حكايا الافتراض الجميل / بقلم سامح كعوش

كتبه أيهم سليمان في 2010.28.03

حكايا الافتراض الجميل

بقلم الشاعر سامح كعوش / لبنان

الإنترنت عالم الافتراض الجميل ، الذي يتسع لأشكال شتى من المعارف و ضروب التصرف البشري اللامحدود، والمطلق القدرة على التواصل و الاختراق إن جازت التسمية بدلاً من لفظة الاتصال.

شبكةٌ عنكبوتية يقع في أسرها كلّ أفراد المجتمع الإنساني دونما تمييز بين جنس و جنس، أو لونٍ و آخر، أو سنٍّ أو مذهبٍ فكريٍّ أو دينيٍّ أو اجتماعي.

هذه الشبكة أداةٌ عصريةٌ للاتصال، للاختراق و الاقتحام. وهي بذلك تمسك بناصية القلوب و العقول و تحتكر المفتاح السحري إلى أشيائنا الخاصة وتفاصيلنا اليومية بكثير من الوقاحة، والقدرة على الابتزاز. و إن كانت تضيف إلى أشياء إنسانيتنا نكهةً خاصةً من الافتراض اللذيذ الذي يوقع بحبائله كلّ تائقٍ إلى حاجةٍ أو صاحب رغبة.

فكما يتجه الباحث عن معرفة علمية أو ثقافية إلى الإنترنت ليجد فيها ضالته المنشودة، من معلومات علميةٍ و أدبيةٍ، احتوتها هذه الشبكة السحرية بقدرة فائقة على الإيصال، عبر تزويد هذا الباحث بآخر ما أنجزه الفكر البشريّ من معارف و ثقافات و إبداعاتٍ فنية و أدبية. وكما يتجه الطالب إلى الإنترنت ليجد بسهولةٍ و يسرٍ ما يبحث عنه من معلومات يستقيها من مراجع علميةٍ لا تحتويها أكبر المكتبات على سطح الكرة ،(و إن كان الاحتكار التجاري سبباً حتى الآن في تأخير انتشار ظاهرة المصادر المفتوحة عبر الإنترنت)، يتجه الراغب/الإنسان الباحث عن حاجةٍ ما إلى الإنترنت بكثير ثقة و أكيد معرفة بأنّ هذا المصدر يغنيه عن واقعه المأزوم بافتراضٍ يعطيه ما يريد من الأحلام التي يبيعه إياها بالمجّان ، والعلاقات العابرة للقارات دونما أدنى واجبٍ سوى ما يفترض من لقاء ٍ عبر المسنجر أو المنتديات المفتوحة للتعارف و الصداقات الممتدة عبر المسافات، بقدرة العبور إلى لاوعي الفرد البشري في بحثه الدؤوب عن اكتمال لا يتحقق في واقع عيشه.

الواقع الافتراضي الذي يبنيه الإنسان عبر الشبكة هو واقع تخيلاته هو، و إسقاطاته على الآخر عبر التحرر من الصور الجاهزة و المانعة للتحقق بسببِ عاملٍ ما، دينيٍّ أو اجتماعيٍّ أو جغرافيٍّ. و بالافتراض وحده يستطيع هذا الإنسان أن يعيش أحلامه دون خوفٍ من يقظةٍ قد تمنعه من الاستمتاع بهذه الأحلام.

ثمّ إنّ الافتراض بمعناه الشمولي هو لامسؤولية الإنسان عن غايات يصل إليها ولا يصل، يلتزمها ولا تُلزمه. يحيا لذّتها ثمّ يطفئ شاشة عينيه عنها متى شاء. إنّها بمعنى أو بآخر، جنّته الأرضية التي يبنيها هو، ويودّ ألاّ يشاركه فيها إلا آخر حميم ٌ جداًّ.

نعم، افتراض أن تبحث في الإنترنت عن ما أو مَنْ يكملك و يكتمل بك، عبر عملية اتصالٍ يسيرةٍ سهلةٍ، لذيذة المذاق حين هي إشتراك الحواس جميعاً في عملية التصعيد العاطفي حتى الذروة.

افتراض أن تمتدّ العين لترى، واليد لتلامس، والخيال ليرسم واقعاً أجمل من كلّ واقعٍ، فقط لأنه مكتمل التصوّر بعين الرؤيا لا الرؤية القاصرة عن إدراك الأبعاد الأخرى لدلالة الأشكال و أبعاد الحواس.

هذه الأبعاد الأخرى تتمثل بالحواس الطبيعية أولا ً، ثمّ تفوقها و تستوعبها لتصير أكثر قدرة على الفعل، كأن يصير للكلمة المكتوبة صوتٌ يسمعه الآخر، و تسمعه أنتَ حتى ولو كان صادرا ً عنك في ما يشبه الهمس. صوتك الموسيقيُّ الخفيُّ الـ بلا صوت، له طعمٌ و مذاق، ورائحةٌ يشتمّها الآخر و ينسحر بها، لا لأنه صوت من خارج/ من آخر، بل لأنه صوته هو، و إيماء ذاكرته و إبداع مخيلته. ولأنه صوتُ المعنى لا الشكل، صوت لاوعي الإنسان يتسع له الافتراض بينما يمنعه الواقع ويقمعه، و ” كل ممنوع مرغوب”. و هو بهذه الميزة يتفرد و يتفوق على الواقع بجمالية ٍ ما تنقصه و تتناقض مع رتابته وفوضوية تشكله المسخ في حضاريته المزعومة و لا إنسانيته.

و إن كان في الاتصال الافتراضي من عيبٍ أو نقصٍ فإنما هو نقص الإنسان بذاته، لا بالأداة التي يعوزها ليمارس عجزه و ضعفه أمام رغباته المكبوتة و بخاصةٍ الغريزية منها. لكنّه ضعفٌ مرحليٌّ مؤقتٌ هو أشبه بنظرية المداواة بسبب الداء نفسه، “وداوني بالتي كانت هي الداء” أي بمداواة الرغبات عبر إشباعها افتراضياً.

ويبقى الاتصال الافتراضي روحياً بامتياز، شفافاً و أثيرياً، كما بدأ عبر الرسائل الأولى المكتوبة قديماً تعوّض البشر عمّا افتقدوه بفعل بُعدٍ مكانيٍّ فرض حاجةً في واقعهم ما زاده تأزماً. نرى هذا الاتصال الافتراضي يتواصل اليوم بتقنياتٍ أكثر جذباً و قرباً، بالكلمة المباشرة و الصوت، والصورة أحياناً.

في لجة هذا المحيط الافتراضي من الرغبات و الرغبات الممكنة، تبرز مساحاتٌ من المحبة الصافية التي لا تشوبها الغرائز المشبوهة و الرغبات اللامسؤولة و غير الملتزمة اخلاقياً أو قيمياً. هذه المساحات الصافية كمجرى مياه حلوة في لجة بحر مالحٍ ولا يلتقيان. كشمسٍ أضاءت مساحةً شاسعةً من الكرة ولم تأبه للنصف الآخر الذي أراد العتمة خياراً و رغبةً، هي مساحاتٌ تتسع ولا تضيق، و تشعل شمعةً بدلاً من أن تلعن الظلام، وبخاصة في عالم الإنترنت العربي الذي لا يرتاده إلا قلة من الناطقين بالعربية و بنسبة لا تكاد تُلحظ في بيانات ارتياد الأفراد الناطقين بلغاتهم الأم للشبكة نفسها.

مساحاتٌ فيها من المتعة ما يدفع المرء لا إلى ارتيادها فحسب، بل و الانتماء إليها في علاقة روحية صافيةٍ بها، كمصدرٍ للمعرفة و الثقافة و منبعٍ فكريٍّ لا ينضب معينه، ولا يرتوي وارده. و إن صحّ فيها القول إنها جمعت من كلِّ وادٍ عصاً، فقد يصح فيها القول أيضاً إنها جمعت من كل بستانٍ زهرةً.

أعني بها المنتديات الثقافية على وجه الخصوص، لما لها من علاقة وثيقة بدور الكتاب قديماً، واللغة أولاً و أخيراً، وهنا يطرأ في البال تساؤلٌ عميقٌ و جوهريٌّ يتلخص في ” أيّ المنتديات الثقافية نعني بهذه التسمية”؟، و ما هي المواصفات التي تؤهلها لتكون مساحاتٍ مفتوحةً للتثاقف و التبادل الثقافي عبر الإنترنت، لتكمل بهذا ما يعنيه التواصل الافتراضي من تبادلٍ معرفيٍّ أولاً و أخيراً.

المنديات تكثر و هي من الوفرة بمكان، بحيث بات علينا أن نحصي و نرتّب و نبرز إيجابياتٍ و سلبياتٍ لنتمكن من إيفاء الحقّ حقه، وإعطاء كل مُسمّى ما يستحقه من الثناء أو التوجيه إلى ما فيه خير هذا الكائن الافتراضي الضبابي أصلاً في تشظيه المكاني و اغترابه الزماني ، وقصوره عن الالتحاق الجغرافي بالواقع المحيط به. وهنا تبرز أهمية هذا الفعل في توجيه الكثير من البشر الافتراضيين إلى عوالم تحميهم و تشجع فيهم الرغبة الإيجابية على الإبداع، أو التذوّق على الأقل.

ومن هذه المنتديات، منتدى استوقفني مطوّلاً، ودفعني دفعاً إلى الكتابة عنه، لا لأنه مفتوحٌ على كلّ احتمالات الافتراض كما غيره من المنتديات، بل لأنه جمع من الأسماء و الوجوه ما أبرزه منتدىً أدبياً بامتياز، يتفرد بميزة التواصل الفكري و التبادل كما في عكاظ و غيرها منذ زمنٍ يكاد يغيب عن ذاكرتنا بإيجابياته، لما نعانيه اليوم من سلبيات احتراق الروح و اغتصاب الخصوصية التي حلمنا بها يوم ” ولدتنا أمهاتنا أحراراً ” .

هذا المنتدى، اسمه ” حكايا “، والاسم يدل على المضمون، فهو حكايا إبداع كتابي تجريبي لا يبتعد كثيراً عن الإبداع لا الاتباع في أحيان كثيرة. كما يدلنا إليه قولٌ يعلو سماءه الفسيحة الصافية كزرقة خلفيته اللونية، ” ودّ بحجم السماء “. و هنا ما يدلنا إلى صفاء هذه المساحة الافتراضية الحميمة بودٍ توزعه على مرتاديها و ضيوفها في فرحِ عطاء و دفء مودة صافية إلا من تبادلٍ لا تجاريٍّ ، في عالم التجارة الحرة و العولمة الفاقدة خصوصيتها الإنسانية الحقة.

” حكايا “، ينطبق عليها شرط الافتراض أولاً و أخيراً ، وقبل كل شيء في ذلك التموضع المكاني الاغترابي المتباعد الزوايا، الشاسع الامتداد. فأيهم سليمان، و ميراي الحسيني، و هدى محمد، وهند جودة، و سليمان الجمعاني، ورانية أرشيد، و رولا وريما عيد، و الدكتور فاروق مواسي، والدكتور ابراهيم ابوزيد، و أمل صلاح، وأماني فتحي ، ونسيم وسّوف، وغيرهم كثيرون. يلتقون في الـ” حكايا” ليسردوا لنا و على مسامعنا حكايا إبداع ينبثق من شقوق هذه الكرة المعتمة ليجتمع فجراً و نوراً يتبلور في انطلاق فريدٍ عبر المكان من زواياه ليضيء القلب كما أبداً ، من مصر و كندا و فلسطين و الإمارات العربية المتحدة و غيرها من أرجاء المعمورة، بقلوبهم العامرة بكثير فرحٍ و محبة، وودٍ بحجم السماء لا يليق إلا بهم.

مصنف في : حكايا أدبية

أضف تعليق