه.

وكان الإمام محمد عبده بدأ حواره مع فرح أنطون حول ما كتبه ابن رشد بأن نشر في مجلة «الجامعة» نفسها مقاله الأول الذي نشرته «المنار»في الوقت نفسه، ومضي الاثنان - الإمام وفرح أنطون - في تبادل الردود لأشهر، شهدت واحدة من أغنى المساجلات التي أوضحت مفهوم «الدولة المدنية» والفرق بينها و«الدولة الدينية» وأكّدت علاقة العلم بالدين، وأهمية العقل للدين، فالعقل - فيما يراه الإمام - حجة الله على خلقه، وإعماله ضرورة لفهم أمور الدنيا والدين، فهو «ينبوع اليقين» الذي منحنا الله إياه «للنظر في الغايات، والأسباب والمسببات، والفرق بين البسائط والمركبات». ولم يفت الإمام الوصل بين تقدم المسلمين وازدهار العقل وحريته. وبين تخلفهم والحجر على العقل وتقييده بالتقليد.

ونشر الإمام ردوده وتعقيباته في ست مقالات نشر واحدة منها في «الجامعة» والباقي في «المنار» ما بين أغسطس ونوفمبر سنة 1902، ولم ينس في مقالاته الست تأكيد أن الجمود في فهم الإسلام هو سبب ضعف المسلمين، وأن هذا الجمود ليس بسبب الدين بل بسبب رجاله، وبسبب الساسة والسياسة، خصوصا في اقتران الجميع بطبائع الاستبداد التي أدّت إلى شيوع التكفير، كما أدّت إلى اضطهاد المجتهدين الخارجين على التقليد الجامد والاتِّباع المتكلس. وكان الإمام يعني بذلك أنه لا سبيل إلى تقدم المسلمين إلا بتخلصهم من آفات التعصب والتقليد، والتحليق بجناحي العقل والعلم في ظل الدين الإسلامي الذي هو دين العلم والحضارة والمدنية.

وقد كانت مناظرة الإمام محمد عبده وفرح أنطون فيما يتصل بقضايا حرية الاعتقاد غير بعيدة عن الحوارات الخصبة التي شغلت المجلات الثقافية، خصوصا في تناغمها وتجاوبها مع الصحافة، في إثارة القضايا التي تؤكد النهضة وتندفع بها إلى الأمام. ومن هذا المنظور، لم تكن محاورات الحريات الاعتقادية منفصلة عن الحريات السياسية، فهذه من تلك أو وجهها الملازم، ولنتذكر ما أكده الإمام عن أن جمود المسلمين وتخلفهم وشيوع التعصب فيهم يرجع إلى شيوع التعصب الذي اقترن بالتكفير، وكلاهما موصول بطبائع الاستبداد ونتيجة لغياب الحريات السياسية. ومن المنظور نفسه، كانت أفكار فرح أنطون تتوجه إلى ذات الهدف. ومن ثم تؤكد ضرورة حضور الدولة المدنية التي تحترم كل الأديان، وتتأسس على الدساتير والقوانين، وتنبني على التسامح الذي يعني حق الاختلاف، ولا يتباعد عن الفصل بين السلطات. وهو المفهوم الذي لم ينكره الإمام، بل دعمه حين أكد أنه لا سلطة دينية في الإسلام، وأن المسلمين من حقهم أن يجتهدوا في فهم دينهم حقهم في الاجتهاد في أمر معاشهم وحكمهم. وكان ذلك هو المنطلق الذي مضى منه على عبدالرازق بعد ذلك، عندما أصدر كتابه «الإسلام وأصول الحكم» سنة 1925، عندما أكّد أن الإسلام ترك تحديد الشكل السياسي للحكم لاجتهاد المسلمين، وحسب متغيرات زمنهم وشروط أوضاعهم، فلا ثبات لما يُطلق عليه «الخلافة» التي ليست فرضا دينيا على المسلمين، ولا ركنا ثابتا من أركان الإسلام. وكان على عبدالرازق يقوّض بهذه الأفكار حلم الملك فؤاد بأن يكون خليفة للمسلمين، بعد سقوط الخلافة العثمانية، وبعد أن وجد تشجيعا من رجال الدين الذين آزروه في طموحه. وكانت نتيجة صدور كتاب الشيخ على عبدالرازق أن قامت الدنيا ولم تقعد، وفتحت المجلات الثقافية والصحافة بوجه عام صفحاتها للحوار والجدال حول معنى الدولة الحديثة، وهل لها سند من الدين، أم أن الدين يؤكد شكلا واحدا قديما للحكم، هو شكل الخلافة؟ وكالعادة، تدخلت السياسة في النقاش، وساندت الأطماع السياسية توجه التقليد الذي قادته مجلة «المنار» التي دشنت الهجوم على كتاب على عبد الرازق، ولم تفرغ منه حتى استعدت للهجوم العاصف على كتاب طه حسين، «الشعر الجاهلي» الذي صدر بعد كتاب على عبدالرازق بأشهر سنة 1926، ولكن في مناخ سياسي متغير، وفي عهد حكومة ائتلافية ما بين الوفد والأحرار الدستوريين، فنجا طه حسين، ولم يلق ما لقيه صديقه على عبدالرازق الذي أسقط عنه الأزهر درجته العلمية، وتم فصله من منصب القضاء الذي كان يشغله في مدينة المنصورة، وذلك كله بسبب السياسة التي لعنها الإمام محمد عبده، خصوصا حين أكد أن اقترانها بالاستبداد هو أصل الخراب.

- 3 -

بشارة بشارة
06/07/2010, 01:04 AM
في تقديري أنه لم يواز قضايا الحريات السياسية والاعتقادية التي حققت فيها المجلات الثقافية، في علاقتها بنظائرها الداعمة في الجرائد، سوى قضية تحرير المرأة، النصف الثاني من المجتمع الذي كان تحريره يعني اكتمال ركن أساسي من أركان الدولة المدنية الحديثة التي تقوم على المواطنة التي تساوي بين الرجل والمرأة، كما تساوي بين أبناء الأمة، بعيدا عن الفوارق الطبقية، أو الطائفية، أو العرقية، أو الجنسية. وكان تحرير المرأة يعني استكمال معنى المواطنة في الدولة المدنية الحديثة من هذا المنظور، ولا يمنحها الحق الطبيعي الذي هو لها بحكم مواطنتها، وبحكم الدستور والقوانين فحسب، بل كان يعني - في الوقت نفسه - الاعتراف بالآخر المغاير في الجنس، وتقويض الأسس التي تقوم عليها عزلة الأقليات، وتحرير نصف المجتمع الذي كان المضيّ في طريق تحريره الكامل يعني تحرير المجتمع بأسره.

والواقع أن المجتمع العربي قطع طريقا طويلا في مدى تحرير المرأة، وهو مدى بدأه الرجال بحكم جمود المجتمع التقليدي، خصوصا من الرواد الذين دافعوا عن تعليم المرأة ودعوا إليه، وعن ضرورة مشاركتها الاجتماعية، وعن تحريرها الذي يوصل إلى «المرأة الجديدة» التي نراها بفضل تآزر جهود الرواد من ناحية، وبسبب الدور الذي لعبته الصحافة من ناحية ثانية، وبسبب جسارة الرائدات اللائي أسسن الصحافة النسائية ومجلاتها الثقافية من ناحية أخيرة. وربما كان من الأمانة أن نُسجّل دعوات رائدات مثل زينب فواز (1860 - 1914) إلى مساواة المرأة بالرجل، قبل أن يصدر قاسم أمين كتابيه بسنوات. وقد سبق للأستاذ حلمي النمنم أن أصدر كتابا عن جهود زينب فواز ودورها الرائد في هذا المجال، وتنقّلها من لبنان، حيث جبل عامل في الجنوب الذي تنسب إليه، إلى سورية، ثم استقرارها في مصر التي نشرت في صحفها، وناظرت أعداء تحرر المرأة فيها من قبل أن يكمل القرن التاسع عشر أعوامه.

ويبدو أن أول من دخل هذا المعترك هو بطرس البستاني (1804 - 1888) الذي ألقى خطابه الشهير «في تعليم النساء» سنة 1849، في مدينة بيروت وكان بذلك سابقا على ما كتبه أحمد فارس الشدياق (1804 - 1888) وما كتبه رفاعة الطهطاوي عن «تشريك البنات مع الصبيان في التعلم» في كتابه «المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين» سنة 1897. ويرصد الأستاذ محمد كامل الخطيب في المجلدات الثلاثة التي نشرها عن «قضية المرأة» ضمن سلسلة «قضايا وحوارات النهضة العربية» التي أصبحت مصدرا لا غنى عنه في دراسة تطور الوعي الثقافي والاجتماعي والإبداعي في الوطن العربي، أقول: يرصد الأستاذ الخطيب المقالات التي شهدتها المجلات (والجرائد) الثقافية عن تعليم النساء، على نحو ما وجد في مجلة «الثريا» التي كتب فيها موسى صيدح عن المرأة والتعليم سنة 1897، وما أثارته مجلة «المقتطف» من جدل حول الرجل والمرأة سنة 1881، وهو الجدل الذي أظهر أكثر من رأي في المقابلة بين أوصافها وأوصاف الرجل الجسدية. ومضت مجلة «المقتطف» في هذا الاتجاه، فنشرت مقالا للدكتور شبلي الشميل (1853 - 1917) بعنوان «المرأة والرجل : هل يتساويان؟». وذهب شبلي الشميل إلى أن مخ الرجل أكبر من مخ المرأة بما يمنحه ميزة عليها. وما إن نشرت المقتطف مقاله سنة 1886 حتى تتابعت المقالات المعارضة من النساء في المقتطف طوال سنة 1887، فكتبت م. أ. ي. دفاعا عن النساء، كما كتبت راحيل حجار ومريم مكاريوس ومريم مطر، ودخل المناظرة خليل سعد، وحاول شبلي الشميل التعقيب والدفاع عن رأيه الذي نسبه إلى العلم بوصفه طبيبا، والذي أهاج عليه المثقفات من نساء العصر اللائي رفضن رأيه وفنَّدنه بالحجة المقنعة. ويبدو أن مجلة «المقتطف» أخذت على عاتقها طرح قضية المرأة أكثر من غيرها، ودليل ذلك المناظرات التي دارت على صفحاتها، ما بين عامي 1884 و 1886، حول تعليم النساء، فكتبت فيها سلمى طنوس عن «تعليم النساء وتربيتهن» وحرمي جرجي إليان عن «حقوق النساء ووجوب تعليمهن». وأسهم فيها يعقوب صروف (1852 - 1927) الذي أنشأ مع زميله فارس نمر (1856 - 1951) مجلة «المقتطف» في لبنان سنة 1876، وانتقل بها إلى مصر سنة 1885، حيث ازدهرت وحققت تأثيرها الفاعل بسبب تحيزها إلى قضايا التقدم من ناحية، وتأكيدها شئون «العلم والعمران» الذي أصدر فيها صروف كتابا مستقلا من ناحية موازية. وكان تعقيب صروف بعنوان «النظر في حاضرنا ومستقبلنا». وهو عنوان يخرج من المناظرة إلى الأفق الواعد الذي تتطلع إليه المجلة، وتسعى إلى تحقيقه، وذلك غير بعيد عن السياق الذي أضافت فيه إلى المناظرة شمس شحادي بعنوان «الحق أولى أن يقال» ومريان ماريا عن «واجبات المرأة». وهي مناظرة تتجاوب مع غيرها الذي دار على صفحات «المقتطف» التي يستحق دورها التاريخي تسليط الضوء عليه، وإظهاره للوعي للحديث، خصوصا في تعدد مجالاته وتوجهاته المتقدمة في عصرها.

وكان من الطبيعي أن تفتح مثل هذه المناظرات أفق الكتابة للنساء المتعلمات، كي يسهمن في الدفاع عن تعليم المرأة أولا، وضرورة عملها ثانيا، وعلاقة المساواة التي لابد أن تربطها بالرجل ثالثا، بل عن نظرة المرأة إلى قضيتها أخيرا. وهو الموضوع الشائك الذي لم تتردد في اقتحامه عائشة التيمورية (1840 - 1902) ولبيبة هاشم (1880 - 1947) التي أنشأت مجلة «فتاة الشرق»، ونشرت مقالا دالا بعنوان «خطاب للسيدات» في مجلة «الجنان» سنة 1897، ولم تكن وردة اليازجي (1838 - 1924) الشاعرة بعيدة عن القضايا الجديدة التي أخذت تثيرها حركة تحرير المرأة، وذلك في موازاة الداعية الجسورة زينب فواز التي قرنت تقدم المرأة بتقدم الأمة، جنبا إلى جنب الجيل التالي من النساء الذي كانت هدى شعراوي (1879 - 1947) على رأسه، وطليعته، خصوصا في الدور السياسي للمرأة، وتجميع جهودها في الاتحاد النسائي الذي أنشأته، وتصدرها مظاهرات ثورة 1919 في مواجهة جنود الاحتلال البريطاني، وذلك في سياق الثورة الوطنية العارمة التي أدّت إلى تغيرات جذرية في المجتمع المصري، وحسمت قضية النقاب الذي رفعته المرأة المصرية الثائرة، متحدية التقاليد البالية، المرأة التي سرعان ما رفعت الحجاب كذلك، وذلك على الرغم من استمرار الخلاف حول الحجاب والسفور. وهو الخلاف الذي بدأ في الاحتدام مع صدور كتاب قاسم أمين عن «تحرير المرأة» سنة 1899.

بشارة بشارة
06/07/2010, 01:05 AM
ولا أدلّ على الحيوية التي أثارتها المجلات الثقافية (مع الصحافة) حول قضايا المرأة من مشاركة أصحاب الرأي ورجال الفكر فيها، ابتداء من بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وإبراهيم الأحدب (1826 - 1891) وولي الدين يكن (1873 - 1921) ومحمد فريد وجدي (1878 - 1954)، وليس انتهاء بفيلكس فارس (1882 - 1939) وعشرات غيرهم من الذين أسهموا بالتأييد أو المعارضة أو التحفظ على قضايا تحرير المرأة. وكانت «المقتطف» - مرة أخرى - رائدة في هذا، سواء في إثارتها القضية في عمومها العربي، أو في خصوصها الذي يتصل بهذا القطر أو ذاك، كما فعلت في المناظرة التي دارت على صفحاتها حول بنات سورية، واشتركت فيها مريم سركيس ومريم مكاريوس إلى جانب سليم موصلي وغيره. ولم تتردد «المقتطف» في الكتابة عن «مخترعات النساء» سنة 1887 لكي تؤكد لقرائها أن الاختراع في العلم ليس مقصورا على الرجال، وإن إمكانات تفوق المرأة وإبداعها فيه مفتوحة بلا حدود، دليلها على ذلك مدام ماري كوري (1867 - 1934) التي نالت مع زوجها بيار كوري (1859 - 1906) جائزة نوبل سنة 1903 بعد سنوات معدودة من حديث «المقتطف» عن مخترعات النساء، فكانت مصدر إلهام للمجتمعات المتطلعة إلى تحرير نسائها، وللنساء المتحرقات شوقا إلى اقتحام مجال العلوم الذي ظل لوقت طويل مغلقا في أوجههن، شأنه في ذلك شأن مجالات أخرى كثيرة غيره، حالت بين المرأة وبينها العقول الجامدة في المجتمعات العربية.

ولم يكن من الغريب - والأمر كذلك - أن تُنشئ المرأة العربية مجلاتها الثقافية الخاصة، بعد أن أسهمت بقلمها في الصحافة اليومية مع الرجال، وفي مواجهة المقاومين لتحررها. وكان إقبال المرأة على إنشاء مجلاتها تعبيرا عن رغبتها في تأكيد حضورها الثقافي المستقل، بوصفه بعض التنوع الذي اتسمت به المجلات الثقافية في تطورها، وفي علاقتها بحركة تحرير المرأة التي أدّت إلى ازدهار ما أصبح يُعرف - فيما بعد - باسم «الصحافة النسائية». وقد شهدت مدينة الإسكندرية البداية الأولى للمجلة الثقافية النسائية سنة 1892. وكان ذلك حين أنشأت هند نوفل مجلة «الفتاة» الشهرية التي صدر عددها الأول في العشرين من نوفمبر سنة 1892. وبعد ذلك بسنوات أنشأت الأميرة ألكسندرا إ?يرنوه (1872 - 1927) اللبنانية الأصل مجلة «أنيس الجليس» التي صدر عددها الأول في الحادي والثلاثين من يناير سنة 1898 في مدينة الإسكندرية التي احتضنت نشأة المجلات الثقافية دون غيرها من المدن المصرية، وذلك في السياق الذي شهد مجلة «السيدات والبنات» التي أنشأتها روز أنطون، وصدر عددها الأول في مطلع مارس 1903، وبعدها مجلة «ترقية الفتاة المصرية» التي أصدرتها نبوية موسى من الإسكندرية في الخامس من يونيو 1923.

وانتقلت حركة إنشاء المجلة الثقافية النسائية من الإسكندرية إلى القاهرة، وإلى بيروت، فتتابعت المجلات منذ أواخر القرن التاسع عشر، فصدرت مجلة «الفردوس» التي أصدرت لويزا حبالين عددها الأول في القاهرة في الخامس عشر من يونيو 1896، وبعدها «مرآة الحسناء» لمريم مزهر(اسم مستعار) التي ظهر عددها الأول في الأول من نوفمبر 1896، ثم مجلة استير مويال «العائلة» التي شهدت القاهرة عددها الأول سنة 1899. وكان ذلك كله في التتابع الذي أصدرت فيه أنيسة عطاالله مجلة «المرأة» في السادس من يوليو 1901. وهو التتابع الذي وصل إلى ذروته مع ثورة 1919 وفي أعقابها، خصوصا بعد أن فجّرت الثورة كثيرا من الحواجز التي كانت تعرقل تقدم حركة المرأة. وكان ذلك في السياق الذي ظهرت فيه «فتاة الشرق» للبيبة هاشم (1880 - 1947) سنة 1906 و«الريحانة» لجميلة حافظ سنة 1907 ومجلة «ترقية المرأة» لفاطمة راشد سنة 1908 و«الجنس اللطيف» لملكة سعد في العام نفسه و«فتاة النيل» لسارة المهية سنة 1913 ومجلة «المرأة المصرية» لبلسم عبدالملك 1920، وتبعتها مجلات «شجرة الدر» لمنيرة منصور سنة 1922، و«الأمل» لمنيرة ثابت سنة 1925، وفي موازاة ذلك، شهدت بيروت مجلة «المرأة الجديدة» لجوليا طعمة دمشقية سنة 1921، ومجلة «منير?ا» لماري ينِّي سنة 1923، و«الغادة» لإيليا بارودي سنة 1903.

ومن السهل تبرير نشأة المجلات الثقافية النسائية في الإسكندرية بسبب انفتاح مجتمعها الثقافي على العالم المتقدم أكثر من القاهرة التي لم تخل من نزعات محافظة، فضلا عن الجاليات الأجنبية التي أكدت بسلوكها وثقافاتها حضور حركة تحرير المرأة ودعّمتها. وأخيرا، الدور الذي لعبه المهاجرون الذين تركوا لبنان بسبب الفتن الطائفية، واستقروا بالإسكندرية التي وجدوا في مجتمعها المفتوح أفقا واعدا لأفكارهم عن الدولة المدنية الحديثة التي تنبني على المساواة بين المواطنين، ولا تمايز بينهم على أساس طائفي أو عرقي أو جنسي. ولذلك أصدرت هند نوفل اللبنانية الأصل مجلتها «الفتاة». وأصدر فرح أنطون القادم من طرابلس مجلته «الجامعة»، وقبلهما سليم تقلا (1849 - 1892) وبشارة تقلا (1852 - 1901) اللبنانيان اللذان أنشآ جريدة «الأهرام» في مدينة الإسكندرية أولا سنة 1876، قبل انتقالها إلى القاهرة. وقد لحق بهما جرجي زيدان الذي عمل مصححا في «الأهرام» - أيام أن كانت في الإسكندرية - وانتقل منها إلى القاهرة التي أنشأ فيها مجلته «الهلال». وقل الأمر نفسه عن اليازجي وصاحبي «المقتطف» التي شهدت ازدهارها الحقيقي في مصر، ومئات غيرهم من الذين رعتهم الديار المصرية، وفتحت لهم حضنها، وأتاحت لهم أن ينجزوا فيها ما أضاف إليها وما أفادت منه حركة الاستنارة بوجه عام وازدهار المجلات الثقافية بوجه خاص.

بشارة بشارة
06/07/2010, 01:06 AM
4 -

والواقع أننا لا يمكن أن نترك دور «المجلات الثقافية» في تأسيس النهضة دون الإشارة إلى ثلاثة إنجازات: أولها فتح أفق الحوار الثقافي مع العالم المتقدم كله، وتقديم أفكاره وتياراته وفنونه الإبداعية الجديدة إلى القارئ العربي، الأمر الذي أخرج هذا القارئ من عزلته، وعمّق فيه الوعي بأنه ينتسب إلى المعمورة الإنسانية التي لا يتناقض انتسابه إليها مع انتمائه إلى وطنه أو إلى عروبته أو دينه. ولذلك كانت مجلات مثل «الهلال» و«المقتطف» و«الجامعة» وغيرها تقدم أشهر زعماء العالم، وأبرز تياراته وأحداثه الثقافية والاجتماعية والسياسية، عمادها في ذلك التعريف والمقارنة. التعريف بالجديد غير المعروف في الثقافة العربية (من أفكار مثل الاشتراكية وإنجازات الحركات النقابية العمالية على سبيل المثال)، ولذلك شاعت حتى في عناوين الصحف والمجلات كلمات مفتاحية مثل «العصر الحديث» و«الدنيا الجديدة» و«التقدم» و«التطور» و«الحياة العصرية». وكان ذلك في موازاة المقارنة بين واقع الحال في العالم المتقدم وواقع الحال عندنا، الأمر الذي طرح السؤال عن سر تقدم الغرب وتخلف الشرق، وذلك في سياق يستعيد إنجازات الماضي العربي العظيم، ويقوم بتسليط الضوء على الإسهام العربي الحضاري الذي بدأت أوربا من حيث انتهى مدّه الصاعد، فانطلقت هي وتخلَّف العالم العربي.

ويتصل ثاني هذه الإنجازات بإعادة تأصيل حضور «العلم» في الثقافة، والتعريف بتطوره في العالم المتقدم، وتأجيج رغبة السير في الطريق الذي أفضى إلى تقدم «العلم الغربي» الذي بدأ من حيث توقف العلم العربي، لكن ليس من منظور البكاء العاجز على الماضي الذاهب، وإنما من منظور الرغبة الملتهبة في اللحاق بالمتقدم. ولابد - مرة أخيرة - من الإشادة بالدور الذي قامت به مجلة «المقتطف» في هذا المجال، فقد كانت أكثر المجلات اهتماما بأمور العلم الجديد وتقديم مخترعاته، وذلك بحكم التكوين العلمي لمحرّريها الأساسيين. وهو الأمر الذي تابعتها فيه مجلات أخرى مثل «الهلال» وغيرها من المجلات التي اهتمت بجعل «العلم» مكونا من مكونات الوعي الثقافي العام الذي سعت هذه المجلات إلى ترسيخه. وهو هدف اقترن بإنشاء المجلات المتخصصة في فروع العلم المختلفة التي وجدت إقبالا عليها من القراء المهتمين. والدور الذي قام به طبيب وفيلسوف اجتماعي مثل شبلي الشميل (1853 - 1917) لا يمكن إغفاله في هذا المجال، فهو رائد نظرية التطور في العالم العربي، أصدر مجلة «الشفاء» (1886 - 1891)، وعرّف بمذهب داروين، وقدمه في كتب من مثل «فلسفة النشوء والارتقاء» و«شرح بخنر على مذهب داروين». وكان في ريادته استهلالا لما أكمله إسماعيل مظهر (1891 - 1962) الذي أصدر مجلة «العصور» ورأس تحرير «المقتطف» في فترة من فتراتها، وكتب في مذهب النشوء والارتقاء، مثلما كتب عن «معضلات المدينة الحديثة» كتابا لا يقل أهمية عن كتابه «المرأة في عصر الديموقراطية» و«نزعات الفكر الأوربي». ولذلك لم يكن من الغريب أن نجد طبيبا شاعرا هو أحمد زكي أبو شادي (1892 - 1955) ينشئ مجلة في العلوم، توازي مجلة الشعر «أبوللو» التي كان لها دورها البارز في حركة التجديد الشعري.

ولا ينفصل عن هذا الإنجاز، والذي سبقه، الدعوة إلى إنشاء الجامعة الحديثة، وهي الدعوة التي لا يكتمل حضور «العلم» دونها. وقد شهدت بواكيرها مجلة «الهلال» ومجلة «المنار» التي دعا فيها محمد عبده إلى إنشاء جامعة مدنية حديثة على النمط الأوربي، تُسهم في التقدم العلمي وتحقق وعوده، وتواجه جمود مشايخ الأزهر الذين اشتكى منهم الإمام وعانى من جمودهم. وقد اتفق الإمام بالفعل مع عدد من الأثرياء على إنشاء الجامعة، ولكنه توفى سنة 1905 قبل أن يحقق حلمه، فانتقل الحلم إلى الطليعة التي ضمت سعد زغلول (1857 - 1927) وقاسم أمين (1865 - 1908) وغيرهما من الذين واصلوا الطريق إلى نهايته، فكانت «الجامعة الأهلية» التي افتتحت في أواخر 1908 «إن لم تخني الذاكرة».

ويوازي هذا الإنجاز، لكن في مجال مغاير، أن المجلات الثقافية فتحت الأبواب لترجمة الأنواع الإبداعية الجديدة التي لم يعرفها العرب، على الأقل في شكلها الحديث، فقامت هذه المجلات بترجمة فنون الرواية عن الأدب الأوربي، في موازاة ترجمة المسرحيات. وكان كلا النوعين تعبيرا إبداعيا موازيا لصعود الطبقة الوسطى وصعود الأفندية الجدد في المدينة الحديثة، متعددة الأعراق واللغات والمصالح، المدينة التي أصبحت فضاء فئات الأفندية المطربشين التي أخذت تحل تدريجيا محل طوائف المشايخ والمعممين. أقصد إلى الفئات التي تعلمت تعليما مدنيا، وأخذت تقبل على الأنواع الأدبية الجديدة التي تولّت المجلات الثقافية في ترجمتها، فلم تجتذب الذكور من القراء فحسب، بل اجتذبت النساء القارئات اللائي أقبلن على الروايات المترجمة، خصوصا الروايات «الحبّية» بلغة العصر.

وكما أدى تبنّى المجلات الثقافية العامة لقضية المرأة إلى تتابع إنشاء المجلات الثقافية النسائية، في سياق النهضة، أدى اهتمام هذه المجلات بالفنون الأدبية الجديدة إلى إنشاء مجلات متخصصة في ترجمة الروايات أولا، ومختصة بفن المسرح ثانيا، وذلك في السياق الذي أدّى، أخيرا، إلى ظهور المجلة الأولى المهتمة بفن السينما.

وقد أحصيت - بفضل قوائم الفيكونت دي طرازي - صعود مجلات الروايات التي استهلّت نشرها مجلة «الجنان» التي نشرت روايات سليم البستاني التي لم تنشر منفصلة إلى اليوم. وكانت خطوة «الجنان» بداية الطريق الذي مضت فيه مجلة «سلسلة الفكاهات في أطايب الروايات» التي نشرها نخلة قلفاط في بيروت سنة 1884، و«ديوان الفكاهة» الشهرية التي شملت روايات تاريخية وغرامية، أنشأها سليم شحادة وسليم طراد في بيروت سنة 1885، وتولى تعريب رواياتها شاكر شقير، و«حديقة الأدب» التي أنشأها نجيب جرجور لينشر فيها الروايات التي ألّف بعضها وعرّب بعضها الآخر عن أشهر ما كتبه الإفرنج. وانتقل هذا النوع من المجلات من بيروت إلى القاهرة في التتابع الذي بدأته سلسلة الروايات التي أصدرها محمود خضر وبشير شوكتلي، وظهر عددها الأول في الخامس من أغسطس 1899، ويصل التتابع بين «الروايات الشهرية» ليعقوب جمال (1905) و«حديقة الروايات» (1909) و«سلسلة الروايات» (1909) و«الروايات الجديدة» لنقولا رزق الله (1914) و«الروايات الأسبوعية» (1916). وأضيف إلى ذلك مجلات المسرح التي بدأت مع مطلع القرن العشرين بمجلة «التمثيل» التي أصدرها محمد أمين في القاهرة 1900 وبعدها بسنوات أصدر إبراهيم رمزي «الأدب والتمثيل» في أبريل 1916، وبعدها «المسرح المصري» (1919) ثم «التياترو» لإدوارد كحيل ومحمد شكري (1924). ولا نصل إلى سنة 1924 حتى تقابلنا مجلة «معرض السينما» التي أنشأها محمد عبداللطيف. وكانت الحلقة الجديدة في سلسلة المجلات التي اتسعت بآفاق المعرفة الأدبية، وتوسعت في المفاهيم الثقافية بما وصل الأدب بالفنون من ناحية، ووضع القارئ في الوضع نفسه للمشاهد الذي أخذ يسمع عن السينما، ويقرأ أخبارها العالمية، ويُقبل على ما أتيح له مشاهدته منها.

بشارة بشارة
06/07/2010, 01:09 AM
- 5 -

كانت تسمية «مرايا الأحوال» تسمية لائقة بالصحافة التي تكرر وصفها بالمرآة والمرايا على لسان روادها ورائدتها. والواقع أن هذه التسمية دالة على جانب مهم من دور المجلات الثقافية في حياتنا، وذلك منذ نشأتها التي كانت بها المجلات - كالصحافة بوجه عام - مرايا لزمنها، ولا تزال مرايا لزمننا الحاضر. وأتصور أن هذا البعد بالغ الأهمية في الحديث عن الدور الذي تقوم به المجلات الثقافية في التاريخ الثقافي بكل مجالاته والتاريخ الاجتماعي بكل لوازمه. أقصد إلى أن هذه المجلات تقدم تفاصيل المشاهد والأحداث التي تغيب عن كتب التاريخ الإجمالي، وتضع المتابع لتغير أشكال الوعي المجتمعي والثقافي في قلب المشهد الحي لهذه اللحظة التاريخية أو تلك، فيطالعها كما لو كان يُطالع شاشة حية، يرى فيها ما لا يراه في المصادر والمراجع التقليدية. ويزداد هذا البعد أهمية، حينما ندرك أن ما لا نعرفه من سياقات الفكر والثقافة في تاريخنا العربي الحديث أكثر بكثير مما نعرفه، وأن العناصر التكوينية لهذه السياقات أشبه بجبل الجليد الذي يبدو طافيا على سطح الماء، لا نرى منه إلا أقله، بينما لا نرى الجزء الأكبر منه الذي يختفي تحت سطح الماء. وقد سبق لي إدراك هذه الحقيقة حين أشرفت على إعادة طبع مجلة «روضة المدارس» التي شعرت بأهمية إعادة نشرها حين أتيح لي الإشراف على دار الكتب المصرية. وقد خرجت من تأمّل صفحات هذه المجلة بمئات من التفاصيل التي لم أكن أعرفها عن الأوضاع الثقافية والإبداعية في عصر النهضة، وازددت بالاطلاع عليها معرفة بما كنت أحسب أني أعرفه عن تاريخ الاستنارة المصرية والعربية، بل اكتشفت أن ما لا أعرفه أضعاف ما أعرفه. وقد دفعتني صدمة المعرفة الجديدة إلى مراجعة مجلات مثل «الهلال» و«المقتطف» و«المشرق» و«البيان» و«الزهور» و«الضياء»، إضافة إلى «الجامعة» و«المنار» ما بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى نهاية الربع الأول من القرن العشرين. وقد خرجت من هذه المراجعة بثروة هائلة من الزاد المعرفي، وإدراك مستقر أنه لا غنى لمن يريد أن يعرف التفاصيل، ويرى التاريخ الثقافي حيا في وقائعه وصراعاته وعلاقاته، من العودة إلى المجلات الثقافية للعصر.

وعلى سبيل المثال، نحن نقرأ إجمالا ما ذكر عن أزمة كتابي «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبدالرازق و«الشعر الجاهلي» لطه حسين، ولكن عودة متأنية إلى مجلة «المنار» أو «الزهور» ومقارنتهما بصحافة الجبهة الأخرى مثل «السياسة» اليومية والأسبوعية تبرز الصورة من منظور مختلف، أكثر حيوية في علاقاته المتداخلة المتشابكة، وصراعاته الفكرية التي يختلط فيها الديني بالسياسي والسياسي بالاجتماعي، غير بعيد عن مراكز القوى الموجودة في المجتمع، ابتداء من القصر الملكي والاستعمار وليس انتهاء بالقوى الوطنية.

ويبدو أن تزايد الوعي بأهمية المجلات الثقافية التي أشير إليها - على سبيل التمثيل - في استكمال تتابع المشهد الثقافي وتغير علاقاته هو الذي دفع إلى إعادة طبع مجلات مثل «المنار» و«الجامعة» و«التنكيت والتبكيت» و«الأستاذ» و«الضياء» و«البيان» و«الزهور» و«أبوللو» و«الرسالة» وغيرها من المجلات التي لعبت دورا مهما في تاريخ الثقافة العربية الحديثة. ولكن لا تزال عملية إعادة طبع هذه المجلات عملية عشوائية بوجه عام، لا تخضع لمخطط دقيق ولا رؤية شاملة، تصل ما بين عيني الطائر وعدسة المجهر في إدراك العلاقات المتشابكة بين الجزئيات المعلوماتية مهما كان حجمها.

وقد أكدت هذا الجانب من تاريخ المجلات الثقافية في مقال نشرته بمجلة «العربي» في مايو 1998، بعنوان «أهمية الجريدة والمجلة». وأكدت في هذا المقال أن الفارق كبير بين من يعرف زمنا من الأزمنة، حقبة أو فترة أو مرحلة، بواسطة استعادته في كتاب لمؤرخ من المؤرخين والنفاذ إلى ذلك الزمن مباشرة بواسطة مجلاته وجرائده. في الحالة الأولي، تُخْتَزل ملامح الزمن وتفاصيله في ملامح عامة لا تخلو من التجريد بالضرورة، وتنبني على صياغة هي - في النهاية - رؤية المؤرخ التفسيرية التي لا تخلو من قدر من التحيُّز، صغر أو كبر، يدفع إلى تصغير دلالة وقائع وتكبير أخرى بالقدر الذي يُعيد بناء الأحداث بما يبرز نظرة المؤرخ ومقصدها. وفي الحالة الثانية، يدخل القارئ، مباشرة، بواسطة صفحات الجرائد والمجلات إلى الواقع الحي لتفاصيل المشهد التاريخي للزمن الذي يسترجعه، ويتحرك حركة حرة ما بين الوقائع والأحداث بما يسمح له أن يرى أسبابها ونتائجها من أكثر من منظور أو زاوية. وكل ذلك في موازاة ما يُتاح له من مراقبة علامات التحول البطيء الذي يتراكم دون أن يلفت الانتباه إلى أن يفرض نفسه فيغدو تغيرا حاسما.

ولذلك نتائج بالغة الأهمية في إعادة قــراءة تاريخنا الثقافي الذي لا نزال نجهل الكثير من ملامحه، ولا نزال نستسلم لضعف الذاكرة القومية التي تنسى من أحداث تاريخها القريب ما يمكن أن يكون عونا لها في مواجهة تحديات التاريخ الحاضر وتراجعاته وانتكساته. ومن الذي يمكن أن ينكر الحيوية الثقافية لما أطلق عليه «العصر الليبرالي» بالقياس إلى التراجع الثقافي الذي أخذنا نعاني منه منذ سنوات ليست قليلة بسبب عوامل متعددة، متضافرة ومتآزرة. إن المراجعة هنا لا تهدف إلى إحياء ماضٍ أو استعادته، وإنما إلى إنعاش ذاكرة ثقافية لا تنفصل عن تراثها الخلاقّ، وتبدأ من حيث انتهى السابقون، صعودا إلى القادم الواعد بتحقيق ما لم يتحقق من أحلام التقدم.

وقد ضربت على ذلك مثالا ببعض القضايا التي شغلت المجتمع الثقافي المصري كله، لكنها سرعان ما نُسيت بعد أن حسم أمرها، وظلت دلالة النقاش نفسها في حاجة إلى المزيد من الكشف. أعني - على سبيل المثال - قضية الاختيار بين العمامة والطربوش والبرنيطة التي احتلت من النقاش ما تداخلت فيه دوافع الوطنية والقومية مع الدوافع الدينية. ويتصل بذلك ثورة أبناء مدرسة «دار العلوم» على زيهم التقليدي، وهجرهم العمامة إلى الطربوش. ووصل الأمر بالثائرين إلى عقد مؤتمر بأحد مدرجات المدرسة، قرروا فيه توجيه الدعوة إلى جميع أولياء الأمور، يدعونهم إلى تأييد حركتهم في استبدال زي الأفندية بزي المشايخ. وقد تعاطفت معهم بعض مجلات العصر وجرائده، خصوصا بعد أن تعاهد الطلاب على أن يأتوا جميعا بالزي العصري، متخلين تماما عن الزي القديم. ودارت معركة بينهم وحماة الزي القديم من مشايخهم الذين استعانوا بالشرطة لمواجهة المتمردين. لكن الحياة الثقافية انتصرت لهم، ودافع عنهم من دافع من المثقفين الليبراليين، وتحفّظ من تحفظ من أمثال محب الدين الخطيب الذي صاغ رأيه في عدد مجلة «الزهراء» الصادر في جمادي الثانية 1344 هـ (1926م). ولكن تحفظ المتحفظين سرعان ما انداح تحت اندفاع حركة التجديد في مدرسة دار العلوم التي انتقلت من زي المشايخ إلى زي الأفندية، ومن لقب مدرسة إلى لقب كلية الذي لا تزال عليه إلى اليوم.

وأتصور أن صفحة حية مثل هذه الصفحة من تاريخنا الثقافي يمكن أن تبين لنا عن الدوافع المتصارعة التي انتقلت من الزي إلى التيارات الفكرية التي لا تزال تنطوي عليها كلية «دار العلوم» إلى اليوم. وهي صفحة تضيف إلى حيوية وعي الذاكرة الثقافية العامة بماضيها الذي لم نعد نعرفه، والذي نسيته مع الأسف، فنسيت بعض مكونات قوتها. أقصد إلى هذه القوة التي يمكن أن تستعيدها عندما تجتلي هذه الذاكرة ميراثها من خلال «المجلات الثقافية» التي هي مرايا زمنها، ولا تزال مرايا زمننا الذي سوف يرى فيه أبناؤنا وأحفادنا مشكلاتنا وهمومنا وتحدياتنا وأحلامنا، وما أنجزناه على طريق التقدم وما لم نستطع أن ننجزه إلى اليوم، وتحول بيننا وبينه عقبات كأداء، نرجو أن يتخلص منها الآتون بعدنا.

بشارة بشارة
06/07/2010, 01:10 AM
6 -

ويقودنا ذلك كله إلى حاضر «المجلات الثقافية» التي تزايدت وتعددت وتنوعت، وأصبحت موضوعا للمنافسة الإيجابية بين الأقطار العربية. ولا يزال زمننا يشهد من جوانب السلب والإيجاب الكثير الذي يدفع هذه المجلات إلى الأمام أحيانا، ويجرها إلى الخلف في أحيان أخري. على مستوى الإيجاب، هناك التقدم التكنولوجي الذي انعكس على الطباعة المتقدمة، موصولا بثورة الاتصالات التي اقترنت بحضور الإنترنت الذي صنعت مجلات متكاثرة مواقع لها عليه، فاتسع بدوائر قرائها، واخترق حواجز الزمان والمكان. وهناك اتساع هوامش الحرية الذي اقترن بمتغيرات التاريخ الحديث ومجالاته المتعددة، سياسيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا، وذلك في موازاة تراكم الخبرات الفنية الذي يتجلى في الإخراج الفني للمجلة الذي يتزايد إتقاناوجمالا، في موازاة تراكم الخبرات التحريرية التي تقترن بشمول المنظور، وعالمية الوعي، وابتداع أبواب جديدة، تفتح أمام القارئ من الآفاق المعرفية ما لم يكن متاحا له من قبل.

ولكن هناك عوائق لا تزال قائمة على مستوى السلب: أولها عائق الحريات الذي يجعل لكل مجلة ثقافية سقفا لا تجاوزه، شأنها في ذلك شأن غيرها من وسائل الإعلام. ويختلف هذا السقف، ارتفاعا وانخفاضا، ما بين قطر عربي وغيره، حسب عوامل ليس هنا محل رصدها، وما بين المجلات المطبوعة في العالم العربي عموما والمطبوعة خارجه، خصوصا في أوربا التي لا يزال يصدر في عواصمها عدد من المجلات الثقافية. وقد تحايلت بعض المجلات على هذا العائق بإصدار أكثر من طبعة، تناسب كل منها هذا البلد العربي أو ذاك، كما فعلت مجلة «الآداب» البيروتية في فترة من فتراتها. ولكن أصبح هذا الاختيار مُلْغيً بسبب تقدم الاتصالات الإلكترونية، وإمكان قراءة المجلة على الإنترنت فور صدورها، ومن ثم ملاحظة أي اختلاف في طبعاتها. وهو الأمر الذي قضى على هذه الحيلة التي لم تعد تفلح مع تراكم المحرمات التي لم تعد تشمل المحرمات التقليدية، الدين والجنس والسياسة، بل تزايدت على نحو ملحوظ أخذ يهدد حرية الفكر.

وأتصور أن عائق الحريات هو أهم العوائق التي لا تزال تواجه المجلات الثقافية، تستوي في ذلك المجلات المدعومة من حكومات غنية، تتيح لمجلاتها دعما ماليا يتيح لها مدى أوسع من الانتشار والتوزيع، والمجلات الأقل دعما التي لا تصل إلى المدى نفسه من الانتشار.

ويبدو أن نجاح المجلة الثقافية في مواجهة هذه العقبة يعتمد على مرونة هيئة التحرير التي تُوفِّق بين الممكن والمباح والمسكوت عنه، ساعية إلى توسيع دوائر الحرية على نحو تدريجي، لا يستفز أعداء الحرية، فيدفعهم إلى الانقضاض على المجلة، والعمل على إغلاقها. وقد سبق للشاعر أحمد شوقي أن صاغ هذه المرونة في التعامل مع الواقع ومراوغة مخاطره بقوله:

إن الأراقم لا يُطاق لقاؤها وتنال من خلف بأطراف اليد



وأعتقد أن هذه المرونة هي الشرط الأول في نجاح المجلات الثقافية، وهو شرط مقرون بشمول نظرة رئيس التحرير، وتبنّيه رؤية ثقافية، واعية بشروط مجتمعه، ساعية إلى تجاوزها في الوقت نفسه. ولا جدال في أن مكانة رئيس التحرير وثقله الثقافي يضيف قوة دفع خلاّقة إلى انطلاق المجلة الثقافية. وهي قوة دفع تتزايد بمعاونة هيئة تحرير واعية، ذات خبرة معرفية وفنية وتقنية وتحريرية عالية. ودليل ذلك ما نراه من انحدار عدد من المجلات الثقافية بسبب تغير رئيس تحريرها الذي يُضفي على المجلة من حضوره الثقافي الذي لابد أن يكون بارزا، أو بسبب ضعف هيئة التحرير التي هي عون لرئيس التحرير على إنجاز غايته.

وهناك عائق التمويل، خصوصا مع تغير الأحوال الاقتصادية، والارتفاع المذهل في التكلفة المالية لإنشاء المجلة، الأمر الذي أدى إلى عجز الأفراد عن إنشاء مجلاتهم الخاصة، مثلما فعل فرح أنطون أو محمد رشيد رضا أو شبلي الشميل وغيرهم. وكانت شروط إصدار المجلة، في حالة الأفراد ولا تزال، معتمدة على دعم خارجي، وإلا توقفت المجلة، وقصر عمرها، أو ارتبكت مواعيد صدورها. وقد أدّى الارتفاع المذهل في التكلفة المالية، خصوصا في زمننا، إلى قصر عملية إصدار المجلات على الحكومات، أو على المؤسسات الثقافية الغنية إلا في حالات استثنائية نادرة لا تكسر القاعدة. وغير خافٍ على من يتابع تاريخ الصحافة - إلى اليوم - أن رأس المال يفرض منطقه، ويحدد اتجاه الحركة المجانسة لتوجهه في أحوال كثيرة. ولذلك تظل المجلة دائرة في فلك مصدر التمويل، كما لو كانت ترقص في سلاسل، واسعة أو ضيقة، لا تسمح لها بحرية انطلاق لا حدود لها في النهاية. وسواء كانت المجلة حزبية، مثل «أدب ونقد» المصرية، أو صادرة عن مؤسسة مثل «حوار العرب» الصادرة عن «مؤسسة الفكر العربي»، فالقاعدة واحدة، لا تختلف كثيرا عن القاعدة التي تجعل بعض القنوات التلفزيونية حرة إلى أبعد حد في نقد الحكومات المغايرة للحكومة التي تنفق عليها، متحفظة إلى أبعد حد في الحديث عن الحكومة التي تتولى تمويلها. ولا حاجة إلى تقديم أمثلة، فهي أوضح من أن يُشار إليها.

وغير عائق التمويل، هناك عائق الوعي الاجتماعي الذي قد لا يساوق في تطوره تطور الوعي الذي تنبني عليه المجلة، أو تنطلق منه. ويحدث ذلك حين تغدو القوة السياسية الحاكمة في ناحية وحركة الوعي الاجتماعي المقابلة أبطأ حركة. وتكون النتيجة تشكل مجموعات ضغط متعددة، تمارس تأثيرها السلبي على أجهزة الإعلام، ومنها المجلات، وتغدو بمنزلة رقابة غير رسمية من مجموعات موازية للدولة، ومعارضة أو معادية لتوجهاتها، باسم العقيدة السياسية المغايرة أو التأويل الديني المختلف، فيتزايد حصار الأفكار، ورقابة الأقلام. ويمكن أن ينقلب الحصار إلى قمع يجاوز الكلمة المخالفة إلى الفعل القمعي، ويجاوز التهديد إلى الجرم الذي قد يصل إلى حد الاغتيال، كما حدث في بعض الأقطار العربية. وتكون النتيجة تضخم دور الرقيب الداخلي، ليس لهيئة التحرير وحدها، بل للكتاب الذي ينطوي كل منهم - في هذا الوضع - على رقيبه الداخلي الذي يحول بينه والوقوع في المهالك. ولم يكن من الغريب - والوضع كذلك - أن يعلن كاتب مثل يوسف إدريس أن كل الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتبا واحدا.

ولكن لحسن الحظ، فإن قدرة المجلات الثقافية القائمة (والناجحة) على المواءمة والمناورة هي التي تنجيها من مخاطر التوقف، أو المصادرة، وتدفعها إلى المضي إلى الأمام على الرغم من كل المصاعب والعوائق، فتواصل طريقها، وتمضي في تحقيق أهدافها حسب شروط الضرورة التي تتحرك في سياقاتها. ويُحسب للناجح من هذه المجلات - وما أقله بالقياس إلى عدد قراء العالم العربي - أنه لا يتوقف أو يسكن إلى وضع محلك سر، بل يعمل جاهدا على تطوير نفسه، وعلى توسيع آفاق قرائه، مدركا أن التغيير الإيجابي للوعي الثقافي للفرد القارئ هو المقدمة المنطقية لتغيير الوعي الثقافي العام وتطويره، في كل مجالاته التي تخاطبها المجلةالثقافية، وذلك بما يسهم - ولو على المدى الطويل من المتغيرات الكمية التي تؤدي إلى متغيرات كيفية - في عملية التغيير العام للمجتمع في كل مجالاته التي تخاطبها المجلة الثقافية.

والسعي إلى التطوير الدائم مسألة بالغة الأهمية في مستقبل المجلات الثقافية، من هذا المنظور. وهي مسألة توازي في أهميتها إدراك رئيس التحرير وهيئة التحرير للزاوية التي ينفذون منها إلى الدوائر المتزايدة الاتساع من القراء، حريصين على ملامسة العصب الحي للاحتياجات الثقافية المتجددة والمتغيرة بتغير العصر، وذلك بما لا يغفل التوازن بين المستويات الثقافية المتباينة للقراء، فالمجلة الثقافية لا تتوجه - في النهاية - إلى دارس متخصص، وإنما إلى مثقف، متغاير الخواص في مكونات وعيه الثقافية، ولذلك فملامسة العصب الحي للحاجة الثقافية هو الوجه الآخر من الوعي بتغير تجليات هذه الحاجة وتنوع مستوياتها المعرفية، فضلا عن فضاءاتها المرتبطة بخرائط المعرفة المتوزعة بين الأقطار التي لا تتجانس مستوياتها الثقافية في كل الأحوال.

واحترام المجلة الثقافية لقارئها أمر حتمي في هذا المجال. ويبدأ بالالتزام الصارم بموعد وصولها إليه، واحترام عقله ومخاطبته بما لا ينطوي على استخفاف بهذا العقل، أو التقليل من شأنه، حتى لو فرضت الأهداف النهائية للمجلة إحداث نوع من الصدمة الإيجابية في وعي هذا القارئ. والسبيل إلى ذلك المجادلة بالتي هي أحسن، وبناء النتائج على الأسباب، وعقلانية الخطاب الذي يبدأ مما هو واقع لينتهي إلى ما هو ممكن. وإذا كان العقل هو أعدل الأشياء توزعا بين الناس، فيما ذهب الفيلسوف ديكارت، فمخاطبة عقل القارئ بالدرجة الأولى هو شرط الاحترام المتبادل بين المجلة الثقافية وقارئها الذي لابد أن يجد فيها ما يرقى به من وهاد الضرورة إلى آفاق الحرية، وينتقل به من الإظلام إلى الاستنارة، ومن التقليد إلى الابتكار، ومن الوعي المنغلق إلى الوعي المنفتح على كل جديد أصيل على امتداد الكرة الأرضية. وأخيرا، تحقيق المجاورة المطلوبة بين الوعي المحلي والوعي الإنساني، خصوصا بعد أن أصبحت الكرة الأرضية قرية كونية، لا تعرف العزلة أو الحدود الفاصلة بين أقطارها وقاراتها. هكذا، تغدو المجلة الثقافية عاملا من عوامل التقدم المتصل الذي لا نهاية له أو حد، ويغدو إصدارها مسئولية معرفية، وطنية وقومية وإنسانية في الوقت نفسه، خصوصا من حيث ضرورة انحيازها المعلن لكل ما يحرر الإنسان من قيود التعصب والتحيُّز، وأشكال التخلف والنكوص، مؤكدة كل ما يغني التنوع الثقافي الخلاّق للإنسانية كلها.

ومن هذا المنظور، يتحدد مستقبل المجلة الثقافية، وتتحرك الدوافع التي أتصور أنها لابد أن تقترن بالملامح التالية:

أ- اتساع أفق الحرية.

ب- اتساع المساحة المتزايدة للعلم الذي لا يتوقف عن التطور.

جـ- البحث عن حلول تقنية وتكنولوية جديدة، تتولى تثوير شكل المجلة، وتنقلها من واقع الصفحات الورقية إلى واقع الصفحات الإلكترونية، وذلك في المدى الذي يجاور بين مجلة «on line» ومجلة لا تكف عن تطوير طباعتها الورقية إلى ما لا نهاية له أو حد.

د- البحث عن مصادر غير تقليدية في التمويل، تتيح المزيد من الحرية في توجهات المجلة الثقافية.






جابر عصفور

أحمد حسن محمد
06/09/2010, 09:31 PM
أخي الحبيب، معلومات ممتعة، بصراحة أضافت لي الكثير مما كنت أجهله

دام فضلك على إخوانك بالحكايا باختياراتك الممتازة

واحترامي

بشارة بشارة
06/11/2010, 12:45 AM
أخي الحبيب، معلومات ممتعة، بصراحة أضافت لي الكثير مما كنت أجهله
دام فضلك على إخوانك بالحكايا باختياراتك الممتازة
واحترامي
..............


أحمد حسن محمد ..


من واجبي ومن واجب الجميع أيضاً

النهوص بالمفيد والممتع..

شكراً على الرأي صديقي الغالي


تحية لك